
وُجِّه إليّ مؤخرًا سؤال بدا لي، على قصره، أوسع بكثير مما توحي به كلماته: ما هي فلسفتك التي تدعو الناس إليها؟ والحقيقة أنني توقفت عند الشطر الأخير من السؤال أكثر مما توقفت عند أوله. فالسؤال لم يكن: ما الأفكار التي تؤمن بها؟ ولا: كيف تفهم الإنسان والعالم؟ وإنما: ما الفلسفة التي تدعو الناس إليها؟
ولعل إجابتي الأولى هي أنني لا أدعو الناس إلى فلسفة بالمعنى الذي يجعل منها مذهبًا ينبغي اعتناقه، ولا أطمح أن يستبدل الإنسان مجموعة من المسلمات التي اعتادها بمجموعة أخرى من المسلمات أصوغها له أنا. بل أن جانبًا كبيرًا مما أحاول القيام به يقوم، في الأصل، على مقاومة هذه النزعة البشرية إلى البحث عن منظومات فكرية مكتملة تمنحنا أجوبة جاهزة، ثم تتحول شيئًا فشيئًا إلى جزء من هويتنا، فنشرع في الدفاع عنها كما ندافع عن أنفسنا. فإذا كان لابد، مع ذلك، من تسمية فلسفة أحاول الدفاع عنها، فسأقول إنها فلسفة إعادة النظر في الإنسان. وأعني بذلك إعادة فتح السؤال الذي توهمنا، منذ زمن طويل، أننا فرغنا من الإجابة عنه: ما الإنسان؟
لقد عرف الإنسان أشياء كثيرة عن نفسه؛ فلقد درس جسمه وأعضاءه وجيناته ودماغه، وتتبع تاريخه التطوري، ودرس مجتمعاته ولغاته وأديانه وحروبه واقتصاده وسلوكه. ونشأت علوم كاملة تختص بجانب أو بآخر من جوانب وجوده. ومع ذلك، فإن وفرة المعرفة بالإنسان لا تعني بالضرورة أننا أصبحنا نمتلك نظرية كافية عنه.
بل ربما حدث العكس أحيانًا؛ إذ كلما ازدادت التفاصيل التي نعرفها عن الإنسان، ازداد اطمئناننا إلى صورة له لم تخضع هي نفسها للفحص الكافي.
تنطلق رؤيتي من شك أساسي في الصورة التي رسمها الإنسان لنفسه. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي لم يكتف بأن يكون موجودًا، وإنما شرع في تمثيل وجوده، فلم يكتف بأن يعيش، بل أراد أن يعرف ماذا يعني أن يعيش، ولم يكتف بأن يكون فردًا بين أفراد نوعه، وإنما صنع لنفسه صورة، ثم أصبح شديد الحساسية لكل ما يؤكد هذه الصورة أو يهددها.
ومن هنا أعتقد أن فهم الإنسان لا يمكن أن يكتمل بدراسة حاجاته البايولوجية وحدها. فالحيوان يجوع ويخاف ويتزاوج ليُنجب ويدافع عن نفسه وعن مجاله. والإنسان يفعل ذلك أيضًا، ولكنه يستطيع فوق ذلك أن يغضب بسبب إهانة رمزية، وأن يقتل دفاعًا عن فكرة، وأن يضحي بحياته من أجل اسم أو راية أو عقيدة، وأن يقضي سنوات وهو يطارد منزلة اجتماعية لا تغير شيئًا جوهريًا في بقائه البايولوجي، وأن يتعذب بسبب الصورة التي يعتقد أن الآخرين يحملونها عنه.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يشغلني؛ فإذا كانت البايولوجيا تستطيع أن تفسر لنا جانبًا عظيمًا من الإنسان، فماذا نفعل بذلك الفائض من السلوك الذي لا يبدو أن رده المباشر إلى الوظيفة البايولوجية يقدم تفسيرًا كافيًا له؟
ومن هذا السؤال تبدأ الميتابايولوجيا.
فالميتابايولوجيا، كما أفهمها، ليست رفضًا للبايولوجيا، ولا بديلًا عنها، ولا ادعاء بأن الإنسان قد خرج من الطبيعة وأصبح كائنًا غير بايولوجي. إنها تبدأ، على العكس، من الاعتراف الكامل بأساس الإنسان البايولوجي، ثم تسأل عما حدث فوق هذا الأساس. فالإنسان يأكل كما يأكل الحيوان، لكنه يستطيع أن يجعل الطعام علامة على الطبقة والمكانة والهوية. ويتزاوج كما تتزاوج الكائنات البايولوجية الأخرى، لكنه يستطيع أن يحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى شبكة هائلة من التملك والغيرة والاعتراف وعزة النفس والانتقام. ويتنافس كما تتنافس الحيوانات، لكنه يستطيع أن يجعل المنافسة بين فريقين رياضيين سببًا للكراهية بين ملايين البشر الذين لم يلتق بعضهم بعضًا قط. ويدافع عن نفسه كما يفعل الحيوان، لكنه يستطيع أن يعد كلمة قيلت عنه اعتداءً يستحق الثأر.
إن شيئًا ما قد أضيف إلى المعادلة. وهذا الشيء هو ما أحاول البحث عنه.
وأحد المفاهيم المركزية في هذه الرؤية هو ما أسميه فائض التمثّل. فالإنسان لا يعيش نفسه فحسب، وإنما يحمل صورة عن نفسه. وهذه الصورة لا تبقى شأنًا داخليًا، لأنها تحتاج باستمرار إلى العالم الخارجي لكي يؤكدها. فنحن نريد أن نُحَب، ولكننا نريد أيضًا أن نعرف بأننا محبوبون. ونريد النجاح، ولكننا نريد كذلك أن يُعرَف أننا ناجحون. ونريد امتلاك الأشياء، ولكن بعض قيمة الأشياء تأتي من معرفة الآخرين أننا نمتلكها. ونتألم من الإساءة، ولكن قدرًا من الألم قد يأتي من المعنى الذي أعطيناه للإساءة بالنسبة إلى صورتنا عن أنفسنا.
وهكذا ينشأ عالم كامل فوق العالم البايولوجي المباشر: عالم المكانة والهيبة والاعتراف والعار وعزة النفس والصيت والمقارنة والحسد والغيرة والرموز والهويات. وهذا العالم ليس وهمًا بمعنى أنه غير موجود. إنه موجود بآثاره، وقد تكون آثاره أشد من آثار حاجات بايولوجية كثيرة. ولكن الخطأ يبدأ عندما ننسى أنه عالم صنعه التمثّل البشري، ثم نتصرف كما لو أن جميع مطالبه ضرورات طبيعية لا يمكن مقاومتها.
ومن هنا يأتي شكي كذلك في ذلك التمجيد الطويل للعقل البشري. فلقد سمينا أنفسنا Homo sapiens، الإنسان العاقل، حتى أصبحت العقلانية في تصورنا الصفة التي تحكم السلوك البشري. ولكن النظر في تاريخ الإنسان وفي حياته اليومية يكشف شيئًا أكثر تعقيدًا. فالإنسان لا يستخدم عقله دائمًا لكي يحكم نفسه؛ بل يستخدمه أحيانًا لكي يبرر لنفسه ما تريد فعله. فحين تُستفز النفس، قد لا يقف العقل في مواجهتها. وقد يتحول إلى محامٍ بالغ الذكاء يبحث لها عن الحجج التي تجعل غضبها مشروعًا، وانتقامها عدلًا، وتحاملها منطقًا، ومصلحتها مبدأً. ولهذا لا يكفي أن نسأل: كم هو ذكي هذا الإنسان؟ بل ينبغي أن نسأل: لمن يعمل ذكاؤه عندما تُستفز نفسه؟ وهذا السؤال، في تقديري، أهم بكثير من اختبارات كثيرة نقيس بها القدرات العقلية.
ولهذا كله، فإنني لا أنطلق من الإنسان بوصفه مركز الكون، ولا من افتراض أنه ذروة مكتملة لمسيرة الطبيعة، ولا من التسليم بأن كل ما يميزه عن الحيوان ينبغي بالضرورة أن يكون علامة تفوق. فالاختلاف ليس مرادفًا للكمال. وقد تكون بعض الخصائص التي نفخر بها مصدرًا لقدر كبير من شقائنا.
إن القدرة على التمثّل منحت الإنسان الفن والفلسفة والأدب والحضارة، لكنها منحته كذلك المقارنة المستمرة والإحساس بالعار والقلق على المكانة والهوس بنظرة الآخرين إليه. فقدراته العقلية الهائلة مكنته من بناء العلوم والتقنيات، لكنها مكنته أيضاً من اختراع وسائل للقتل والتدمير لم يكن بمقدور أي حيوان أن يتصورها.
ولذلك فإن فلسفتي، إن جاز تسميتها كذلك، ليست فلسفة تمجيد الإنسان، وإنما فلسفة مساءلة الإنسان.
وفي هذه النقطة يحتل الدين في رؤيتي موقعًا جوهريًا. فأنا لا أنظر إلى العبادة بوصفها مجموعة طقوس منفصلة عن بُنية الإنسان النفسية والسلوكية، وإنما أرى في المنهاج التعبدي الصارم مشروعًا لإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان ونفسه. فالصبر، وكظم الغيظ، والعفو، والتواضع، والصدقة، والصيام، ومقاومة الشهوة، والنهي عن الكبر والحسد والغيبة والعدوان، كلها ليست، من هذه الزاوية، فضائل متناثرة بلا رابط؛ إذ أنها تستهدف مواضع بعينها من ذلك الكائن الذي يميل إلى تضخيم ذاته وتمثلاته ورغباته.
فالدين لا يقول للإنسان إن كل ما يجده في نفسه جدير بالاتباع. بل يضع بين الرغبة والفعل مسافة، وبين الغضب والانتقام مسافة، وبين القدرة والاستعمال مسافة، وبين صورة الإنسان عن نفسه وحقيقته أمام الله مسافة. وهذه المسافات هي التي تجعل الحرية الأخلاقية ممكنة.
لكن نقد الإنسان لا يعني كراهيته، كما أن كشف عيوب جهاز ما لا يعني الرغبة في تحطيمه. على العكس تمامًا؛ فمعرفة مواطن الخلل هي الشرط الأول لإدارتها. والمشكلة الكبرى التي واجهت الإنسان، في رأيي، أنه أمضى وقتًا طويلًا في تفسير العالم الخارجي قبل أن يمتلك الشجاعة الكافية للنظر إلى عالمه الداخلي من دون مجاملة. فنحن بارعون في اكتشاف تحيز الآخرين، ولكننا أقل براعة في اكتشاف تحيزنا. ونحن نرى غرور خصومنا بسهولة، بينما يصعب علينا رؤية غرورنا. ونحلل المصالح التي تحرك الآخرين، ثم نسمي مصالحنا مبادئ. ونرى العدوان حين يصدر ممن نكره، بينما نستطيع أن نجد له عشرات المبررات حين يصدر منا.
ولهذا فإن أول مبادئ الفلسفة التي أدعو إليها، إن كان لا بد من الحديث عن دعوة، هو الشك في الرواية التي ترويها النفس عن ذاتها. فأنا لا أدعو لتصديق كل ما أقول. بل لعلني أدعو إلى شيء معاكس تمامًا؛ فأنا أدعو إلى إعادة السؤال، أن يسأل الإنسان نفسه كلما غضب: ما الذي غضب فيَّ تحديدًا؟ وكلما شعر بالإهانة: ما الذي أصيب، مصلحتي الحقيقية أم الصورة التي أحملها عن نفسي؟ وكلما كره إنسانًا آخر: هل أكره فعلًا موضوعيًا صدر عنه، أم أكره ما جعلني أشعر به تجاه نفسي؟ وكلما دافع بحماسة عن فكرة: هل أدافع عن الحقيقة، أم عن جزء من هويتي أصبح مرتبطًا بهذه الفكرة؟ وكلما أراد الانتصار في نقاش: هل أريد أن أعرف أي الرأيين أصح، أم أريد ألا أكون أنا المخطئ فحسب؟
فهذه الأسئلة البسيطة قد تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشفه نظريات شديدة التعقيد.
وإذا اضطررت، في النهاية، إلى اختصار فلسفتي في عبارة واحدة، فسأقول: إنها محاولة لفهم الإنسان بأقل قدر ممكن من الأوهام التي صنعها عن نفسه. لا أريد أن أنزع عن الإنسان قيمته، وإنما أريد أن أنزع عنه الأساطير التي تَحول دون أن يكون بمقدوره أن يرى نفسه على حقيقتها. ولا أريد أن أرده إلى الحيوان، وإنما أريد أن أفهم بدقة ما الذي حدث حين تجاوز حدود التنظيم الحيواني المباشر ودخل عالم التمثّل. ولا أريد إدانة العقل، وإنما أريد تحريره من وظيفته القديمة بوصفه محاميًا بارعًا عن رغبات النفس. ولا أريد من الدين أن يكون زينة ثقافية أو هوية اجتماعية، وإنما أريد أن يستعيد وظيفته بوصفه منهاجًا لتزكية النفس وإعادة ضبط علاقتها بذاتها وبالآخرين وبالعالم.
ولذلك فإنني، في حقيقة الأمر، لا أدعو لأن يصبح الناس أتباعًا لفلسفتي، بل أدعو لأن يصبح الإنسان نفسه موضع سؤال من جديد. فربما كانت أكبر مشكلة في تاريخ معرفتنا بالإنسان أننا بدأنا البحث عنه وفي أذهاننا سلفًا صورة لما ينبغي أن نعثر عليه. وربما آن الأوان لأن نفعل العكس: أن نضع الصورة جانبًا، وأن ننظر إلى الإنسان كما يتجلى في أفعاله، وفي غضبه وحبه وحسده وخوفه وتدينه وعدوانه وتناقضاته، ثم نسأل من جديد، ومن دون إجابة مسبقة: ما هذا الكائن حقًا؟ ومن هذا السؤال، وليس من الجواب عليه، تبدأ فلسفتي.
