
في كتابها الصادر حديثاً ( (The Rise and Fall of the Artificial State)” صعود وسقوط الدولة الاصطناعيّة”)، تبذل المؤرخة والأكاديمية في جامعة هارفارد، جيل لابور (Jill Lepore)، جهداً موسوعياً جهيداً في استقصاء وتجميع البيانات والحقائق التي تؤرّخ لمدى تغلغل الخوارزميات في مفاصل الحضارة المعاصرة. لا تكتفي لابور برصد الظاهرة من السطح، بل تغوص في تتبّع الشرايين الرقمية التي باتت تغذي مؤسسات الحكم، وتوجه الانتباه العام، وتصوغ هياكل الاقتصاد والسياسة.
تتأسس أطروحة لابور على تفكيك مفهوم “الدولة الاصطناعيّة”، حيث لم تعد السيطرة حكراً على المؤسسات السياسية التقليدية، بل انتقلت إلى أنظمة خوارزمية تُدار بواسطة نخبة تكنوقراطية. وتتلخص أبرز محاور العمل في:
1. انتقال السلطة نحو “حكومات الذكاء الاصطناعي”: تحول واتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية نحو نماذج خوارزمية تحت شعار “الكفاءة”، مما يؤدي إلى تآكل مفهوم “العقد الاجتماعي” المتبادل.
2. تعدين الانتباه وتفكيك الديمقراطية: إعادة هيكلة الفضاء العام ليتحول الجمهور من مواطنين فاعلين إلى خزان بيانات يتم توجيه سلوكياتهم وتفكيك قدراتهم على الحكم الذاتي.
3. الكلفة المادية والبيئية: الربط بين هذا التمدد الرقمي والتآكل المادي لموارد الكوكب والتنوع البيولوجي جراء التوسع غير المسبوق في مراكز البيانات والبنية التحتية للتقنية.
وعلى الرغم من القيمة الاستقصائية العالية لهذا العمل، إلا أن الكتاب ينطوي على نبرة تحذيرية ذات طابع “آبوكاليبسي” (كارثي) يتطلب نقداً موضوعياً هادئاً. فنبرة الخوف من تغوّل التكنولوجيا على حساب الإنسان ليست جديدة؛ بل هي امتداد لتراث فكري طويل طالما حذر من أن التقدم العلمي البشري يركض بسرعة تتجاوز بكثير سرعة التطور الأخلاقي والقيمي للإنسان.
لكن الإشكال في هذا الطرح الآبوكاليبسي أنه يتعامل مع أي محاولة لتمكين التقنية، ممثلة اليوم بالذكاء الاصطناعي، وكأنها انحراف عن مسار طبيعي مفترض، مجادلاً بأن الحيلولة دون هذا التمكين هي الحل. وفي حقيقة الأمر، فإن أي سعي لكبح التطور التقني تحت أي ذريعة لا يفعل سوى تكريس تذكيرنا بمدى هشاشتنا البشرية، وبكوننا عند مقارنتنا بالمنجزات العلمية المتقنة لا نزال كأطفال يلهون بأدوات ومفاهيم لا يستطيعون لها فقهاً ولا فهماً شاملاً.
وإذا كان الكائن البشري يقف بالفعل على هذا القدر من الهشاشة الاخلاقية والقيمية، والتي أثبتت الوقائع التاريخية والحاضرة عجزها عن إدارة هذا الكوكب، وحماية حياته البيولوجية، بل والعجز عن تحمّل مسؤولية حاضره ومستقبله؛ فما الضير إذاً من أن تتولى الآلة قيادة هذه الحضارة؟
إن الحضارة البشرية المدونة لم تكن سوى مرآة لا تنفك تعكس صراعاتنا وعجزنا عن ممارسة حكم مسؤول وأخلاقي. ومَن يدرك حدود القدرة البشرية لا يستطيع أن يستبعد احتمالاً مفاده: لعل الذكاء الاصطناعي، في نُسخه المستقبلية الأكثر نضجاً وحيادية، قادرٌ على أن يتولى عنا هذه المسؤوليات التأسيسية التي أثقلت كاهلنا ولم نكن يوماً أهلاً لها.
إن التحدي الفكري والأخلاقي الأكبر الذي يفرضه التطور المحتمل للذكاء الاصطناعي ليس “نهاية الإنسان”، بل هو يمثل استثارة كوامن التحدي فيه. فقد تكون هذه الصدمة التكنولوجية هي الصدمة الحضارية اللازمة ليستفيق الإنسان أخيراً من وهم “عبادة صورته المتخيلة” وعنجهية عظمته المزعومة.
فقد تلجئنا هذه المواجهة مع ذكاء أعلى كفاءة إلى إعادة تعريف أنفسنا، لتكون الاستجابة البشرية هي الارتقاء نحو مستوى تطوري جديد: مستوى لا يحكم فيه الإنسان على الأمور بمقياس الذكاء المجرد فحسب، إذ أن هذا المقياس سيتفوق فيه الذكاء الاصطناعي لا محالة، بل يرتفع فيه الحس الأخلاقي والذائقة القيمية. وبذلك، يصبح الإنسان أهلاً لحمل تبعات العيش والارتقاء في عالم سيكون الذكاء المسيطر فيه، بلا أدنى شك، هو الذكاء الاصطناعي.
