
من بين أكثر جوانب الظاهرة الإنسانية إثارةً للحيرة ذلك السلوك الذي نسميه العناد. فليس غريبًا أن يتمسك الإنسان بفعل يعتقد أنه سيعود عليه بالنفع، ولا أن يواصل طريقًا لا يعرف بعدُ إلى أين سينتهي به. وإنما تبدأ المفارقة الحقيقية حين يعرف الإنسان أن الطريق الذي يسلكه يضر به، ويرى الأدلة على ذلك أمامه، وربما يعترف بها في قرارة نفسه، ثم يقرر مع ذلك أن يمضي فيه إلى نهايته. وقد يبلغ الأمر حدًا يصبح معه الرجوع أقل كلفة من الاستمرار، ومع ذلك يختار الاستمرار؛ لا لأن وراءه منفعة خفية، وإنما لأن الرجوع نفسه أصبح في وعيه أكثر إيلامًا من الخسارة التي سيجرها عليه المضي قدمًا.
وهنا يضعنا العناد البشري أمام تحدٍّ لافت لكل تفسير يحاول رد السلوك الإنساني برمته إلى البايولوجيا التطورية. فإذا كان الانتخاب الطبيعي قد عمل، في خطوطه العامة، على ترسيخ السلوكيات التي تساعد الكائن الحي على البقاء والتناسل وإدارة موارده المحدودة بكفاءة، فما المنفعة التطورية من سلوك يدفع صاحبه أحيانًا إلى إهدار الوقت والطاقة والمال والعلاقات والفرص، مع معرفته بأن شيئًا من ذلك لن يعوضه عما يريد إثباته؟
إن عالم الطبيعة، كما يمكن النظر إليه من زاوية اقتصاد الطبيعة، لا يعرف الإسراف لذاته. فالحيوان لا يطارد فريسة إلى ما لا نهاية إذا أصبح مقدار الطاقة التي سينفقها في مطاردتها أكبر من العائد المتوقع منها، ولا يواصل صراعًا خاسرًا بلا حدود لمجرد أنه بدأه، ولا يمتنع عن تغيير مساره لأن تغيير المسار سيبدو أمام بقية الحيوانات اعترافًا رمزيًا بالخطأ. فثمة حساب مستمر، وإن لم يكن واعيًا، بين الكلفة والعائد، وبين الخطر والمنفعة، وبين الإقدام والإحجام.
أما الإنسان، فإنه يستطيع أن يعرف أن الكلفة قد تجاوزت العائد منذ زمن طويل، ثم يضيف إلى خسارته خسارة جديدة لكي لا يبدو، أمام نفسه أو أمام الآخرين، وكأنه قد تراجع. وهنا يبدأ العناد في الظهور بوصفه ظاهرة لا يكفي لتفسيرها الرجوع الى تاريخ الإنسان البايولوجي وحده.
غير أن القول بذلك لا يعني أن العناد البشري قد ظهر من فراغ، أو أنه لا يمتلك أي أصل بايولوجي يمكن تتبعه. فثمة في السلوك الحيواني أساس قديم يمكن أن نرى فيه المادة الأولية التي سيعاد تشكيلها لاحقًا في الإنسان، وهو التفاعل المستمر بين آليتين أساسيتين: الإقدام والإحجام. فالكائن الحي لا يستطيع أن يعيش بآلية الإقدام وحدها. ولو كان مدفوعًا دائمًا إلى الاقتراب من الغذاء أو الشريك أو المورد من دون آلية مقابلة تجعله يتريث أمام الخطر، لتحول الإقدام إلى تهور يهدد حياته. وبالمقابل، لا يستطيع أن يعيش بالإحجام وحده؛ لأن الكائن الذي يتردد أمام كل شيء، ويتجنب كل مخاطرة، لن يحصل على ما يحتاج إليه من غذاء وموارد وفرص للتزاوج.
ومن ثم فإن الفعالية البايولوجية للسلوك تنشأ من التوتر المتوازن بين هاتين القوتين. فآلية الإقدام تقول: تقدَّم، فقد تكون هنا منفعة. أما آلية الإحجام فتقول: انتظر، فقد تكون هنا كلفة أو مخاطرة. ولا تنتصر إحداهما بالضرورة انتصارًا دائمًا على الأخرى، وإنما تتغير المحصلة تبعًا للموقف. فالإحجام ليس رفضًا مبدئيًا للفعل، بل آلية لتقدير كلفته قبل الإقدام عليه. والإقدام ليس اندفاعًا أعمى، بل استجابة لاحتمال وجود منفعة تستحق المخاطرة.
وبهذا المعنى، فإن ما قد يبدو لنا أحيانًا “عنادًا” عند الحيوان هو ليس عنادًا بالمعنى الإنساني للكلمة. إنه في الغالب استمرار مؤقت في سلوك ما، ما دام الجهاز البايولوجي يقدّر أن العائد المتوقع منه لا يزال يبرر كلفته. وحين تتغير المعادلة تغيرًا كافيًا، يتغير السلوك معها. ولكن شيئًا مختلفًا جذريًا يحدث عند الإنسان.
وفق المقاربة الميتابايولوجية، ينبغي البحث عن هذا التحول في ما ترتب على الانعطافة التطورية الأولى من اختلال في البنية التي كانت تنظم العلاقة بين الإنسان وبيئته، وبين دوافعه البايولوجية والعالم التمثلي الجديد الذي بدأ يتكون داخله. فالمشكلة لم تعد تتمثل في أن الإنسان يُقْدِم أو يُحجِم استجابةً للمنفعة والخطر الفعليين فحسب، وإنما أصبح قادرًا على أن يُقدِم ويُحجِم استجابةً إلى تمثلات: كيف سأبدو؟ ماذا يعني تراجعي؟ ماذا سيقول الآخرون؟ هل سيُفهم تغييري لرأيي على أنه ضعف؟ هل يعني اعترافي بالخطأ أنني أقل ذكاءً مما كنت أعتقد؟ وهل ستهتز الصورة التي صنعتها لنفسي إذا فعلت الآن نقيض ما أعلنت بالأمس أنني سأفعله؟
وهنا تدخل إلى المعادلة قوة لم تكن موجودة بهذه الصورة في عالم الحيوان: فائض التمثل. فلم يعد الإنسان يتعامل مع نتائج أفعاله الواقعية وحدها، وإنما مع المعاني التي يتخيل أن هذه الأفعال تحملها. ولم تعد كلفة القرار هي ما سينفقه من طاقة أو وقت أو مال فحسب، وإنما ما قد يسببه القرار من خسارة تمثلية تمس الصورة التي يحملها عن نفسه أو التي يريد للآخرين أن يحملوها عنه.
وهنا تبدأ آلية الإحجام بالانحراف عن وظيفتها البايولوجية الأصلية. فقد يعرف الإنسان أن عليه أن يعتذر، لكنه يُحجِم عن الاعتذار لأن الاعتذار أصبح في نظامه التمثلي مرادفًا للضعف. وقد يعرف أن رأيه خاطئ، لكنه يُحجِم عن تغييره لأن التراجع أصبح اعترافًا بالهزيمة. وقد يعرف أن علاقة ما تستنزفه، لكنه يستمر فيها لأن إنهاءها سيعني، في تمثله، أنه أخطأ منذ البداية. وقد يعرف أن مشروعًا فشل، لكنه يواصل ضخ المال والجهد فيه لأن التوقف سيجبره على مواجهة حقيقة أن رهانه السابق لم يكن صائبًا. وهكذا تتحول وظيفة الإحجام من آلية لحماية الكائن من الكلفة إلى آلية قد تدفعه، وللمفارقة، إلى تحمل كلفة أكبر حتى يتجنب كلفة تمثلية أصغر.
ومن هنا يمكن فهم العناد في علاقته بما يمكن تسميته “القصور الذاتي البشري”. فالإنسان لا يميل فقط إلى المحافظة على حالته المادية، وإنما إلى المحافظة على حالته التمثلية أيضًا. وإذا كان تغيير المسار يقتضي منه إعادة بناء صورة سبق أن بناها عن نفسه، أو تعديل موقف أعلنه أمام الآخرين، أو الاعتراف بأن تقديرًا سابقًا كان خاطئًا، فإن الاستمرار قد يبدو له نفسيًا أيسر من التراجع، حتى عندما يكون التراجع اقتصاديًا وعقلانيًا أقل كلفة بكثير.
ومن هنا تظهر واحدة من أغرب مفارقات العناد. فالإنسان قد ينفق طاقة هائلة لكي يتجنب فعلًا كان سيوفر عليه الطاقة. وقد يقضي ساعات في جدال كان يمكن أن ينهيه بجملة واحدة. وقد يخسر علاقة لأنه لا يريد أن يقول: أخطأت. وقد يرفض نصيحة يعلم في داخله أنها صحيحة لأن قبولها يعني أن شخصًا آخر رأى ما لم يره هو. وقد يستمر في قرار ثبت فشله لأن التراجع عنه سيحطم الصورة التي رسمها لنفسه بوصفه إنسانًا لا يتراجع.
وهكذا يصبح القصور الذاتي البشري نقيضًا غريبًا لاقتصاد الطبيعة. فالطبيعة تحافظ على الطاقة من خلال تعديل السلوك عندما تتغير الظروف، أما الإنسان فقد يهدر الطاقة لكي لا يضطر إلى تعديل تمثله لنفسه.
ولهذا ربما كان من الخطأ النظر إلى كل عناد باعتباره مجرد قوة إرادة زائدة، أو مجرد صلابة مزاجية، أو نقصًا في المرونة العقلية. ففي كثير من الحالات لا يكون الإنسان متمسكًا بالفعل نفسه بقدر ما يكون متمسكًا بالمعنى الذي أصبح الفعل يمثله له. وهذا هو المفتاح الميتابايولوجي لفهم الظاهرة. فالذي يرفض الاعتذار قد لا يعترض على كلمة “آسف” في ذاتها، وإنما على الصورة التي يعتقد أن التلفظ بها سيرسمها عنه. والذي يرفض تغيير رأيه قد لا يكون عاجزًا عن رؤية الأدلة المضادة، وإنما يكون قد دمج رأيه بهويته إلى الحد الذي أصبح معه إسقاط الرأي إسقاطًا لجزء من الذات. والذي يواصل خصومة عبثية قد يعرف تمامًا أنها لا تحقق له شيئًا، لكنه أصبح يرى إنهاءها من طرفه تنازلًا عن مكانته. وعند هذه النقطة يصبح العناد آلية دفاع عن الذات التمثلية. فالإنسان لا يدافع عن مورد مادي، ولا عن حياته، ولا عن نسله، وإنما عن كيان غير مادي نشأ داخل عالم التمثل: صورته، ومكانته، وروايته عن نفسه، وما يريد أن يعنيه سلوكه أمام الآخرين. وهنا تحديدًا يصبح مفهوم فائض التمثل ضروريًا. فالتمثل في حد ذاته ضرورة إنسانية؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يعيش اجتماعيًا من دون أن يمثل نفسه والآخرين والعلاقات والمستقبل والاحتمالات. ولكن المشكلة تبدأ حين يفيض التمثل عن وظيفته، فيصبح الحفاظ على الصورة أهم من الحفاظ على المصلحة التي كان يفترض أن تخدمها الصورة أصلًا. وعندئذ قد يخسر الإنسان الواقع لكي ينتصر في التمثل.
ولعل أكثر صور العناد غرابة هي تلك التي يعرف فيها الإنسان مسبقًا ما ستؤول إليه الأمور. فلو كان جاهلًا بالعواقب لأمكن تفسير سلوكه بسوء التقدير. ولو كان عاجزًا عن رؤية البدائل لأمكن تفسيره بنقص المعرفة. ولكن الإنسان العنيد قد يرى البديل، ويفهم العاقبة، ويقر بأن استمرار المسار سيضره، ثم يقول، تصريحًا أو ضمنًا: سأواصل مع ذلك.
وهذه الـ “مع ذلك” هي التي ينبغي أن تستوقفنا. لأنها تكشف أن القرار لم يعد خاضعًا للحساب البايولوجي المباشر للكلفة والمنفعة. فلقد دخل عنصر آخر إلى المعادلة يستطيع أن يجعل الخسارة المقبولة ماديًا أقل أهمية من الانتصار الرمزي. وقد يبلغ الأمر أن تصبح المعاناة نفسها جزءًا من إثبات الموقف: سأتحمل الخسارة لكي أثبت أنني لم أتراجع. وهنا يبلغ الانفصال عن اقتصاد الطبيعة ذروته. فالحيوان ينسحب عندما تصبح كلفة الاستمرار غير مجدية، أما الإنسان فيستطيع أن يجعل عدم الانسحاب غاية مستقلة. وحين يحدث ذلك، لا تعود الخسارة حجة ضد السلوك؛ بل قد تتحول، على نحو مفارق، إلى دليل على قوة التمسك به. فكلما دفعت أكثر، أصبح الرجوع أصعب. وكلما خسرت أكثر، أصبح الاعتراف بأن عليك التوقف أشد إيلامًا. وهكذا ينشأ المسار الدائري للعناد: الاستمرار يولد خسارة، والخسارة تجعل الاعتراف بالخطأ أكبر كلفة تمثلية، فتدفع إلى مزيد من الاستمرار، الذي يولد بدوره مزيدًا من الخسارة؛ إذ أنه تصاعد ذاتي التغذية لا يحتاج بعد نقطة معينة إلى منفعة خارجية كي يستمر.
وهذا يقود إلى واحدة من أهم المفارقات التي تكشفها الميتابايولوجيا: أن الإنسان يستطيع أن يضحي بمصلحته دفاعًا عن الصورة التي كوّنها عن نفسه. فالتمثل نشأ من حيث الأصل لكي يخدم الكائن؛ لكنه يستطيع بعد أن يتضخم أن يجعل الكائن يخدمه. فتصبح السمعة أهم من الراحة. ويصبح الانتصار في الجدال أهم من الحقيقة. ويصبح عدم التراجع أهم من تجنب الخسارة. ويصبح إثبات القوة أهم من السلامة. ويصبح الحفاظ على الموقف أهم من السبب الذي اتُّخذ الموقف من أجله أصلًا. وفي الحالات القصوى قد يصبح الإنسان مستعدًا لأن يؤذي نفسه لكي لا يسمح للآخر بأن يعتقد أنه انتصر عليه. وهنا يكون الانقلاب قد اكتمل؛ إذ لم تعد الصورة وسيلة لخدمة الإنسان، فأصبح الإنسان موردًا تنفقه الصورة لكي تحافظ على بقائها.
ومن هذه الزاوية، لا يعود العناد مجرد عيب أخلاقي أو سمة شخصية يمكن إضافتها إلى قائمة صفات الإنسان، وإنما يصبح شاهدًا نظريًا مهمًا على التحول الذي أصاب البنية السلوكية البشرية بعد الانعطافة التطورية الأولى.
فالفرق بين الحيوان والإنسان هنا ليس أن الأول لا يصر والثاني يصر، ولا أن الحيوان عقلاني والإنسان غير عقلاني. الفرق أعمق من ذلك. فالحيوان يتحرك داخل شبكة من المنافع والمخاطر التي يفرضها عليه وجوده البايولوجي، بينما أصبح الإنسان يتحرك داخل شبكتين في الوقت نفسه: شبكة الواقع وشبكة تمثل الواقع. وقد تتفق الشبكتان، فيكون السلوك الإنساني مفهومًا وفق مقتضيات المنفعة البايولوجية والاجتماعية. ولكنهما قد تتعارضان، وهنا تظهر الظواهر التي يصعب فهمها إذا أصررنا على تفسير الإنسان بوصفه حيوانًا أكثر ذكاءً فحسب.
فقد يقول الواقع: تراجع. ويقول التمثل: سيظنون أنك ضعيف. ويقول الواقع: اعتذر. فيقول التمثل: ستخسر هيبتك. ويقول الواقع: لقد أخطأت. فيقول التمثل: أنت لست الشخص الذي يخطئ. ويقول الواقع: استمرارك سيؤذيك. فيقول التمثل: لكن توقفك سيعني أنهم كانوا على حق. وعندئذ قد ينتصر التمثل على الواقع، حتى لو كان ثمن انتصاره يدفعه الإنسان نفسه.
ومن هنا يمكن النظر إلى العناد البشري بوصفه واحدًا من أوضح المواضع التي يظهر عندها الحد الفاصل بين البايولوجيا والميتابايولوجيا. فالآلية التي بدأت في التاريخ التطوري بوصفها توازنًا اقتصاديًا بالغ الدقة بين الإقدام والإحجام، أعيد تشكيلها داخل العالم الإنساني بعدما دخل فائض التمثل إلى المعادلة، فتحول الإحجام أحيانًا من وسيلة لمنع الهدر إلى سبب للهدر، ومن آلية لحماية الكائن إلى آلية يستطيع الكائن أن يستنزف نفسه دفاعًا عنها.
ولذلك فإن السؤال عن العناد لا ينبغي أن يكون: لماذا يرفض الإنسان أن يغير رأيه؟ فحسب، بل السؤال الأعمق هو: ما الذي أصبح الإنسان يدافع عنه حين يعرف أن مصلحته في التراجع، ثم يصر مع ذلك على الاستمرار؟ والجواب الذي تقترحه الميتابايولوجيا هو أن الإنسان، في مثل هذه اللحظات، قد لا يكون يدافع عن رأي أو قرار أو موقف بقدر ما يدافع عن تمثله لنفسه؛ عن صورة أصبحت من القوة بحيث غدت قادرة على مطالبة صاحبها بأن يضحي بالوقت والطاقة والمصلحة، بل وربما بنفسه، لكي تبقى هي من دون خدش. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: لقد علّمت الطبيعة الكائن الحي أن يتراجع حين يصبح الاستمرار مكلفًا، لكن الإنسان أنشأ بعد خروجه إلى العالم التمثلي شيئًا يمكن أن يكون أشد عليه من الخسارة نفسها: أن يراه الآخرون، أو أن يرى هو نفسه، وهو يتراجع.
