
تطرح السجالات الأكاديمية والمراجعات النقدية التي رافقت صدور كتاب (The Cauldron… Making the Modern Middle East) “المرجل… صناعة الشرق الأوسط الحديث” للمؤرخ البريطاني سيمون سيباغ مونتيفيوري، إشكالية إبيستيمولوجية محورية تتعلق بطبيعة المقاربات المفهومية المتبعة في تدوين وتفسير التاريخ الحديث والمعاصر لمنطقة الشرق الأوسط منذ مطلع القرن العشرين. فقد أبان التباين الحاد في تقييم العمل، بين من احتفى به بوصفه تفكيكاً بنيوياً للجذور الإمبريالية للأزمات الإقليمية، ومن اتهمه بالاختزال الأيديولوجي وتغييب الفاعلية المحلية، عن حالة من الانقسام المعرفي؛ حيث تتحول المادة التاريخية في كثير من الأحيان من موضوع للتحليل العلمي المحكم إلى أداة للصراع الإيديولوجي والإثبات المسبق.
وتتجلى خطورة الارتهان إلى الأطر الأيديولوجية في الدراسات التاريخية المتعلقة بالشرق الأوسط في إنتاجها لقطبيات تفسيرية حادة؛ إذ يُرد المشهد المعقد إما إلى “السببية الاستعمارية المطلقة” التي تجعل من القوى الغربية المتغير المستقل الوحيد في تشكيل جغرافية المنطقة وسياساتها، وإما إلى “الذاتية الثقافية والسياسية” التي تعفي السياق الجيوسياسي الدولي وتلقي بالمسؤولية كاملة على الهياكل البنيوية المحلية.
إن هذا الاختزال المتبادل يعمل على إقصاء المحاولات العلمية الجادة لتبين الآليات الحقيقية التي أسهمت في تشكيل التاريخ الحديث للمنطقة. فالتاريخ، بوصفه ظاهرة مركبة، لا يمكن فهمه عبر نظرية العامل الواحد، بل عبر تفكيك شبكة العلاقات المتشابكة بين الفعل الإمبريالي، والتوازنات الاجتماعية-الاقتصادية، والديناميات السياسية المحلية.
وعلى الرغم من أن التباين في التفسير التاريخي يُعد مظهراً صحياً يعكس تعدديات المقاربة والنظرية، إلا أن التستر خلف هذا التباين لتبرير حالة السيال المعرفي والضبابية المفهومية يؤدي إلى نتائج سلبيّة على مستوى الإنتاج الأكاديمي وصناعة المعرفة، وذلك كما يتبين لنا في ما يلي:
• العجز عن تفكيك الحاضر؛ حيث تؤدي القراءات الأيديولوجية المبتسرة إلى التعمية عن الحيثيات البنيوية التي جعلت حاضر الشرق الأوسط على هذا القدر من الهشاشة والتعقيد الهيكلي.
• استحالة صياغة التصورات المستقبلية؛ حيث إن الإخفاق في بناء فهم موضوعي لمقدمات التاريخ الحديث يحكم بانسداد آفاق التفكير الرشيد، ويجعل من صياغة مقاربة حقيقية لمعالجة المشكلات المركبة التي تعاني منها المنطقة أمراً غير ممكن من الناحية المعرفية.
ولتجاوز الأزمة المنهجية التي يكشف عنها الجدل المحيط بكتاب المرجل، تبرز الحاجة إلى صياغة إطار معرفي يتجاوز التوظيف الأيديولوجي ويسعى إلى مقاربة التاريخ بناءً على المرتكزات التالية:
1. التحليل البنيوي التفكيكي: تجاوز السرديات الأحادية نحو مقاربة متعددة الأبعاد تأخذ بالحسبان التقاطعات بين الإستراتيجيات الاستعمارية والبنى الاجتماعية والديموغرافية والطبقية داخل المجتمعات المحلية.
2. المساءلة الإبيستيمولوجية للوثيقة: وذلك بالتعامل مع المادة الوثائقية والشهادات التاريخية ضمن سياقات إنتاجها الخطابي والسياسي، وعدم التعامل معها كمُعطيات حيادية مطلقة بمعزل عن أطرها التحليلية.
3. إعادة الاعتبار لمفهوم الفاعلية المتبادلة (Relational Agency): الاعتراف بوطأة وتأثير القوى الإمبريالية الخارجية دون نفي المسؤولية التاريخية عن القرارات والخيارات التي اتخذتها الفاعليات الإقليمية والمحلية في اللحظات المفصلية.
يُشكل السجال الحاد حول كتاب المرجل مؤشراً دالاً على أن دراسة تاريخ الشرق الأوسط الحديث بحاجة ماسة إلى مراجعة نقدية شاملة لأدواتها المنهجية. فالانتقال بتاريخ المنطقة من ساحة للتنازع الأيديولوجي إلى أفق التحليل المعرفي الصارم ليس مطمحاً أكاديمياً فحسب، بل هو شرط أساسي لبناء فهم موضوعي للحاضر، وتأسيس أرضية معرفية يُمكن بناءً عليها استشراف حلول للواقع المعقد والمتشابك للشرق الأوسط الحالي.
