تاريخ الهوية… لماذا يعيد الإنسان اختراع انتماءاته؟

من بين أكثر جوانب الظاهرة الإنسانية قدرة على تغيير أشكالها مع الاحتفاظ ببنيتها العميقة ظاهرة الهوية. فمنذ أن عرف الإنسان الحياة في الجماعات، لم يكف عن تعريف نفسه من خلال انتماء ما: قبيلة، أو مدينة، أو سلالة، أو طبقة، أو قومية، أو دين، أو مذهب، أو حزب، أو وطن، أو ثقافة. فتتغير أسماء الجماعات، وتسقط هويات كانت تبدو أبدية، ثم تظهر مكانها هويات جديدة يعتقد أصحابها أنها مختلفة جذريًا عما سبقها. لكن هل يبتكر الإنسان، في كل مرة، هوية جديدة حقًا؟ أم أنه يعيد إنتاج الحاجة القديمة إلى الهوية في موضوع جديد؟ إن الفرق بين السؤالين بالغ الدلالة. فإذا ركزنا على مضمون الهوية، بدا تاريخ الإنسان مليئًا بالتحولات. أما إذا انتقلنا من مضمون الهوية إلى الوظيفة التي تؤديها، فقد نكتشف قدرًا مذهلًا من الاستمرار. فقد يتوقف الإنسان عن تعريف نفسه بقبيلته، لكنه يعرف نفسه بقوميته. وقد تتراجع القومية، فيصبح الحزب أو المذهب أو الطبقة أو الثقافة محور تعريف الذات. وقد تضعف هذه جميعًا، فتظهر هويات أخرى تبدو أكثر حداثة. فتتغير الإجابة عن سؤال “إلى من أنتمي؟”، لكن السؤال نفسه لا يغادر الإنسان.
فلقد اعتدنا أن نكتب تاريخ الهوية بوصفه تاريخًا للهويات التي ظهرت واختفت: القبائل، والشعوب، والأمم، والطوائف، والدول، والحركات السياسية والاجتماعية. ولكن ماذا لو أعدنا كتابة هذا التاريخ بطريقة مختلفة؟ وماذا لو حذفنا أسماء الجماعات، وأزلنا الشعارات والرايات والمصطلحات، ثم بحثنا عما يبقى بعد ذلك؟ فقد نجد بنية شديدة البساطة: أنا أنتمي إلى «نحن»، ولذلك يوجد في المقابل “هم”. وهذه الثنائية قد تكون واحدة من أقدم البنى التمثلية في التاريخ البشري. فالهوية لا تخبر الإنسان بمن يكون فقط، بل تساعده أيضًا على تحديد من لا يكون. ولهذا فإن بناء الـ«نحن» يترافق، بدرجات متفاوتة، مع بناء الـ “هم”. وليس معنى ذلك أن كل انتماء يستلزم العداء. فيستطيع الإنسان أن ينتمي إلى جماعة من دون أن يعادي غيرها. لكن الهوية توفر البنية التي يصبح من خلالها التصنيف ممكنًا: داخل وخارج، قريب وغريب، عضو وغير عضو. وما يحدث بعد ذلك يتوقف على الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع هذا التصنيف.
وهنا تكتسب الهوية قيمتها داخل المقاربة الميتابايولوجية. فالانتماء في أبسط صوره حقيقة اجتماعية: الإنسان عضو في جماعة معينة، ولكن فائض التمثل يستطيع أن يحول هذه الحقيقة الخارجية إلى جزء من تعريف الإنسان لنفسه. فلا يعود الأمر: أنا أنتمي إلى هذه الجماعة. بل يصبح: هذه الجماعة هي جزء مما أنا عليه. والفرق بين العبارتين هائل.
فحين تصبح الجماعة جزءًا من تمثل الذات، لا يعود ما يصيبها منفصلًا تمامًا عما يصيب الفرد. فالإنسان يستطيع أن يشعر بالفخر بسبب إنجاز لم يشارك فيه شخصيًا، لمجرد أن من حققه ينتمي إلى جماعته. ويستطيع أن يشعر بالإهانة بسبب إساءة وُجهت إلى جماعته، حتى وإن لم تكن موجهة إليه.
وهنا تكشف الهوية عن قدرة تمثلية لا نجد لها  النظير نفسه في عالم الحيوان. فالإنسان يستطيع أن يتألم بسبب رمز، وأن يغضب بسبب رواية تاريخية، وأن يشعر بالانتصار بسبب حدث وقع قبل ولادته، وأن يحمل ضغينة تجاه جماعة بسبب واقعة لم يعشها أحد من الأحياء؛ إذ أنه لا يعيش الحاضر فقط، بل يعيش تمثله الجماعي للماضي.
ومن هنا تظهر واحدة من أغرب خصائص الهوية ألا وهي قدرتها على تحويل التاريخ إلى ذاكرة شخصية. فقد يقول الإنسان: «انتصرنا» في معركة وقعت قبل مئات السنين، أو «ظلمونا» في حادثة سبقت ميلاده بأجيال. فمن هم «نحن»؟ ومن هم «هم»؟
فالأفراد الذين شاركوا في الحدث ماتوا جميعًا تقريبًا، لكن الهوية أبقت الضمائر حية! فلقد مات الأشخاص، وبقيت نحن!
وهذا يكشف شيئًا جوهريًا في فائض التمثل: يستطيع الإنسان أن يمد ذاته عبر الزمن من خلال الجماعة. فتصبح الهوية نوعًا من الاستمرار الرمزي للذات يتجاوز عمر الفرد. ولهذا قد يكون التخلي عن بعض الهويات بالغ الصعوبة؛ لأن الإنسان لا يشعر بأنه يغير رأيًا فحسب، بل بأنه يفقد جزءًا من نفسه.
ولكن التاريخ يكشف مفارقة أخرى. فالهويات تموت باستمرار. فشعوب تختفي، وإمبراطوريات تتفكك، وأحزاب تنهار، وإيديولوجيات تفقد جاذبيتها، وانتماءات كانت تحدد حياة الملايين تصبح بعد قرون مجرد موضوع في كتب التاريخ.
ومع ذلك لا تختفي الهوية، لماذا؟ لأن ما مات هو موضوع الانتماء، لا الحاجة التمثلية إلى الانتماء. وما إن يضعف أحد أشكال الهوية حتى يستطيع شكل آخر أن يشغل موقعه. وهنا ربما نكون أمام تطبيق بالغ الوضوح لمقولة “لا جديد تحت الشمس”. فالجديد هو اسم الجماعة، والجديد هو الشعار، والجديد هو الرمز، والجديد هو السردية التي ترويها الجماعة عن نفسها. أما البنية “أنا واحد من هؤلاء” قد تكون أقدم بكثير.
ولهذا ربما كان من أكثر أوهام الحداثة إثارة للاهتمام الاعتقاد بأن الإنسان الحديث تجاوز الهويات القديمة. فلقد ضعفت القبيلة في مجتمعات كثيرة، وتراجعت بعض الانتماءات التقليدية، ونشأت الدولة الحديثة، وانتشرت الفردانية، وأصبح الإنسان قادرًا على بناء مسارات حياتية أكثر استقلالًا، ولكن هل أصبح الإنسان أقل احتياجًا إلى الهوية؟ ليس بالضرورة، فقد يكون ما حدث هو انتقال التمثل من موضوع إلى آخر. فالإنسان الذي لم يعد يُعرِّف نفسه بقبيلته قد يُعرِّف نفسه بإيديولوجيته، أو بمهنته، أو بثقافته، أو بأسلوب حياته، أو بجماعة اجتماعية أو فكرية ينتمي إليها. وقد يصبح الانتماء الحديث قادرًا على إنتاج بعض الظواهر النفسية نفسها التي أنتجتها الانتماءات القديمة: الولاء، والاصطفاف، والتحيز، والدفاع عن الجماعة، والبحث عن خصم. وهنا تكمن المفارقة: فقد يتغير شكل الهوية لكي يستطيع الإنسان الاحتفاظ بوظيفتها.
ولعل هذا يكشف علاقة عميقة بين سؤالين نظنهما مختلفين: من أنا؟ وإلى من أنتمي؟ فالإنسان كثيرًا ما يجيب عن السؤال الأول باستخدام الثاني. فبدل أن يبني تعريفه لذاته من خصائصه الفردية وحدها، يستعير جزءًا من تعريفه من الجماعة التي ينتمي إليها. ومن هنا تصبح الهوية موردًا تمثليًا؛ إذ أنها توفر على الإنسان جانبًا من عبء تعريف نفسه. فبمجرد أن يقول: أنا من هذه الأمة، أو هذا الدين، أو هذا الحزب، أو هذه الثقافة، يحصل على حزمة كاملة من المعاني والرموز والتواريخ والقيم التي يستطيع إدخالها في صورة ذاته. ولهذا تكون الهوية جذابة؛ إذ أنها لا تمنح الإنسان جماعة فقط، بل تمنحه قصة عن نفسه.
ولكن التحول الأخطر يحدث عندما ينتقل الإنسان من القول: هذه جماعتي إلى القول: ولأنها جماعتي فهي أفضل! فهنا تتحول حقيقة الانتماء إلى حكم قيمة. ومن هذه النقطة يستطيع فائض التمثل أن يبدأ في إنتاج سلسلة طويلة من الانحيازات. ففضائل الجماعة تُضخَّم، وعيوبها تُخفَّف، وإنجازاتها تصبح دليلًا على جوهرها، بينما إخفاقاتها تتحول إلى استثناءات أو مؤامرات أو نتائج لظروف خارجية. ويحدث العكس مع الجماعة المنافسة.
وهكذا لا يعود الإنسان يرى جماعتين كما هما، بل يرى صورتين أنتجهما تمثله “نحن” المثالية و “هم” المختزلة. ومن هنا يستطيع الانتماء أن يتحول من وسيلة لتنظيم العلاقات البشرية إلى حاجز معرفي يمنع الإنسان من رؤية الواقع كما هو.
وهنا يظهر مبدأ بالغ الدلالة في مقاومة هذا الاختزال يتمثل في أن الأفراد الذين ينتمون إلى الجماعة نفسها “ليسوا سواء”.
فالعقل التمثلي يميل إلى الانتقال من الفرد إلى الجماعة، ثم العودة من الجماعة إلى الفرد. فيرى فعلًا صادرًا عن شخص، فينسبه إلى جماعته، ثم يستخدم الصورة التي بناها عن الجماعة للحكم على أفراد لم يعرفهم قط. وهذه الحركة من أخطر الاختصارات المعرفية التي تنتجها الهوية. فالواقع يقدم أفرادًا، أما التمثل فيقدم جماعات متجانسة. وحين يصبح اسم الجماعة كافيًا للحكم على الفرد، تكون الهوية قد حجبت الإنسان. ولذلك فإن الاعتراف بأن “ليسوا سواء” هو ليس مجرد مبدأ أخلاقي في التعامل مع الآخرين، بل تصحيح معرفي لطريقة عمل العقل نفسه؛ إذ أنه يعيد الفرد إلى المكان الذي أزاحته منه الهوية.
ولكن الهوية لا تعيد بناء الماضي فقط؛ إذ أنها تستطيع أيضًا أن تحدد المستقبل. فالجماعة تنتج سردية عن أصلها، ثم تحول هذه السردية إلى مشروع لما ينبغي أن تصبح عليه. ومن هنا تظهر الأحلام القومية والدينية والسياسية والحضارية المختلفة. فالإنسان لا يقول فحسب: كنا كذا، بل ينتقل بسهولة إلى: ولذلك ينبغي أن نصبح كذا مرة أخرى. وهكذا يستطيع الماضي المتخيل أو المنتقى أن يتحول إلى برنامج للمستقبل. وعندئذ يصبح التاريخ مادة تمثلية تستخدمها الهوية لإنتاج ما لم يحدث بعد. وهذه واحدة من أكثر قدرات الإنسان غرابة، والمتمثلة في كون الماضي يستطيع أن يحكم المستقبل لأنه يعيش في تمثل الحاضر!
وهنا نعود إلى سؤال “مشروع إعادة كتابة تاريخ المعرفة”. فإذا جمعنا آلاف الهويات التي ظهرت في التاريخ، ثم حذفنا أسماءها ورموزها وأزمنتها، وصنفناها بحسب الوظائف التي تؤديها، فكم نوعًا سيبقى؟ فقد نجد عددًا أقل بكثير مما كنا نتوقع. فهوية تقوم على النسب. وهوية تقوم على المكان. وهوية تقوم على العقيدة. وهوية تقوم على اللغة والثقافة. وهوية تقوم على المصلحة أو الطبقة. وهوية تقوم على الفكرة السياسية. وقد تتداخل هذه العناصر بآلاف الطرق، لكن عدد المواد الأولية التي يعاد تركيبها يظل محدودًا. ومرة أخرى يتجلى قانون: التجليات كثيرة، والأصول قليلة.
ومن هنا ينبغي إعادة كتابة تاريخ الهوية كله. فبدل أن يكون تاريخ القبائل والقوميات والطوائف والأحزاب، يمكن أن يصبح تاريخ حاجة الإنسان المستمرة إلى بناء «نحن» يستطيع أن يرى نفسه من خلالها. وعندئذ لن يكون السؤال: ما الهوية التي ظهرت في هذا القرن؟ بل: ما الحاجة التمثلية التي أدتها هذه الهوية، وأي هوية كانت تؤدي الوظيفة نفسها قبلها؟
وبهذا يمكن أن نكتشف أن هوية حديثة تبدو منقطعة تمامًا عن الماضي قد تكون، من الناحية التمثلية، وريثة لهوية قديمة جدًا. فقد يتغير الاسم، لكن الوظيفة بقيت.
وهنا تكتسب العبارة القديمة “لا جديد تحت الشمس” معناها مرة أخرى. فالإنسان الذي كان يقول قبل آلاف السنين: هؤلاء قومي، وهؤلاء خصومي، لم يختفِ بالضرورة. فلقد تغيرت الكلمات التي يستخدمها. وقد لا تكون جماعته قبيلة. وقد لا يكون خصمه قبيلة أخرى. وقد تكون هويته اليوم أكثر تجريدًا وتعقيدًا وحداثة. لكن البنية العميقة تستطيع أن تبقى، والمتمثلة في “نحن وهُم”. وهذا لا يعني أن الهوية شر ينبغي التخلص منه. فالانتماء جزء أساسي من الحياة الإنسانية، ويمكن أن يكون مصدرًا للتعاون والتضامن والمعنى والمسؤولية. ولكن المشكلة تبدأ حين ينسى الإنسان أن الهوية هي تمثُّل للذات وليست الذات كلها. وحين ينسى الإنسان أن الآخر الذي وضعه تمثله داخل كلمة «هم» ليس ممثلًا مجردًا لجماعة، بل هو فردٌ له خصائصه وأفعاله ومسؤوليته الخاصة.
وعندئذ يصبح التحرر الحقيقي من أسر الهوية هو ليس أن يعيش الإنسان بلا انتماء، فهذا قد لا يكون ممكنًا ولا مطلوبًا، وإنما أن يستطيع الانتماء من دون أن يجعل انتماءه بديلًا عن رؤيته للواقع.
وهنا ربما يكون السؤال الأخير في تاريخ الهوية هو ليس: إلى كم جماعة انتمى الإنسان عبر التاريخ؟ بل: لماذا ظل الإنسان، كلما انهارت «نحن» قديمة، يبحث عن «نحن» جديدة يستطيع أن يعيد من خلالها تعريف نفسه؟ فإذا كانت الإجابة تكمن في فائض التمثل، فإن تاريخ الهوية لن يعود تاريخًا للجماعات التي اخترعها الإنسان فحسب، بل سيصبح تاريخًا لشيء أكثر عمقًا: تاريخ الإنسان وهو يبحث، مرة بعد مرة، عن نفسه في الآخرين.

أضف تعليق