“فطرة الله”… هل يولد الإنسان مؤمنًا أم أنه يختار ان يسلك طريق الإيمان؟

من بين المصطلحات القرآنية التي استقر لها في الوعي الديني معنى يكاد يبدو بديهيًا مصطلح “فطرة الله” الوارد في قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]. فقد شاع تفسير «فطرة الله» بأنها طبيعة دينية أودعها الله في كل إنسان عند ولادته، بحيث يولد الإنسان مهيأً للإيمان بالله، أو موحدًا على نحو فطري، ثم تأتي البيئة والأسرة والمجتمع فتغير هذه الفطرة أو تحجبها. وقد وجد هذا التفسير سنده الأشهر في الحديث النبوي: «كل مولود يولد على الفطرة»، وما يتبعه من ذكر لدور الأبوين في تهويده أو تنصيره أو تمجيسه.
غير أن التسليم بهذا التفسير يثير إشكالًا قرآنيًا عميقًا قلما يُلتفت إليه، مفاده أنه إذا كان الإنسان يولد وفي داخله إيمان فطري سابق على اختياره، فأين تقع المسؤولية الفردية التي جعلها القرآن أساسًا للإيمان والكفر، والهداية والضلال، والثواب والعقاب؟
إن القرآن لا يقدم الإيمان بوصفه حالة بايولوجية يولد الإنسان مزودًا بها، وإنما يقدمه مرارًا بوصفه موقفًا يتخذه الإنسان بعد أن تُعرض عليه الآيات، وتَبلُغه الرسالة، ويصبح قادرًا على الاختيار بين التصديق والتكذيب، والطاعة والعصيان.
ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: 3]. فالآية الكريمة لا تقول إن الإنسان مؤمن أولًا ثم يصبح كافرًا بفعل البيئة، وإنما تضعه أمام سبيل عُرِّف به، ثم تجعل موقفه منه احتمالين متقابلين: الشكر أو الكفر.
ويقول تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. وتكاد هذه الآية تجعل الاختيار نفسه في صميم التجربة الدينية. فالإنسان لا يكون مسؤولًا أخلاقيًا عن شيء وُلد به، وإنما عن موقف اتخذه وهو قادر على اتخاذ نقيضه.
ومن هنا تظهر المشكلة التي يخلقها تفسير «الفطرة» بوصفها إيمانًا مغروسًا في الطبيعة الإنسانية. فإذا كان الإنسان يولد مؤمنًا بطبيعته، أصبح الكفر في جوهره خروجًا عن تكوين سابق، بينما يصوره القرآن في مواضع كثيرة بوصفه اختيارًا يتحمل الإنسان مسؤوليته بعد قيام الحجة عليه. بل إن القرآن يقرر مبدأ أشد وضوحًا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256].
ولا يقتصر معنى الإكراه هنا، عند النظر إلى القضية من زاوية المسؤولية، على الإكراه الخارجي الذي يمارسه إنسان على إنسان؛ فجوهر المسؤولية الدينية نفسها يفترض أن يكون الإنسان قادرًا على اتخاذ موقفه. ولو كان الإيمان مكونًا سابقًا مغروسًا في الطبيعة البشرية على النحو الذي تكون به الغرائز والاستعدادات التكوينية، لوجب أن نسأل: بأي معنى يصبح اختيار الإيمان اختيارًا؟
ربما كان منشأ الإشكال أننا بدأنا بالحديث لكي نفسر القرآن، بدل أن نبدأ بالقرآن لكي نفهم المصطلح القرآني في سياقه. فالآية لا تقول: أقم وجهك للفطرة، وإنما تقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾. ثم تختم بقولها: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. إن البداية «الدين»، والنهاية «الدين»، وبينهما “فطرة الله”. وهذا البناء يفتح الباب أمام قراءة مختلفة جذريًا مفادها أن تكون “فطرة الله” وصفًا للدين الإلهي نفسه، لا وصفًا لتركيب نفسي أو بايولوجي مودع في الإنسان. وعندئذ يصبح السؤال: ما معنى «فطر الناس عليها»؟ هنا ينبغي الرجوع إلى البداية القرآنية لقصة الإنسان.
فالقصة القرآنية للإنسان لا تبدأ بإنسان بدائي يبحث في الطبيعة حتى يستنتج وجود الله، ولا بطفل يحمل في تكوينه النفسي معرفة غامضة بخالقه. إنها تبدأ بآدم الذي يعلمه الله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]. وتبدأ بإنسان يتلقى أمرًا ونهيًا مباشرة من الله: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ… وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: 35]. ثم بعد الهبوط يقول الله تعالى:
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]. وهذه الآية بالغة الدلالة؛ لأن العلاقة بين الإنسان والدين تظهر فيها علاقة تعليم وهداية واتباع: يأتي الهدى من الله، ثم يختار الإنسان أن يتبعه أو يعرض عنه.
ومن هنا يمكن اقتراح معنى آخر لعبارة «فطرة الله التي فطر الناس عليها»: إنها الدين الأول الذي أنشأ الله عليه الجماعة البشرية منذ أبيها آدم؛ أي النظام الإلهي الذي بدأ معه التاريخ الإنساني نفسه، وتلقى آدم أصوله من الله، ثم انتقل هذا الميراث الديني إلى ذريته. فالفطرة، وفق هذه القراءة، هي ليست «غريزة الإيمان»، وإنما هي الأصل الديني الأول للإنسان.
وهنا يظهر فارق دقيق ولكنه ذو دلالة بالغة بين قولنا إن الإنسان فُطر على الدين وبين قولنا إن الدين مزروع تكوينيًا في الإنسان. فالعبارتان ليستا بالضرورة شيئًا واحدًا. فيمكن أن يكون معنى «فطر الناس عليها» أن الله ابتدأ وجود الإنسان التاريخي على هذا الدين، مثلما نقول إن جماعة من الناس نشأت على لغة أو ثقافة أو معرفة معينة، من غير أن يعني ذلك أن تلك اللغة مكتوبة في جيناتها أو أن تلك المعرفة موجودة في دماغ كل مولود منها قبل أن يتعلمها.
وبهذا المعنى يصبح آدم نقطة البدء. فالإنسان الأول لم يبدأ حياته المعرفية من الصفر، وإنما بدأها متلقيًا تعليمًا إلهيًا. ومن ثم فإن أقدم دين عرفه الإنسان، وفق النص القرآني، لم يكن وثنية ولا تعدد آلهة ولا عبادة ظواهر الطبيعة، وإنما معرفة بالله وتلقيًا للهداية منه. وبذلك تصبح «فطرة الله» هي الدين الذي فطر الله التاريخ الإنساني عليه منذ بدايته.
ومن هنا يمكن أن نفهم أيضًا قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، فإذا كان السياق كله في الدين، ثم أعقب قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، فمن الممكن أن يكون المراد هو أن الأصل الإلهي للدين لا يتبدل: فالرسالات تتعدد، والشرائع قد تختلف في بعض أحكامها، والأنبياء يتعاقبون، ولكن المصدر واحد والأصل واحد: عبادة الله والخضوع له واتباع هداه.
والآن، ماذا بخصوص حديث «كل مولود يولد على الفطرة»؟ فليس المطلوب رفض الحديث، وإنما رفض افتراض أن المعنى الذي شاع تحميله عليه هو المعنى الوحيد الممكن. فالحديث يقول إن المولود يولد «على الفطرة»، لكنه لا يقول في عبارته ذاتها إن الطفل يولد مؤمنًا واعيًا بالله، ولا إنه يحمل عقيدة مكتملة، ولا إنه يولد مسلمًا بالمعنى التكليفي الذي يصبح به مسؤولًا عن إيمانه. فالطفل أصلًا لا يملك عند ولادته الأدوات العقلية التي تجعل الإيمان والكفر موقفين واعيين يمكن نسبتهما إليه. ولهذا فإن قراءة الحديث ينبغي ألا تنتهي إلى إلغاء الفرق القرآني الحاسم بين الاستعداد للمعرفة واختيار الإيمان. فيمكن أن يولد الإنسان على أصل الخِلقة الإنسانية التي أقام الله عليها النوع البشري، ثم يدخل عالم اللغة والتعليم والثقافة والدين، وحين يبلغ القدرة على التمييز يصبح مطالبًا بأن يتخذ موقفه بنفسه. وعندئذ لا يكون الحديث ناسخًا لمنطق الاختيار القرآني، ولا تتحول الفطرة إلى “إيمان سابق على إرادة الاختيار”.
وثمة سؤال آخر يجعل القراءة التقليدية أكثر صعوبة. فإذا كان الإنسان يحمل دين الله في فطرته منذ ولادته، فما الوظيفة المعرفية للرسالات؟
إن القرآن لا يصور الرسل بوصفهم مجرد منبهات لشيء يعرفه الإنسان معرفة مكتملة في داخله، وإنما يصورهم حاملين للبينات، ومبشرين ومنذرين، ومقيمين للحجة: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: 165). وهذه الآية الكريمة بالغة الدلالة. فلو كانت معرفة الحق الديني قائمة في الإنسان قيامًا فطريًا كافيًا للمساءلة، لكان من المشروع التساؤل عن معنى ارتباط انقطاع الحجة بإرسال الرسل. ولكن الآية تجعل الرسالة عنصرًا جوهريًا في قيام الحجة. والقرآن يذهب أبعد من ذلك: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. وهذا يعني أن المسؤولية لا تقوم ببساطة على وجود «برنامج إيماني» مودع في الإنسان منذ الميلاد، وإنما ترتبط بالهداية والبيان وبلوغ الحجة ثم بالموقف الذي يتخذه الإنسان منها.
وعلى هذا الأساس يمكن إعادة بناء مفهوم «فطرة الله» بصورة مختلفة. فلقد فطر الله الإنسان على دينه بمعنى أنه بدأ به التاريخ الإنساني. فلم يظهر الدين في مرحلة متأخرة من تطور المجتمعات البشرية، ولم يخترعه الإنسان عندما عجز عن تفسير البرق والموت والمرض والطبيعة، كما تفترض بعض النظريات الحديثة في نشأة الدين. فوفقاً للنص القرآني، فإن الدين كان حاضرًا عند اللحظة الأولى للإنسان. فآدم عرف الله، وخاطبه الله، وعلمه، وأمره ونهاه، ثم وعد ذريته بالهداية. ومن هنا كانت «فطرة الله» هي البداية الإلهية للإنسان: الدين الذي تلقاه الإنسان الأول من خالقه، والذي جاءت الرسالات اللاحقة لإعادته إلى أصله كلما انحرف البشر عنه. وهذا يفسر ظاهرة قرآنية لافتة: أن الأنبياء لا يقدمون أنفسهم بوصفهم مؤسسي أديان جديدة، وإنما بوصفهم معيدين الإنسان إلى علاقة أصلية واحدة مع الله. فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد صلى الله تعالى عليه وسلم لا يمثلون، في المنظور القرآني، سلسلة من الاختراعات الدينية، وإنما حلقات متتابعة في استعادة الأصل؛ والأصل هو “فطرة الله”. وبهذا المعنى تستقيم المسؤولية الفردية.
إن الميزة الأساسية لهذه القراءة أنها تحفظ أحد أعمدة الخطاب القرآني: مسؤولية الإنسان عن اختياره. فالإنسان لا يحاسب لأنه حافظ على شيء بايولوجي وُلد به، ولا يعاقب لأنه نجح الآخرون في انتزاع غريزة دينية من داخله، وإنما لأنه أصبح كائنًا قادرًا على السماع والفهم والتمييز والاختيار، ثم اتخذ موقفًا من الهدى الذي بلغه. ولهذا تتكرر في القرآن أفعال ذات طبيعة إرادية ومعرفية: يؤمنون ويكفرون ويتدبرون ويعقلون ويستجيبون ويعرضون ويتبعون ويصدون ويختارون. إنها لغة الفعل الإنساني وليست لغة الغريزة. فلا معنى لأن يمدح القرآن الإنسان على فعل لا يستطيع إلا أن يفعله، أو أن يذمه على مخالفة برنامج تكويني لا يملك حياله اختيارًا. فالإيمان ذو قيمة لأنه كان يمكن ألا يقع. والكفر مسؤولية لأنه كان يمكن ألا يُختار. وبين الاحتمالين تقوم التجربة الأخلاقية للإنسان.
وهنا نصل إلى التحول الأساسي الذي تقترحه هذه القراءة. فالخطأ في التفسير الشائع أننا جعلنا «الفطرة» مفهومًا فرديًا نفسيًا، بينما يمكن أن تكون في الآية مفهومًا إنسانيًا تاريخيًا. فالسؤال هو ليس: ماذا يوجد في نفس كل طفل لحظة ولادته؟ وإنما: على أي أصل بدأ الله الإنسان؟ والجواب القرآني، وفق هذه القراءة: بدأه على معرفته وهدايته ودينه. فلقد علّم آدم، وخاطبه، وأمره، ثم وعد ذريته بأن يأتيهم منه هداه.
ومن هنا تكون «فطرة الله التي فطر الناس عليها» هي ذلك الأصل الأول الذي أقام الله عليه الوجود الإنساني: دين الله الذي عُلِّمه أبو البشر آدم، ثم ظل الله يعيد البشر إليه بواسطة رسله كلما ابتعدوا عنه. وعندئذ يصبح معنى الآية أكثر اتساقًا في بنائها الداخلي: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ثم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ثم: ﴿ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
فالدين في البداية، والفطرة في الوسط، والدين في النهاية.
ولعل هذا البناء ليس عارضًا. فـ «فطرة الله» وفق هذه القراءة، ليست عقيدة مخبأة في خلايا الإنسان تنتظر من يوقظها، وإنما الأصل الإلهي للدين الذي بدأ به تاريخ الإنسان. وبذلك لا يعود الإيمان استعادةً آلية لما وُلد الإنسان مؤمنًا به، وإنما يصبح ما جعله القرآن دائمًا: استجابة حرة لهداية معروضة على إنسان قادر على أن يقبلها، وقادر كذلك على أن يرفضها. وهنا تحديدًا تستعيد الفطرة معناها القرآني دون أن تفقد الإرادة الإنسانية معناها؛ ويبقى الدين «فطرة الله»، ويبقى الإنسان، في الوقت نفسه، مسؤولًا عن السؤال الذي لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنه: هل يتبع ذلك الهدى أم يعرض عنه؟

أضف تعليق