
ليس من الضروري أن يكون العائق الذي يحول بين الإنسان وبين الارتقاء بنفسه قوةً ظاهرة تناصبه العداء، أو سلطةً تجبره على البقاء حيث هو. فقد يكون العائق أكثر خفاءً وأشد فاعلية: أن يعيش الإنسان داخل جماعة لا تكف عن جذبه إلى مستوى انشغالاتها، وإغراق وعيه في «الهنا» و«الآن»، وملء فضائه العقلي والنفسي بما هو عادي وسطحي وعابر، حتى يصبح مجرد الاحتفاظ بالقدرة على التفكير فيما يتجاوز اللحظة إنجازاً شاقاً في حد ذاته. ويمكن تسمية هذه الظاهرة بـ “تشويش الجماعة الإنسانية”؛ أي ذلك الضجيج المتواصل الذي تنتجه الحياة الجماعية، لا بوصفه أصواتاً مسموعة بالضرورة، وإنما بوصفه سيلاً من الاهتمامات والمشكلات والصراعات والأخبار والأحاديث والرغبات والمقارنات والمنافسات التي تستولي على انتباه الفرد، وتعيده باستمرار إلى المستوى نفسه الذي تتحرك فيه الجماعة.
ولعل أفضل صورة يمكن أن نستعيرها لفهم هذا التشويش هي ما كان يعرف في زمن البث التلفزيوني التناظري بـ static. فحين كان البث ينتهي أو تضيع الإشارة، تتحول الشاشة إلى نقاط متناثرة متحركة، مصحوبة بذلك الصوت الخشن المتواصل الذي لا يحمل رسالة ولا معنى، ولكنه مع ذلك قادر على ملء المكان والاستيلاء على الانتباه. لم يكن الـ static يقول شيئاً، ولكن حضوره وحده كان كافياً لإزعاج الباحث في بحثه، أو الطالب في دراسته، أو القارئ في قراءته.
والمفارقة أن الجماعة الإنسانية تستطيع أن تؤدي الوظيفة ذاتها. فليس كل ما يملأ حياة الإنسان بالمعلومات يحمل معرفة، وليس كل ما يستولي على انتباهه جديراً بالانتباه، وليس كل ما تتحدث عنه الجماعة يستحق أن يصبح جزءاً من عالمه الداخلي. وقد تكون إحدى أكبر مشكلات الإنسان المعاصر أنه يعيش داخل أكبر آلة لإنتاج الـ static عرفها التاريخ البشري: أخبار لا تنتهي، وتعليقات وردود وتعليقات على الردود، وصراعات يومية، وفضائح، وشائعات، ومقارنات اجتماعية، ومنافسات على المكانة، ونقاشات سرعان ما تزول لتحل محلها نقاشات أخرى لا تختلف عنها إلا في موضوعها. فهي حركة هائلة، ولكن الحركة ليست بالضرورة ارتقاءً.
ثمة ضرورة بايولوجية لأن يهتم الكائن الحي بما يحدث هنا والآن. فالحيوان الذي لا ينتبه إلى الطعام الموجود أمامه، أو المفترس القريب منه، أو الشريك المحتمل، أو المنافس الذي يهدد موقعه، لا يستطيع أن يحافظ على وجوده. ولذلك كان الانتباه إلى البيئة المباشرة جزءاً أساسياً من اقتصاد الطبيعة الذي نظم السلوك الحيواني عبر ملايين السنين. غير أن الإنسان تجاوز، بعد الانعطافة التطورية الأولى، الحدود التي كانت تضبط هذه الوظائف في عالم الحيوان. فلم يعد «الهُنا والآن» مجرد مجال للاستجابة للضرورات الوجودية، وإنما أصبح قادراً على التمدد حتى يستولي على الوعي كله. وهنا تظهر واحدة من أخطر وظائف الجماعة؛ إذ أنها تضخم الحاضر. فما يحدث اليوم يبدو بالغ الدلالة لأن الجميع يتحدثون عنه. وما يشغل الجماعة الآن يبدو جديراً بأن يشغل الفرد أيضاً. وما يثير غضب الآخرين يستدعي منه الغضب، وما يثير خوفهم يستدعي خوفه، وما يتنافسون عليه يصبح جديراً بأن ينافسهم عليه، وما يعتبرونه نجاحاً يغدو معياراً لنجاحه. وهكذا لا يحتاج المجتمع لأن يأمر الإنسان صراحة بأن يكون مثل الآخرين، فيكفي أن يملأ مجال انتباهه بما يشغل الآخرين!
لا تكمن المشكلة في «العادي» من حيث هو عادي. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش حياته كلها في التأمل والأسئلة الكبرى، ولا يمكنه أن يتخلى عن شؤون معاشه وعلاقاته ومسؤولياته اليومية. المشكلة تبدأ حين يتحول العادي من جزء من الحياة إلى كل الحياة، وحين يستنفد السطحي الطاقة العقلية والنفسية التي يحتاجها الإنسان لكي يسأل أسئلة أكثر عمقاً: من أنا؟ ولماذا أتصرف بهذه الكيفية؟ وما الذي ينبغي أن أتطهر منه؟ وكم من أفكاري ورغباتي وانفعالاتي هي بالفعل اختيارات واعية، وكم منها هي مجرد استجابات أنتجها «القدر الإنساني» الذي أشترك فيه مع الآخرين؟ وهل ينبغي أن أظل الإنسان الذي أنتجته الانعطافة التطورية الأولى، أم أن مهمتي الحقيقية هي أن أتجاوز بعض ما أنتجته فيَّ؟ هذه الأسئلة تحتاج إلى شيء لا تمنحه الجماعة بسهولة: مسافة بينها وبين الفرد. فالإنسان لا يستطيع أن يفحص الجماعة وهو غارق فيها تماماً، مثلما لا يستطيع أن يتبين طبيعة الضجيج ما دام هو جزءاً منه.
فإذا كانت الانعطافة التطورية الأولى قد أفضت، وفق المقاربة الميتابايولوجية، إلى ظهور كائن تجاوز الكثير من الضوابط التي حكمت الحياة قبله، فإن المشكلة الإنسانية لا تعود مجرد مشكلة معرفة أو حضارة أو تنظيم سياسي؛ حيث أنها تصبح مشكلة بنية إنسانية. فالطغيان، وفائض العدوان، وإرادة السيطرة، والتنافس غير المنضبط، والغرور، والحسد، والتعالي، والجشع، وغيرها من الصفات التي استفحلت في النوع الإنساني، لا توجد في أفراد معزولين فحسب، وإنما تعيد الجماعة البشرية إنتاجها جيلاً بعد جيل، حتى تبدو للإنسان وكأنها الحالة الطبيعية الوحيدة الممكنة.
ومن هنا فإن الارتقاء الحقيقي لا يمكن أن يكون جماعياً في بدايته، ولكنه يبدأ من الفرد؛ إذ أن الارتقاء الحقيقي يبدأ حين يقرر إنسان ما أن يجعل من نفسه موضوعاً للعمل، ليس بمعنى تحقيق المزيد من النجاح وفق مقاييس الجماعة، وإنما بمعنى إعادة تشكيل ذاته والتحرر تدريجياً من ذلك القدر الإنساني الجماعي الذي ورثه لمجرد انتمائه إلى النوع. فالإنسان الجديد، وفق هذا التصور، ليس إنساناً أكثر ذكاءً أو معرفة أو ثراءً أو قوة، وإنما هو إنسان استطاع أن يقلل في نفسه مقدار ما ورثه من اختلالات الإنسان الأول؛ فهو يمثل مشروع تطهر فردي قبل أن يكون مشروع تقدم جماعي.
وهنا تظهر المشكلة الأكثر تعقيداً. فالإنسان الذي يحاول الخروج من الدائرة لا يعيش خارج المجتمع. فهو يعمل ويتحدث ويخالط ويتعامل ويشاهد ويسمع ويشارك الآخرين العالم نفسه. ولذلك يظل معرضاً باستمرار لذلك الـ static الإنساني الذي يحاول إعادة احتلال وعيه! فيكفي الإنسان أن يحاول أن ينصرف إلى مشروع فكري طويل حتى تأتيه عشرات الموضوعات العابرة التي تطالب بانتباهه. ويكفي أن يحاول التخلص من نزعة إلى المنافسة حتى يجد نفسه في عالم يقيس الناس بعضهم ببعض. ويكفي أن يحاول تخفيف إرادة السيطرة في نفسه حتى يدخل بيئةً يكافَأ فيها الأكثر قدرة على فرض إرادته. ويكفي أن يسعى إلى التحرر من الغضب حتى يجد حوله صناعة كاملة قائمة على استثارته! وهكذا يصبح المجتمع، من غير أن يقصد بالضرورة، “قوة استعادة” تعيد الفرد باستمرار إلى الحالة الإنسانية المألوفة. فكلما حاول أن يصعد، جاءه التشويش من الأسفل!
وليس التشويش هنا مؤامرة تدبرها الجماعة البشرية ضد الفرد المختلف، وإنما هو نتيجة طبيعية لكون الجماعة تعيد إنتاج نفسها. فهي تعطي قيمة لما يهمها، وتكافئ ما تعتبره نجاحاً، وتعاقب اجتماعياً ما تعتبره خروجاً عن المألوف، وتنقل إلى الفرد آلاف الإشارات اليومية التي تقول له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: ابق مثلنا، اهتم بما نهتم به، اغضب مما نغضب منه، نافس على ما نتنافس عليه، وخف مما نخاف منه!
وهنا يمكن إدراك حجم الانقلاب الذي حدث في الحالة الإنسانية. ففي الطبيعة، كان اقتصاد السلوك يقوم إلى حد بعيد على عدم إنفاق الطاقة إلا حين توجد ضرورة وجودية. فالحيوان لا يظل منشغلاً طوال يومه بصراعات بعيدة لا تخصه، ولا يحمل في وعيه مشكلات أفراد لم يرهم ولن يراهم، ولا يتابع آلاف الأحداث التي تقع خارج مجال وجوده المباشر.
أما الإنسان فقد صنع لنفسه عالماً يستطيع فيه أن يحمل مشكلات الكوكب كلها في جهاز صغير بين يديه. وأصبح قادراً، خلال ساعة واحدة، على الغضب بسبب حادثة في بلد بعيد، والحزن بسبب خبر في بلد آخر، والدخول في جدال مع شخص لا يعرفه، ومقارنة حياته بحياة إنسان لم يقابله، والخوف من احتمال لم يقع، ثم الانتقال إلى عشرات المثيرات الأخرى، وهذا إنفاق هائل للانتباه والانفعال خارج مقتضيات الضرورة. وبهذا المعنى يمكن القول إن الإنسان انتقل، في جانب من حياته، من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التشويش.
فإذا صح هذا التشخيص، فإن الصمت يكتسب معنى مختلفاً تماماً. فالصمت ليس مجرد غياب للأصوات، والعزلة المؤقتة ليست مجرد ابتعاد عن الآخرين، وتقليل التعرض للضجيج الاجتماعي ليس ترفاً نفسياً. إنها جميعاً وسائل لاستعادة مورد بالغ القيمة، ألا وهو الانتباه. وذلك أن أول ما يحتاج إليه الإنسان لكي يغير نفسه هو أن يستطيع رؤيتها، ولا يستطيع أن يرى نفسه بوضوح إذا كان وعيه ممتلئاً طوال الوقت بما يريد الآخرون منه أن يراه!
ومن هنا فإن مقاومة التشويش لا تعني كراهية المجتمع أو الانقطاع عنه، وإنما تعني رفض منحه حقاً مطلقاً في تحديد ما يستحق انتباه الفرد. فليس كل ما يحدث يستحق أن نعرفه. وليس كل ما نعرفه يستحق أن نفكر فيه. وليس كل ما يفكر فيه الآخرون يستحق أن يحتل جزءاً من وعينا. وقد تكون القدرة على الاختيار بين ما ندخله إلى وعينا وما نتركه خارجه واحدة من أهم شروط التطهر الإنساني.
إن ارتقاء الإنسان لا يبدأ حين يعرف أشياء أكثر فحسب، وإنما يبدأ، على العكس، حين يستطيع أن يتجاهل أشياء أكثر. فيمر الضجيج من حوله من دون أن يتحول إلى ضجيج داخله. في أن يعرف ما يحدث في «الهُنا والآن»، ولكن من دون أن يصبح أسيراً لهما. وأن يعيش حياته اليومية، ولكن من دون أن يختزل وجوده فيها. وينتمي إلى الجماعة، ولكن من دون أن يسمح للجماعة بأن تحدد له بصورة كاملة ما ينبغي أن يكون عليه. فالإنسان الذي يسعى إلى التطهر من آثار الانعطافة التطورية الأولى يحتاج إلى فضاء داخلي يستطيع فيه مراقبة ما ورثه من النوع الإنساني، وفحص دوافعه وانفعالاته ورغباته، والتفريق بين ما يريد الاحتفاظ به وما ينبغي عليه مقاومته. ولهذا يكون «تشويش الجماعة الإنسانية» واحداً من أكثر العوائق خفاءً أمام هذا المشروع، فهو لا يمنع الإنسان من الارتقاء بالقوة، وإنما يفعل شيئاً أكثر بساطة وفاعلية؛ إذ أنه لا يترك له من الانتباه ما يكفي لكي يرتقي!
وهنا تعود صورة شاشة التلفزيون القديمة لتكتسب معناها الكامل. فالمشكلة في الـ static لم تكن أنه يقدم للإنسان رسالة خاطئة؛ بل أنه لا يقدم رسالة أصلاً! ومع ذلك كان يستطيع أن يطغى على كل رسالة أخرى بمجرد ضجيجه. وكذلك كثير مما تفعله الجماعة الإنسانية. فقد لا تقول للإنسان: لا ترتقِ، ولا تقول له: لا تطهر نفسك، ولا تقول له: ابق أسيراً لاختلالات النوع الذي تنتمي إليه، لكنها تفعل شيئاً أبسط من ذلك بكثير؛ حيث أنها تملأ يومه بما هو عاجل، ووعيه بما هو عابر، وانفعاله بما هو سطحي، حتى لا يبقى فيه من الصمت والمسافة والانتباه ما يكفي لكي يتساءل عن الإنسان الذي هو عليه، وعن الإنسان الذي يمكن أن يصير إليه. ولعل أول خطوة في مشروع “الإنسان الجديد” هي ليست أن يغادر الجماعة، بل أن يتعلم كيف يعيش داخلها من دون أن يسمح لتشويشها بأن يصبح صوته الداخلي.
