حين يصبح خطأ الآخر دليلاً على صوابي… فائض التمثّل ومغالطة البرهان بخطأ الخصم

من أغرب المفارقات التي تكشف عن اختلال عميق في طريقة الإنسان في التفكير أنه قد يطالب الآخرين بأشد البراهين صرامة، ثم يعفي نفسه من المطلب ذاته. فهو حين يتبنى فكرة، أو منهجاً، أو عقيدة، أو نظاماً سياسياً، أو تفسيراً لظاهرة ما، لا ينشغل دائماً بإقامة الدليل على أن ما يتبناه هو الأصوب، وإنما قد يسلك طريقاً يبدو له أقصر وأسهل: أن يبين أن ما يتبناه الآخرون خاطئ. وهنا يقع انتقال منطقي بالغ الخطورة؛ إذ يتحول عجز الآخر عن أن يكون مصيباً إلى برهان مزعوم على أنني أنا المصيب! غير أن الأمرين مختلفان تمام الاختلاف. فإثبات خطأ مقاربة ما لا يثبت صحة المقاربة المنافسة لها، إلا إذا أمكن أولاً البرهنة على أن جميع الاحتمالات الممكنة قد انحصرت في هاتين المقاربتين وحدهما، بحيث يستلزم سقوط إحداهما صحة الأخرى. أما في معظم القضايا الإنسانية المعقدة، فليس ثمة ما يضمن هذا الانحصار. فقد تكون المقاربة الأولى خاطئة، والثانية خاطئة أيضاً، وقد تكون كلتاهما مشتملة على بعض الصواب وبعض الخطأ، وقد توجد مقاربة ثالثة لم تخطر بعد على بال أي من الطرفين. ومع ذلك، يتصرف الإنسان كثيراً كما لو أن إسقاط خصمه يكفي وحده لإثباته هو!
ويمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح في الحياة السياسية. فقد يقضي رئيس حزب سياسي جزءاً كبيراً من خطابه في تعداد إخفاقات الحزب المنافس: أخطأ في الاقتصاد، وفشل في إدارة الدولة، ولم يفِ بوعوده الانتخابية، وأساء تقدير هذه الأزمة أو تلك. وقد تكون جميع هذه الانتقادات صحيحة، ولكن سؤالاً مختلفاً يظل قائماً: ما الدليل على أن برنامج حزبك أنت هو البرنامج الصحيح؟ فإثبات فشل الحزب الآخر لا يثبت أن حزباً آخر سينجح. وإثبات سوء سياسة اقتصادية معينة لا يكفي لإثبات سلامة السياسة الاقتصادية البديلة. وإظهار فساد نظام سياسي لا يجعل النظام الذي ينتقده صالحاً بالضرورة.
وينطبق الأمر نفسه على الدول. فقد ينشغل نظام سياسي بإظهار تناقضات نظام دولة أخرى، وانتهاكاته وإخفاقاته وأزماته، حتى يكاد خطابه يوحي بأن هذه العيوب الخارجية هي في ذاتها دليل على سلامة نظامه الداخلي. وكأن المطلوب من المواطن ألا يسأل: ما الذي يجعل نظامنا صالحاً؟ وإنما يكفيه أن يرى أن نظام الآخرين ليس صالحاً! وهكذا يحل البرهان السلبي على قصور الآخر محل البرهان الإيجابي على صلاح الذات!
لكن لماذا يقع الإنسان بهذه السهولة في هذه المفارقة؟ هنا يمكن لفائض التمثّل أن يقدم تفسيراً مختلفاً للمشكلة. فالإنسان لا يحتفظ بالأفكار في ذهنه بوصفها فرضيات محايدة دائماً، وإنما يمتلك قدرة هائلة على تمثّلها، وإعادة بنائها داخلياً، وربطها بمشاعره وهويته ومصالحه وتوقعاته، حتى تكتسب الفكرة مع مرور الوقت ثقلاً نفسياً يفوق كثيراً مقدار ما يسندها من دليل موضوعي. فهو لا يعود إلى النظر إلى فكرته من الخارج ليسأل: ما البرهان على صحتها؟ بل يبدأ بالنظر إلى العالم من داخلها. وهنا يحدث تحول بالغ الدلالة. فبدلاً من أن تكون الفكرة هي الشيء المطلوب إثباته، تصبح في ذهن صاحبها نقطة الانطلاق التي يُقاس عليها غيرها.
وكلما اشتد خضوع الإنسان لفائض التمثّل، ازدادت قدرته على أن يعيش داخل البناء الذهني الذي صنعه، حتى يبدو له هذا البناء بديهياً إلى درجة أن الحاجة إلى البرهنة عليه تبدأ بالتلاشي؛ فهو يشعر بأنه صحيح قبل أن يثبت أنه صحيح! ومن هنا يصبح الخصم هو الذي يحتاج إلى التفسير، وليس الذات.
تكمن المشكلة، إذاً، في الخلط بين قوتين مختلفتين تماماً: قوة حضور الفكرة في الذهن، وقوة البرهان عليها. فقد تكون فكرة ما شديدة الوضوح في ذهن صاحبها، متماسكة في نظره، قادرة على تفسير كثير مما يراه، وقد يقضي سنوات في تطويرها والدفاع عنها، حتى تصبح جزءاً من طريقته في فهم العالم. ولكن شيئاً من ذلك لا يزيد بالضرورة من قيمتها البرهانية. فالحقيقة لا تصبح أكثر حقيقية لأن صاحبها أكثر اقتناعاً بها.
غير أن فائض التمثّل يستطيع أن يطمس هذا الفارق. فكلما ازدادت الفكرة حضوراً في وعي الإنسان، ازدادت لديه قابلية التعامل معها كما لو أن حضورها النفسي دليل على صدقها الموضوعي. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، لا يعود يشعر بالحاجة إلى تقديم الأدلة عليها بالقدر نفسه الذي يشعر فيه بالحاجة إلى مهاجمة البدائل؛ فهو، بطريقة غير واعية، يقول للآخر:
أنا لا أحتاج إلى أن أثبت أنني على صواب؛ يكفيني أن أثبت أنك على خطأ!
وثمة سبب آخر يجعل هذا المسلك جذاباً للإنسان: نقد الآخر أسهل في كثير من الأحيان من إثبات الذات. فلكي يثبت المرء صلاح نظام سياسي مثلاً، قد يحتاج إلى نظرية متماسكة، وبيانات، وتجارب، ومقارنات، ونتائج قابلة للقياس، وإلى الإجابة عن اعتراضات معقدة. أما لكي ينتقد نظاماً منافساً، فقد يكفيه أن يعثر على بعض إخفاقاته. وبذلك يستطيع الحصول على الشعور بالانتصار المعرفي بكلفة أقل كثيراً من الكلفة التي تتطلبها البرهنة الحقيقية!
ولهذا نجد الظاهرة ذاتها خارج السياسة أيضاً. ففي المناقشات الفكرية والدينية والفلسفية والعلمية، قد يخصص صاحب الرأي جهداً هائلاً للبحث عن الثغرات في آراء مخالفيه، بينما لا يخصص جهداً مماثلاً لفحص الأسس التي يقوم عليها رأيه هو. وقد يصل إلى درجة يصبح معها سقوط حجة للخصم مناسبة للاحتفال بصحة نظريته، مع أن العلاقة المنطقية بين الأمرين قد تكون معدومة تماماً!
ربما تكون هذه العبارة البسيطة من أكثر ما يحتاج الإنسان إلى تذكره: من الممكن أن يكون خصمي مخطئاً من دون أن أكون أنا مصيباً. وهي عبارة تبدو بديهية حين تُقال مجردة، ولكن قدراً كبيراً من الجدل البشري يقوم عملياً على نسيانها. فإذا اختلف شخصان في تفسير ظاهرة ما، ثم تمكن الأول من إظهار قصور تفسير الثاني، فإن أقصى ما أثبته هو قصور ذلك التفسير. أما صحة تفسيره هو فتظل قضية مستقلة تحتاج إلى أدلتها الخاصة. بل أن من الممكن أن يقضي فريقان سنوات طويلة في تفنيد بعضهما بعضاً، وأن يكون كلاهما بعيداً عن الحقيقة التي يتجادلان بشأنها!
وهنا يتضح أحد أخطر آثار فائض التمثّل، والمتمثل في أنه لا يجعل الإنسان متعلقاً بفكرته فحسب، وإنما قد يغير أيضاً موضع عبء البرهان في ذهنه. فبدلاً من أن يسأل الإنسان نفسه: “لماذا ينبغي للآخرين أن يصدقوا ما أقول؟”، يسألهم: “كيف تستطيعون أن تصدقوا ما يقوله خصومي؟”. والفرق بين السؤالين هو الفرق بين البحث عن الحقيقة والدفاع عن الذات!
ولعل المجال السياسي يقدم أكثر الصور وضوحاً لهذه الآلية، وذلك لأن المنافسة فيه تساعد على تحويل الفشل النسبي للآخر إلى نجاح رمزي للذات! فالحزب قد لا يقول للناخب: “انتخبني لأن هذه أدلتي على أن برنامجي سيحقق هذه النتائج”، وإنما يقول له عملياً: “انتخبني لأن خصمي سيئ”! وقد يفعل الخصم الشيء نفسه. فنجد أنفسنا أمام حزبين، لا يثبت أي منهما بالضرورة كفاءته، وإنما يثبت كل منهما، أو يحاول أن يثبت، عدم كفاءة الآخر.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين يصبح معيار النجاح السياسي ليس مقدار ما يستطيع المرء تقديمه من أدلة على صلاح مشروعه، وإنما مقدار ما يستطيع جمعه من الأدلة على فساد مشروع منافسه. وحينئذ تتحول السياسة من منافسة بين البراهين على الصلاح إلى منافسة بين ملفات الاتهام! ولا يعود السؤال: من لديه المشروع الأفضل؟ بل: من يستطيع أن يجعل الآخر يبدو أسوأ؟
وتزداد المغالطة قوة حين يُحبس التفكير داخل ثنائية زائفة: إما أنا وإما هو. فإذا اقتنع الإنسان بأنه لا توجد إلا مقاربتان، يصبح إسقاط إحداهما في ذهنه إثباتاً تلقائياً للأخرى. وهذا ما يجعل الخطاب السياسي والإيديولوجي مولعاً بصناعة الثنائيات: نحن أو هم، نظامنا أو نظامهم، فكرنا أو فكرهم، تفسيرنا أو تفسيرهم. لكن الواقع أعقد من هذه الثنائيات. فقد يكون الخياران سيئين، وقد يكون كلاهما صالحاً جزئياً، وقد تكون المشكلة نفسها قد صيغت بطريقة خاطئة، وقد يكون الحل الحقيقي خارج المجال الذي يدور فيه الصراع كله.
ولهذا فإن التحرر من فائض التمثّل لا يقتضي مجرد قبول احتمال خطأ الذات، وإنما يقتضي كذلك التحرر من الاعتقاد بأن سقوط البديل الذي نعرفه يعني بالضرورة انتصار البديل الذي نتبناه.
فإذا أردنا وضع قاعدة معرفية تقاوم هذا الاختلال، فربما أمكن صياغتها على النحو الآتي: لا تجعل عجز خصمك عن إثبات فكرته جزءاً من الأدلة التي تثبت بها فكرتك، إلا إذا كانت العلاقة المنطقية بين سقوط الفكرتين وصحتهما تقتضي ذلك بالضرورة. فلكل دعوى عبء برهان خاص بها. ومن يقول إن نظامه السياسي هو الأفضل عليه أن يثبت أفضلية نظامه، لا أن يكتفي بإثبات عيوب الأنظمة الأخرى! ومن يقول إن تفسيره لظاهرة ما هو التفسير الصحيح عليه أن يقدم الأدلة التي تجعل تفسيره صحيحاً، لا أن يجمع الأدلة التي تجعل التفسيرات الأخرى ناقصة. ومن يدّعي امتلاك الحقيقة لا يُعفى من البرهان لمجرد أن الآخرين لم يمتلكوها. بل ربما كان من علامات النضج المعرفي أن يستطيع الإنسان، في اللحظة نفسها، أن يقول: هذا الرأي الذي أخالفه خاطئ، ولكن خطأه لا يخبرني بعدُ ما إذا كان رأيي أنا صحيحاً.
ليس فائض التمثّل، وفق هذه المقاربة، مجرد قدرة زائدة على استحضار الأشياء الغائبة أو بناء الصور الذهنية عنها، وإنما يمكن أن يتحول إلى قوة تجعل الإنسان أسير ما بناه ذهنه بنفسه. فالفكرة التي طال تمثّلها تصبح مألوفة، والمألوف يصبح بديهياً، والبديهي يبدو غير محتاج إلى برهان. وعندئذ يبدأ الإنسان رحلة البحث عن الدليل في المكان الخطأ: لا داخل دعواه، بل داخل أخطاء الآخرين. ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر صور الغرور المعرفي خفاءً: أن يتوهم الإنسان أن إفلاسه من البرهان يمكن تعويضه بإفلاس خصمه منه!
ولكن الحقيقة لا تعمل بهذه الطريقة. فألف خطأ يرتكبه الآخر لا يصنع دليلاً واحداً على صوابي! وألف عيب أكتشفه في منهجه لا يمنح منهجي فضيلة واحدة لم أقم البرهان عليها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يعود إليه الإنسان كلما وجد نفسه منشغلاً بإثبات خطأ الآخرين هو ليس: ما الذي يثبت أنهم مخطئون؟ وإنما السؤال الأصعب والأكثر نزاهة: لو لم يكن لهؤلاء الآخرين وجود أصلاً، ولم تكن أمامي أية نظرية أو عقيدة أو دولة أو جماعة أو مقاربة أستطيع مقارنتها بما أتبناه، فما الأدلة المستقلة التي أملكها على أن ما أقول به أنا هو صحيح؟ فإذا عجز الإنسان عن الإجابة، فلن ينقذه من ذلك أن يكون جميع خصومه مخطئين! لأن خطأ الآخر ليس برهاناً على صواب الذات.

أضف تعليق