
من أكثر الأخطاء شيوعاً في تاريخ المعرفة أن يُفهم ظهور مقاربة جديدة بوصفه إعلاناً ضمنياً عن بطلان المقاربة التي سبقتها. فكأن المعرفة لا تستطيع أن تتقدم إلا بطريقة الإزاحة: تأتي نظرية لكي تهدم نظرية، ويظهر تفسير لكي يلغي تفسيراً، ويُقترح منهج جديد لكي يثبت أن المناهج السابقة كانت خاطئة. ووفق هذا التصور، يصبح السؤال الذي يواجه كل فكرة جديدة هو: ما الذي ستستبعده لكي تحل محله؟
غير أن جانباً أساسياً من مشروعي المعرفي يقوم على محاولة التحرر من هذه الثنائية. فليس من الضروري أن يكون الجديد نقيضاً للقديم، وليس من الضروري أن يكون إثبات قدرة مقاربة جديدة على تفسير ما عجزت عنه مقاربة سابقة دليلاً على خطأ تلك المقاربة في المجال الذي نجحت فيه. وقد يكون التقدم المعرفي، في بعض الأحيان، أقرب إلى توسعة المنظور منه إلى استبدال منظور بآخر. والمقصود بتوسعة المنظور هنا هو الاحتفاظ بكل ما ثبتت قدرته التفسيرية، ثم السؤال عما إذا كان بالإمكان الانتقال إلى مجال أوسع يضم هذا التفسير من دون أن يتوقف عند حدوده. فالمشكلة قد لا تكمن في أن التفسير السابق خاطئ، وإنما في أننا طالبناه بتفسير ما يقع خارج المجال الذي صُممت أدواته أصلاً لتفسيره. وهذا تمييز بالغ الدلالة المعرفية. فثمة فرق بين القول إن نظرية ما خاطئة، والقول إنها غير كافية لتفسير كل شيء. فالخطأ يقتضي التصحيح أو الاستبعاد، أما عدم الكفاية فيقتضي التوسعة. والمقاربة التي أقترحُها في عدد من مجالات مشروعي تنتمي إلى النوع الثاني؛ حيث أنها لا تبدأ بالسؤال عما ينبغي هدمه، بل بالسؤال عما يمكن الاحتفاظ به، ثم ما الذي ينبغي إضافته إليه لكي يصبح مجال الرؤية أوسع.
ولعل الميتابايولوجيا هي أوضح تطبيق لهذا المبدأ. فالميتابايولوجيا، كما أطرحُها، لا تقوم على الادعاء بأن البايولوجيا أخطأت في تفسير الحياة، ولا على أن نظرية التطور أو علم الوراثة أو الفسيولوجيا أو علم الأعصاب ينبغي نبذها لكي يتاح المجال لنظام تفسيري جديد. بل على العكس من ذلك: فكل ما استطاعت البايولوجيا أن تثبت صحته يظل جزءاً لا غنى عنه من فهم الحيوان والإنسان.
فالإنسان كائن بايولوجي، وجسده هو نتاج تاريخ طبيعي، ووظائفه الفيسيولوجية تخضع لآليات بايولوجية، وجانب هائل من سلوكه لا يمكن فهمه من دون الرجوع إلى التطور والوراثة والانتخاب الطبيعي وبقية الأدوات التي راكمتها العلوم البايولوجية. ولكن السؤال الذي تبدأ منه الميتابايولوجيا هو سؤال آخر: هل تكفي البايولوجيا، مع صحة ما تقوله، لتفسير كل ما أصبح الإنسان عليه؟ إن الإجابة بالنفي لا تعني إبطال البايولوجيا. فالقول إن الخريطة لا تغطي أرضاً تقع وراء حدودها لا يعني أن الجزء الذي رسمته من الأرض مرسوم بصورة خاطئة! وإنما يعني ببساطة أن ثمة أرضاً أخرى ينبغي توسيع الخريطة لكي تشملها.
ومن هنا تأتي السابقة «ميتا» في الميتابايولوجيا لا بوصفها إعلاناً عن علم مضاد للبايولوجيا، وإنما بوصفها إشارة إلى بعد تفسيري إضافي. فحين نواجه في الإنسان خصالاً وظواهر وسلوكيات لا نجد أن الرجوع إلى الماضي التطوري وحده يكفي لتفسير مقدارها أو صورتها أو انفلاتها من القيود التي تضبط نظائرها في عالم الحيوان، فلا ينبغي أن يكون الخيار الوحيد هو إرغام هذه الظواهر على الدخول في التفسير البايولوجي! فيمكن، بدلاً من ذلك، أن نسأل عما إذا كانت حدود المشكلة نفسها هي أوسع من حدود ذلك التفسير. وهكذا لا تكون العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا علاقة إلغاء، وإنما علاقة احتواء وتوسعة: نبدأ من حيث تستطيع البايولوجيا أن تصل، ثم نسأل عما يوجد وراء حدود قدرتها التفسيرية.
ويظهر المبدأ نفسه في المقاربة التأثيلية اللغوية التي أتبناها. فلقد حققت الدراسات الهندوأوروبية إنجازاً معرفياً بالغ الدلالة حين قارنت بين اللغات، وأعادت بناء الأصول المفترضة للكلمات، وكشفت عن القرابات التاريخية والصوتية بين عدد كبير من اللغات. وليس ثمة سبب منهجي يدعو إلى إنكار هذه الإنجازات لمجرد اقتراح مستوى آخر من البحث التأثيلي. ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول النقطة التي تستطيع الأدوات الوصول إليها إلى نقطة يُفترض أنها البداية المطلقة.
فحين تستطيع المدرسة الهندوأوروبية، مثلاً، رد كلمة إلى أصل هندوأوروبي مفترض، فإنها تكون قد أجابت عن سؤال مهم: من أين جاءت هذه الكلمة داخل التاريخ اللغوي الذي تستطيع أدوات المقارنة إعادة بنائه؟ ولكن يبقى سؤال أعمق ممكناً: ومن أين جاء ذلك الأصل نفسه؟ إن إعادة بناء جذر قديم لا تعني بالضرورة أننا وصلنا إلى لحظة ميلاد الكلمة، بل تعني أننا وصلنا إلى أقدم طبقة تستطيع أدواتنا الحالية النفاذ إليها فحسب.
ومن هنا لا تسعى المقاربة التأثيلية التي أقترحها إلى استبعاد التأثيل الهندوأوروبي، بل إلى الحفر تحته. فإذا كانت المدرسة الهندوأوروبية قد استطاعت أن تكشف طبقة عميقة من تاريخ اللغة، فإن السؤال يصبح: هل توجد طبقة أعمق منها؟ وهل يمكن أن تكون بعض الصلات بين الألفاظ ممتدة إلى زمن سابق على الحدود التاريخية التي يستطيع المنهج المقارن التقليدي إعادة بنائها؟ وعندئذ يصبح التأثيل الجديد امتداداً رأسياً لا إلغاءً أفقياً؛ إذ أنه لا يقول للباحث الهندوأوروبي: إن ما توصلت إليه هو باطل، وإنما يقول: لعل ما توصلت إليه ليس نهاية الطريق.
وهنا نصل إلى مبدأ أعم يمكن أن يمتد إلى ما وراء الميتابايولوجيا والتأثيل اللغوي، فينبغي ألا نخلط بين حدود أدواتنا المعرفية وحدود الواقع الذي نحاول معرفته. فكل منهج يرى من الواقع بمقدار ما تسمح به أدواته. وحين يتوقف عن الرؤية، لا يترتب على ذلك بالضرورة أن الواقع نفسه قد انتهى عند تلك النقطة. فالمجهر يكشف مستوى من الواقع لا تراه العين المجردة، ولكن ظهور المجهر لم يجعل ما رأته العين خطأ. والتلسكوب وسّع المجال الذي يستطيع البصر الإنساني بلوغه، من دون أن يجعل الرؤية المباشرة للعالم الأرضي وهماً. والجديد في الحالتين لم يهدم القديم، وإنما وسّع نطاق المرئي.
وهذه هي الصورة التي أجدها أقرب إلى طبيعة المشروع الذي أتبناه. فالغاية ليست استبدال منظومة مغلقة بمنظومة مغلقة أخرى، ولا إعلان أن كل ما سبق كان خطأً حتى يتاح لفكرة جديدة أن تدّعي امتلاك الحقيقة. بل إن المبدأ المعرفي الذي ينبغي المحافظة عليه هو أن كل معرفة ثبتت صحتها تظل جديرة بالاحتفاظ بها، حتى عندما نكتشف أنها ليست كافية وحدها.
ولعل تاريخ الفكر قد عانى طويلاً من إغراء «الاستبدال». فالفكرة الجديدة تريد أن تنتصر، والانتصار يُفهم عادة بوصفه هزيمة لفكرة أخرى. ومن هنا تتحول المعرفة بسهولة إلى ساحة تنازع: إما هذا وإما ذاك. أما توسعة المنظور فتقترح سؤالاً مختلفاً: لماذا لا يكون الاثنان صحيحين، فكل واحد منهما ضمن مستوى مختلف من مستويات الظاهرة؟ فالمقصود بذلك هو ليس الجمع الاعتباطي بين أفكار متناقضة، ولا تعطيل معيار الصواب والخطأ. فإذا ثبت خطأ نظرية، فلا معنى للاحتفاظ بها بدعوى التعدد. وإنما المقصود شيء أدق: ألا نعلن خطأ نظرية لمجرد أنها لا تستطيع تفسير ما لم تُبنَ أدواتها لتفسيره. وهكذا يصبح معيار المقاربة الجديدة ليس مقدار ما تهدمه، وإنما مقدار ما تستطيع احتواءه ثم تجاوزه تفسيرياً. فالمقاربة الأوسع، بهذا المعنى، هي ليست تلك التي تقول للسابقة: “كنتِ على خطأ وأنا على صواب”، وإنما تلك التي تستطيع أن تقول: “ما فسرتِه تفسيراً صحيحاً يظل صحيحاً، ولكن ثمة مجالاً آخر لم يكن منظورك واسعاً بما يكفي لكي يشمله”.
وربما كان من الأنسب، بناءً على ذلك، أن نتصور المعرفة لا كسلسلة من الأبنية التي يهدم اللاحق منها السابق، وإنما كدوائر تتسع. فالدائرة الأولى تبدأ بمجال تستطيع أدوات معينة تفسيره. ثم تظهر ظواهر عند الأطراف لا تستجيب للتفسير نفسه استجابة كافية. وهنا يمكن أن تظهر دائرة أوسع لا تمحو الأولى، وإنما تجعلها جزءاً منها. وما كان يبدو سابقاً تفسيراً كاملاً يصبح تفسيراً صحيحاً داخل نطاق محدد.
وبهذه الصورة أفهم العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا، وبين التأثيل الهندوأوروبي والمقاربة التأثيلية الأعمق التي أحاول استكشافها. وفي الحالتين لا أبدأ من ضرورة إسقاط ما هو قائم، وإنما من ضرورة التمييز بين صحة المعرفة وحدود المعرفة. فقد تكون المعرفة صحيحة، ومع ذلك محدودة. وقد يكون المنهج بالغ القوة، ومع ذلك لا يستطيع الوصول إلى كل شيء. وقد تكون النظرية ناجحة في مجالها، من دون أن يمنحها نجاحها الحق في إعلان أن كل ما يقع خارج مجالها هو غير موجود أو غير قابل للبحث.
وبناءً على ما تقدم فإن بإمكاننا ان نعتمد مبدأ “التواضع المعرفي”، وذلك ليتأتى لنا ضمان أن لا يجعلنا الجديد نُعرض عن القديم لمجرد كونه يفتقر الى الجدة. ويقتضي هذا المبدأ قدراً من التواضع من الطرفين معاً. فعلى القديم ألا يحوّل نجاحه إلى ادعاء بالاكتفاء، وعلى الجديد ألا يحوّل قدرته على التوسعة إلى ادعاء بإبطال كل ما سبقه.
ومن هنا فإن «توسعة المنظور» ليست مجرد تقنية تفسيرية، بل موقف معرفي أيضاً؛ فهي ترفض غرور النظرية الراسخة التي تتوهم أن حدودها هي حدود الواقع، كما ترفض غرور النظرية الجديدة التي تتوهم أن جدة منظورها تجعل التاريخ السابق للمعرفة سلسلة من الأخطاء.
والمقاربة الأجدر بأن تكون توسعة حقيقية هي التي تستطيع أن تحمل معها أكبر قدر ممكن مما ثبتت صحته، ثم تضيف إليه ما لم يكن بالإمكان رؤيته من قبل.
ويمكن، من هذا المنظور، تلخيص جانب أساسي من مشروعي المعرفي في عبارة واحدة: لا أبحث عما يمكنني هدمه لكي أبني مقاربتي، وإنما عما يمكنني الاحتفاظ به ثم توسيع المجال من حوله. فالميتابايولوجيا لا تحتاج إلى موت البايولوجيا لكي يكون لها موضع؛ لأن سؤالها يبدأ تحديداً عند الحدود التي تنتهي عندها القدرة التفسيرية البايولوجية. والمقاربة التأثيلية الأعمق لا تحتاج إلى إبطال المدرسة الهندوأوروبية؛ لأنها تستطيع أن تبدأ من النتائج التي انتهت إليها تلك المدرسة، ثم تسأل عما إذا كانت الجذور التي كشفت عنها جذوراً نهائية حقاً، أم أنها بدورها أغصان لجذور أقدم. فالفرق هنا هو الفرق بين من يرى المعرفة أرضاً لا تتسع إلا لصاحب واحد، ومن يراها رحلة تتغير فيها حدود الخريطة كلما اتسع مجال الرؤية.
ولهذا فإن المقاربة الجديدة لا تكون أكثر أصالة لأنها هدمت أكثر، ولا تكون أكثر صحة لأنها أعلنت خطأ من سبقها. فقد تكمن قوتها الحقيقية في قدرتها على إنجاز شيء أصعب بكثير: أن تحفظ ما ثبتت صحته، وأن تحدد موضعه وحدوده، ثم ترى ما لم يكن بالإمكان رؤيته من داخله. فالتقدم المعرفي، في نهاية المطاف، لا يعني دائماً أن نقول: “كانوا مخطئين”. فقد يبدأ أحياناً من عبارة أكثر دقة وإنصافاً: “كانوا مصيبين فيما استطاعوا رؤيته، ولكن المشهد كان أوسع”.
