من حوار الحضارات إلى تعايش الحضارات… حين لا يحتاج السلام إلى اتفاق في الأفكار

منذ عقود، تتردد في الخطاب السياسي والثقافي والفكري عبارات من قبيل «حوار الحضارات» و«حوار الأديان» بوصفها بدائل لما عرفه التاريخ من صراع بين الأمم والشعوب والثقافات والعقائد. وقد انطلقت مؤسسات، وعُقدت مؤتمرات، وأُنشئت مراكز، وكُتبت دراسات كثيرة تحت هذه العناوين، أملاً في أن يقود الحوار إلى قدر أكبر من التفاهم، وأن يؤدي التفاهم بدوره إلى قدر أكبر من السلام.
غير أن سؤالاً ينبغي أن يُطرح بعد كل هذه العقود: إلى أي مدى استطاعت هذه المقاربات أن تنتقل من قاعات المؤتمرات والجامعات والمؤسسات الثقافية إلى حياة الناس أنفسهم؟ فالمشكلة الأساسية في «حوار الحضارات» و«حوار الأديان» ليست في الغاية التي يسعيان إليها؛ فهي غاية نبيلة بلا شك، وإنما في الوسيلة التي يُراد من خلالها بلوغ تلك الغاية. فالحوار، بحكم طبيعته، يحتاج إلى معرفة، وإلى قدرة على فهم الحجج والمفاهيم، وإلى استعداد لمناقشة الاختلافات الفكرية والعقدية والتاريخية. ولذلك ينتهي في كثير من الأحيان إلى أن يكون نشاطاً تمارسه طبقة محدودة من الأكاديميين والمفكرين ورجال الدين والسياسيين، بينما يبقى الإنسان العادي، وهو المعني الأول بنتائج الصراع والسلام، خارج هذا الحوار أو عاجزاً عن متابعة تعقيداته.
ومن هنا يمكن اقتراح انتقال مفاهيمي من الحوار إلى التعايش؛ أي من «حوار الحضارات» إلى «تعايش الحضارات»، ومن «حوار الأديان» إلى «تعايش الأديان»، ومن محاولة إقناع البشر بعضهم ببعض إلى تعليمهم كيف يعيش بعضهم إلى جوار بعض. والفرق بين المقاربتين أكبر مما قد يبدو لأول وهلة. فالحوار ينطلق غالباً من الأفكار، أما التعايش فينطلق من الأفعال. والحوار يسأل: ماذا تعتقد؟ ولماذا تعتقده؟ وما الذي يجمع اعتقادك باعتقادي؟ أما التعايش فيسأل سؤالاً أبسط بكثير: هل تستطيع أن تعيش معي من غير أن تعتدي عليّ، وهل أستطيع أن أعيش معك من غير أن أعتدي عليك؟ وهذا السؤال لا يحتاج إلى فيلسوف كي يفهمه، ولا إلى عالم أديان، ولا إلى متخصص في التاريخ المقارن للحضارات. يستطيع أن يفهمه الإنسان مهما كان مستوى تعليمه وثقافته؛ لأن التعايش ليس نظرية فلسفية بقدر ما هو نمط من الأفعال وردود الأفعال التي يمكن ضبطها بقواعد واضحة: ألا أؤذيك، وألا تؤذيني؛ ألا أُكرِهك على أن تصبح مثلي، وألا تُكرِهني على أن أصبح مثلك؛ أن يكون لك الحق في أن تعيش وفق ما تؤمن به، وأن يكون لي الحق نفسه، ما دام كل منا لا يحول اختلافه إلى عدوان على الآخر.
وهنا تظهر ميزة جوهرية لمفهوم التعايش تتمثل في إنه لا يشترط الاتفاق لكي يُصنع السلام. وهذه نقطة بالغة الدلالة؛ لأن كثيراً من مشروعات الحوار تنطلق، ولو بصورة غير معلنة، من افتراض أن تحسين العلاقة بين الجماعات يقتضي اكتشاف أكبر قدر ممكن من القواسم المشتركة بينها. فنبحث عما يجمع الأديان، وما تتفق عليه الحضارات، وما تتشابه فيه الثقافات، وكأن البشر لا يستطيعون أن يعيشوا بسلام إلا إذا اكتشفوا أنهم متشابهون!
ولكن لماذا ينبغي أن يكون التشابه شرطاً للسلام أصلاً؟ ألا يمكن للإنسان أن يقول للآخر: أنا مختلف عنك اختلافاً عميقاً، وربما أعتقد أن بعض ما تؤمن به خطأ، وربما تعتقد أنت الأمر نفسه في ما أؤمن به، ومع ذلك فلا ينبغي أن يمنعنا هذا كله من أن نعيش معاً، وأن نتبادل المنافع، وأن نحفظ الحقوق، وأن نتعاون فيما تقتضيه حياتنا المشتركة؟ فالتعايش، بهذا المعنى، أكثر واقعية من الحوار؛ لأنه لا يطلب من البشر تغيير ما في عقولهم قبل أن يطلب منهم ضبط ما يصدر عنهم من أفعال.
بل إن محاولة البحث المستمر عن القواسم العقدية والفكرية المشتركة قد تأتي، في بعض الظروف، بنتيجة عكسية. فعندما نفتح ملفات الاختلاف من أجل البحث عن نقاط الاتفاق، فإننا نفتح ملفات الاختلاف نفسها! وحين نشرع في المقارنة بين عقيدتين أو حضارتين، فإننا لا نستحضر عناصر التشابه وحدها، وإنما نستحضر كذلك عناصر التباين، وقد نعيد إلى الوعي الجمعي خلافات كان يمكن أن تبقى خامدة وغير مؤثرة في الحياة اليومية.
وهنا يصبح من المشروع أن نتساءل: هل يحتاج الناس فعلاً إلى أن يعرفوا بالتفصيل لماذا يختلفون لكي يستطيعوا أن يعيشوا معاً؟ قد يكون العكس هو الأقرب إلى الصواب في حالات كثيرة. فقد يكون من رجاحة العقل ألا تتحول كل الفوارق الكامنة بين الجماعات إلى موضوع دائم للتذكير والمقارنة والجدال. فليست كل حقيقة تاريخية بحاجة إلى أن تتحول إلى قضية يومية، وليس كل اختلاف عقدي بحاجة إلى أن يُستدعى إلى المجال العام، وليس كل نزاع ورثناه عن الأجداد بحاجة إلى أن نورثه للأبناء.
وهذا ما يمنح معنى بالغ العمق للحكمة التي ينطوي عليها الحديث الشريف: “الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها”. فبصرف النظر عن البحث في درجة ثبوتها حديثياً، فإن المعنى الذي تحمله جدير بالتأمل. فليس من رجاحة العقل دائماً استخراج كل ما هو كامن في الذاكرة الجماعية وعرضه للنقاش، وإنما قد تكون رجاحة العقل هذه أحياناً في عدم إيقاظ ما لا يترتب على إيقاظه إلا الخصومة والعداء.
ولعل التاريخ نفسه يقدم شواهد كثيرة على أن الناس يستطيعون ممارسة التعايش قبل أن يمتلكوا نظرية في التعايش. ففي المدن والأسواق والأحياء التي اجتمعت فيها جماعات مختلفة، لم يكن الإنسان في حاجة إلى دراسة مقارنة للأديان قبل أن يشتري من تاجر ينتمي إلى دين آخر، ولا إلى مؤتمر لحوار الحضارات قبل أن يتعامل مع جار من ثقافة أخرى. كانت الحياة اليومية نفسها تنتج قواعدها البسيطة المتمثلة في الاحترام، ورد الأمانة، وحفظ الجوار، وتبادل المصالح، وعدم الاعتداء. وهذا يقودنا إلى القاسم المشترك الحقيقي الذي يمكن البناء عليه. فهو ليس بالضرورة قاسماً عقائدياً أو فلسفياً أو حضارياً، وإنما هو قاسم إنساني عملي. فكل إنسان يريد أن يعيش آمناً، وأن تُصان حقوقه، وألا يُعتدى عليه، وأن يستطيع تربية أبنائه، والعمل، والسكن، والتنقل، والتعامل مع الآخرين من غير أن تتحول هويته إلى سبب دائم للخوف والصراع. فنحن، بهذا الانتقال، لا نبحث عما يجعل المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والهندوسي وغير المؤمن متفقين في تفسير العالم؛ بل عما يسمح لهم بأن يعيشوا في عالم واحد على الرغم من اختلاف تفسيراتهم له. ولا نبحث عما يجعل الحضارة الشرقية نسخة من الحضارة الغربية، أو الغربية نسخة من الشرقية، وإنما عما يجعل اختلافهما غير قابل للتحول إلى ذريعة للهيمنة أو الإقصاء أو العدوان. ولا نطالب الأمم بأن تتخلى عن خصوصياتها حتى تتعايش، بل نجعل التعايش نفسه الإطار الذي يسمح لهذه الخصوصيات بالبقاء من غير أن تتحول إلى أدوات للصراع.
وعندئذ يمكن صياغة قاعدة المقاربة الجديدة في عبارة بسيطة: لا ينبغي أن نتفق لكي نتعايش؛ ينبغي أن نتعلم كيف نتعايش ونحن مختلفون.
وبذلك يصبح التعايش أوسع من التسامح أيضاً. فالتسامح قد يحمل في بنيته معنى أنني أتحمل وجودك رغم اختلافي معك، بينما التعايش يعني الاعتراف بأن وجود الآخر المختلف جزء طبيعي من العالم الاجتماعي الذي أعيش فيه. فالآخر ليس مشكلة ينبغي أن أجد لها حلاً، ولا عقيدة ينبغي أن أصححها، ولا حضارة ينبغي أن أعيد تشكيلها؛ إنه إنسان أو جماعة أشاركها فضاءً واحداً، ويكفي لتنظيم علاقتي بها أن توجد قواعد عادلة تضبط أفعالنا المتبادلة.
ومن هنا ينبغي ألا يقتصر مفهوم تعايش الحضارات على الأديان وحدها. فالمبدأ نفسه يمكن أن يحكم العلاقة بين الدول والأمم والقوميات والثقافات والمذاهب وحتى الجماعات السياسية. فليس مطلوباً من دولتين مختلفتين في رؤيتهما للعالم أن تحلا خلافاتهما الفكرية حتى تعيشا في سلام، كما ليس مطلوباً من شعبين مختلفين ثقافياً أن يصوغا هوية مشتركة حتى يحترم أحدهما الآخر؛ إذ أن المطلوب أقل تعقيداً وأكثر صعوبة في آن واحد: أن يتحول الاختلاف من دافع للفعل العدائي إلى حقيقة محايدة يمكن العيش معها.
وعند هذه النقطة تحديداً يمكن أن تتحول المقاربة من شعار فكري إلى مشروع اجتماعي. فبدلاً من استثمار الجهد الأكبر في المؤتمرات التي تناقش «ما الذي يجمعنا؟»، يمكن استثماره في بناء ثقافة تسأل: كيف ينبغي أن نتصرف حين لا يجمعنا شيء؟
وذلك هو الامتحان الحقيقي للتعايش. فإذا لم يستطع الإنسان احترام الآخر إلا بعد أن يكتشف أنه يشبهه، فإن احترامه لم يتجاوز في حقيقته احترام صورته في الآخر. أما إذا استطاع أن يحفظ للآخر حقه وأمنه وحقوقه مع إدراكه الكامل أنه مختلف عنه، فهنا فقط يكون قد تعلم التعايش. ولذلك فإن تعايش الحضارات لا ينبغي النظر إليه بوصفه اسماً جديداً للغاية القديمة نفسها، وإنما بوصفه تغييراً في نقطة الانطلاق: من محاولة إدارة الأفكار إلى تنظيم الأفعال، ومن البحث عن الاتفاق إلى إدارة الاختلاف، ومن النخب إلى عامة الناس، ومن قاعات المؤتمرات إلى الشارع والمدرسة والسوق ومكان العمل والحي والدولة. وقد يكون هذا التحول البسيط ظاهرياً أعمق أثراً من كثير من المشروعات الفكرية الكبرى؛ لأن السلام بين البشر لا يحتاج لأن يفهم كل واحد منهم الآخر فهماً كاملاً، ولا إلى أن يقتنع بعقيدته أو حضارته أو رؤيته للعالم؛ لكنه يحتاج إلى شيء أبسط بكثير: أن يُقِر له بحقه بالوجود.

أضف تعليق