ظواهر “هامش العلم”… نحو مبحث معرفي لما يقع على تخوم المعرفة

اعتادت المعرفة الإنسانية أن تنظّم موضوعاتها في مباحث وحقول واضحة المعالم: فالظواهر الفيزيائية تُدرس في إطار الفيزياء، والظواهر البايولوجية في إطار علوم الحياة، والظواهر النفسية في علم النفس، والظواهر الاجتماعية في علوم الاجتماع والإنسان. وقد حقق هذا التقسيم نجاحاً هائلاً؛ لأنه أتاح لكل حقل أن يطوّر أدواته ومناهجه ومفاهيمه الخاصة، وأن يراكم معرفة يمكن اختبارها وتصحيحها والبناء عليها.
غير أن هذا النجاح نفسه قد يحجب عنا مشكلة معرفية لا تقل عنها دلالة: ماذا نفعل بالظواهر التي نرصدها أو ترد عنها شهادات وتقارير متكررة، ولكنها لا تستقر بسهولة داخل أي من الحقول المعرفية القائمة؟ وماذا نفعل بالظاهرة التي تبدو نفسية من جانب، واجتماعية من جانب آخر، وربما فيزيائية أو بايولوجية أو ميتابايولوجية من جانب ثالث، من غير أن يستطيع أي تخصص قائم أن يقدم لها تفسيراً كافياً؟
هناك، في الواقع، طائفة واسعة من الظواهر التي يمكن أن نطلق عليها، بصورة أولية، اسم Fringe Phenomena، أي ظواهر “هامش العلم”؛ وهي تلك الظواهر الواقعة على أطراف المعرفة المعاصرة وحدود قدرتها التفسيرية. وليس المقصود بكلمة fringe هنا الحكم مسبقاً على هذه الظواهر بأنها صحيحة أو زائفة، طبيعية أو خارقة، وإنما تحديد موقعها المعرفي فحسب؛ حيث أنها ظواهر لم تستقر بعد داخل المركز المنهجي والتفسيري للعلوم والمعارف القائمة.
ومن هنا يمكن الدعوة إلى إنشاء مبحث معرفي جديد تكون مهمته دراسة هذه الظواهر بوصفها فئة معرفية قائمة بذاتها، لا لأنها تشترك بالضرورة في علة واحدة، وإنما لأنها تشترك في خاصية منهجية أساسية تتمثل في كونها تقف عند الحدود التي تبدأ عندها قدرة منظوماتنا المعرفية الراهنة على الاضطراب أو التراجع أو العجز عن تقديم تفسير حاسم.
إن أكبر مشكلة تواجه ظواهر “هامش العلم” هي أنها كثيراً ما تقع ضحية موقفين متناقضين ظاهرياً، متشابهين معرفياً. فالموقف الأول هو التصديق المتعجل. فغرابة الظاهرة تكفي، عند بعض الناس، لكي تصبح دليلاً على صحتها، وعجز العلم عن تفسيرها يتحول سريعاً إلى برهان على تفسير غيبي أو خارق أو ميتافيزيقي معين. وهكذا يُملأ الفراغ المعرفي بتفسير لا يمتلك من الأدلة أكثر مما يمتلكه التفسير الذي جرى رفضه!
أما الموقف الثاني فهو الإنكار المتعجل. فما دام الحدث لا ينسجم مع المعرفة المستقرة، أو يبدو بعيداً عما اعتدنا ملاحظته، فإن غرابته نفسها تصبح سبباً كافياً لاستبعاده. وهنا يحدث الخطأ المعاكس: يتحول عدم امتلاك تفسير لظاهرة ما إلى إنكار لإمكان وجود الظاهرة نفسها!
وكلا الموقفين يخلط بين سؤالين ينبغي الفصل بينهما: هل وقعت الظاهرة؟ ولماذا وقعت؟ فقد نملك أدلة جيدة على وقوع حدث من دون أن نعرف سببه، كما قد نمتلك تفسيراً نظرياً ممكناً لحدث من دون أن نملك أدلة كافية على أنه وقع بالفعل. ومن ثم ينبغي لمبحث ظواهر “هامش العلم” أن يبدأ بهذا الفصل المنهجي الصارم بين إثبات الظاهرة وتفسير الظاهرة.
وقد يُفهم اقتراح إنشاء مبحث لظواهر “هامش العلم” على أنه دعوة إلى تخفيف المعايير العلمية لكي تتسع المعرفة لما لا تستطيع العلوم التقليدية إثباته. غير أن المقصود هو العكس تماماً.
فهذا المبحث لا ينبغي أن يمتلك معايير أقل صرامة من المعايير المستخدمة في دراسة الظواهر التقليدية. إنما ينبغي إخضاع الادعاءات للفحص، والبحث عن التفسيرات البديلة، واستبعاد الخداع والوهم والانحياز الإدراكي وأخطاء الذاكرة والمصادفة والانتقاء الإحصائي وسائر العوامل المعروفة التي يمكن أن تجعل ظاهرة عادية تبدو استثنائية.
لكن الالتزام بالصرامة لا يعني أن تكون طريقة البحث واحدة في جميع الموضوعات. فالمنهج العلمي ليس مجموعة إجراءات جامدة تُطبق بالطريقة نفسها على كل شيء، وإنما هو التزام بمجموعة من المبادئ كـ (الدقة، والنقد، والاختبار، والشفافية، والبحث عن الأدلة المضادة، وعدم تجاوز ما تسمح به الأدلة في صياغة النتائج).
وهنا تظهر خصوصية ظواهر “هامش العلم”.
إن بعض الظواهر التقليدية يمكن استحضارها في المختبر مراراً. نستطيع تغيير المتغيرات، وإعادة التجربة، وقياس النتائج آلاف المرات. ولكن ماذا لو كانت الظاهرة التي ندرسها نادرة، أو فجائية، أو مرتبطة بظروف يصعب إعادة إنتاجها؟ فليس من المنطقي أن نطالب ظاهرة نادرة بأن تتصرف كما تتصرف ظاهرة متكررة حتى نسمح لأنفسنا بدراستها. فإذا كان عدم القابلية للاستحضار الإرادي جزءاً من طبيعة الظاهرة، فإن إخفاقنا في استحضارها داخل المختبر لا يكفي وحده لنفي وجودها. وإنما يفرض علينا تطوير طرائق أخرى لجمع الأدلة، وتوثيق الحالات، ومقارنة الشهادات المستقلة، والاستفادة من التسجيلات والأجهزة والبيانات الطبية أو الفيزيائية المتاحة، وتحليل الأنماط المتكررة بين الحالات، ومحاولة تحديد الظروف التي تزيد أو تقل فيها احتمالات حدوث الظاهرة. وهكذا لا نتخلى عن المنهج، وإنما نكيّف أدوات المنهج مع طبيعة موضوعه.
والميزة الأخرى لهذا المبحث المقترح أنه ينبغي ألا يُحبس داخل تخصص واحد. فظواهر “هامش العلم” قد تظهر في مجالات شديدة الاختلاف. فقد تكون هناك ظاهرة نفسية تتعلق بالإدراك أو الذاكرة أو الوعي ولا تستطيع النماذج النفسية والعصبية الراهنة تفسير جميع جوانبها. وقد تكون هناك ظاهرة اجتماعية تظهر في سلوك الجماعات على نحو يصعب رده إلى الآليات الاجتماعية المعروفة. وقد تظهر حالات فيزيائية أو بايولوجية تبدو بياناتها غير منسجمة، بصورة أولية على الأقل، مع التوقعات المستمَدة من النماذج السائدة.
وقد تقع بعض الظواهر في المجال الذي أسميه الميتابايولوجيا؛ أي ذلك المجال الذي تصبح فيه الأدوات البايولوجية، على الرغم من صلاحيتها في تفسير الجانب الحيواني والطبيعي من الإنسان، غير كافية وحدها لتفسير بعض الخصائص التي ظهرت في الكيان الإنساني. ولذلك فإن مبحث ظواهر “هامش العلم” لا ينبغي أن يكون فرعاً من علم النفس أو الفيزياء أو البايولوجيا، وإنما مبحثاً عابرًا للتخصصات، يتعامل مع الحدود المشتركة التي تبلغ عندها هذه العلوم أقصى قدرتها التفسيرية.
يمكن تلخيص الروح المعرفية لهذا المبحث في قاعدة بسيطة: لا ينبغي لغرابة الظاهرة أن تكون دليلاً على صحتها، كما لا ينبغي لغرابتها أن تكون دليلاً على بطلانها. فالمعرفة لا تتقدم بالدهشة، لكنها لا تتقدم كذلك بالاستبعاد المسبق!
ولهذا يمكن أن يقوم المبحث المقترح على درجات مختلفة من التصنيف بدلاً من الثنائية الساذجة: صحيح أو زائف. فقد تكون الظاهرة موثقة بدرجة عالية ولكنها غير مفسرة، أو موثقة جزئياً، أو محتملة ولكن الأدلة عليها ضعيفة، أو قابلة للتفسير ضمن المعرفة القائمة، أو ناشئة عن خطأ أو خداع، أو قد تبقى ببساطة معلّقة معرفياً إلى أن تتوافر بيانات جديدة. وهذا التصنيف الأخير بالغ الدلالة المعرفية؛ لأن الثقافة المعرفية المعاصرة لا تمنح أحياناً مساحة كافية لعبارة: لا نعلم بعد.
ولعل إحدى أهم وظائف مبحث ظواهر “هامش العلم” أن ينشئ ما يمكن تسميته أرشيف المجهول المعرفي. فبدلاً من أن تضيع الحالات غير المفسرة بين الكتب والصحف والسجلات الطبية والتقارير الفردية والدراسات المتناثرة، يمكن جمعها وتصنيفها وفق معايير موحدة، مع بيان قوة الأدلة المتاحة لكل حالة، والتفسيرات التي طُرحت بشأنها، والاعتراضات عليها، وما بقي فيها من عناصر لم تجد تفسيراً. وعندئذ يمكن للباحثين أن يسألوا سؤالاً لم يكن ممكناً طرحه عندما كانت الحالات معزولة: هل توجد أنماط مشتركة؟ فالعلم لا يبدأ دائماً بالنظرية؛ حيث أنه يبدأ، في كثير من الأحيان، بجمع الأشياء التي لا نعرف بعد ماذا نفعل بها، إلى أن يكشف تراكمها عن انتظام لم يكن مرئياً في الحالة المفردة.
وهنا ينبغي التشديد على أمر بالغ الدلالة المعرفية. فظاهرة “هامش العلم” ليست مرادفاً للظاهرة الخارقة للطبيعة. فتسمية ظاهرة ما بأنها fringe “هامش العلم” لا تقول شيئاً عن سببها النهائي. وقد يتبين بعد البحث أن ظاهرة بدت غريبة للغاية ليست سوى نتيجة لآلية نفسية معروفة. وقد تكشف ظاهرة أخرى عن عامل بايولوجي لم يكن معروفاً. وقد يؤدي تطور أدوات القياس إلى إدخال ظاهرة ثالثة في صميم الفيزياء التقليدية. وقد تبقى ظاهرة رابعة عصية على التفسير. وبذلك يكون نجاح هذا المبحث أحياناً في إخراج الظاهرة من “هامش العلم”. فـ “هامش العلم” هو ليس موطناً دائماً للظواهر، وإنما هو “محطة انتظار” معرفية: تدخل إليها الظواهر التي لم نستطع بعد تحديد مكانها الصحيح في خريطة المعرفة، ثم قد تغادرها حين يتوافر لها تفسير مقنع.
إن تاريخ العلم نفسه يدعونا إلى قدر من التواضع إزاء ما لا نستطيع تفسيره. فالمعرفة لا تتوسع من داخل مركزها فحسب، وإنما تتوسع كذلك عندما تصطدم بشيء لا تستطيع أدواتها القائمة استيعابه. فالظاهرة الشاذة ليست دائماً تهديداً للنظرية. فقد تكون خطأ في القياس، أو مصادفة، أو وهماً، وهذا ما ينبغي اختباره أولاً. لكنها قد تكون أيضاً إشارة إلى أن حدود النظرية أضيق من حدود الواقع. وهنا تكمن القيمة الفلسفية العميقة لمبحث ظواهر “هامش العلم”: فهو لا يفترض أن كل غريب حقيقي، ولا أن وراء كل مجهول حقيقة ثورية، وإنما يرفض تحويل حدود المعرفة الحالية إلى حدود للواقع نفسه.
إن الدعوة إلى إنشاء مبحث خاص بظواهر “هامش العلم” ليست، في جوهرها، دعوة إلى إضافة مجموعة جديدة من الظواهر الغريبة إلى قائمة العلوم، وإنما هي دعوة إلى إنشاء علم للحدود المعرفية: علم يدرس تحديداً تلك النقطة التي ينتهي عندها المعلوم ويبدأ غير المفسر. وموضوع هذا العلم لن يكون “الخوارق”، وإنما العجز التفسيري نفسه، والذي يسأل: لماذا استعصت هذه الظاهرة على التفسير؟ هل المشكلة في ضعف الأدلة؟ أم في أدوات القياس؟ أم في ندرة الحدث؟ أم في التصنيف الذي وضعناه فيه؟ أم في أن الظاهرة تقع عند تقاطع علوم متعددة؟ أم أن النموذج النظري المستخدم لا يمتلك بالفعل المفاهيم اللازمة لاستيعابها؟ وبهذا المعنى تصبح ظواهر “هامش العلم” ذات قيمة معرفية حتى عندما يتبين في النهاية أن بعضها لم يكن ظاهرة جديدة أصلاً؛ لأن دراسة أسباب الخطأ والوهم وسوء التأويل هي نفسها معرفة بالإنسان وبحدود أدواته الإدراكية.
إن المعرفة الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى حماية حدودها عن طريق إنكار كل ما يقع خارجها، كما أنها لا تحتاج إلى فتح تلك الحدود لكل ادعاء غريب. وبين الإنكار السهل والتصديق السهل توجد مساحة ثالثة هي التي ينبغي أن يشغلها هذا المبحث الجديد: مساحة البحث المنضبط فيما لم نعرف بعد كيف نفسره. وربما كان أهم ما يمكن أن يقدمه هذا المبحث للمعرفة الإنسانية هو ليس اكتشاف ظواهر جديدة فحسب، وإنما ترسيخ فضيلة معرفية أكثر قيمة دلالية تتمثل في أن نعرف بدقة أين تنتهي معرفتنا، وأن نمتلك، عند تلك الحدود، الشجاعة العلمية الكافية لكي نقول: هنا توجد ظاهرة تستحق البحث، أما تفسيرها فلم نعرفه بعد.

أضف تعليق