
من أكثر العبارات التي يرددها الإنسان ثقةً قوله إنه يريد أن يعرف الحقيقة كما هي، وأن يرى الأشياء على حقيقتها، بعيداً عن الأوهام والأحكام المسبقة والتصورات الزائفة. ويبدو هذا المطلب، للوهلة الأولى، بديهياً إلى الحد الذي يصعب معه الاعتراض عليه؛ فمن ذا الذي يعلن صراحة أنه يفضل الوهم على الحقيقة، أو أنه يريد أن يعرف العالم كما يتمنى أن يكون، لا كما هو بالفعل؟
غير أن المسألة تصبح أكثر تعقيداً حين ننتقل من الإعلان عن الرغبة في الحقيقة إلى الشروط التي تقتضيها معرفة الحقيقة. فقد يكون الإنسان راغباً في الحقيقة من حيث المبدأ، لكنه غير مستعد لدفع الثمن المعرفي والنفسي الذي تتطلبه. وقد يكون أشد ما يعوقه عن ذلك أنه لا يدخل إلى العالم بوعي خالٍ ينتظر الأشياء لكي تكشف له عن حقيقتها، وإنما يدخل إليه محمّلاً بتمثلات سابقة عن نفسه والآخرين والأشياء والأحداث والمعاني، ثم لا يلبث أن يتعامل مع هذه التمثلات كما لو أنها جزء من الأشياء ذاتها!
وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج ما أسميه “فائض التمثّل”. فالتمثّل، في أصله، ضرورة إدراكية لا غنى عنها. والإنسان لا يستطيع أن يعيش في عالم لا يصنف فيه الأشياء ولا يمنحها أسماء ومعاني ولا يبني لها صوراً ذهنية تساعده على التعامل معها. غير أن المشكلة تبدأ حين يتجاوز التمثّل وظيفته الطبيعية بوصفه أداة تساعد على معرفة الواقع، فيتحول إلى سلطة تفرض على الواقع الكيفية التي ينبغي أن يظهر بها لنا. عندئذ لا نعود نرى الشيء ثم نبني تمثلاً له، وإنما يصبح التمثّل السابق هو الذي يقرر، إلى حد بعيد، ماذا سنرى في الشيء أصلاً. وهنا ينبغي أن نسأل السؤال الذي قد يكون أكثر إزعاجاً من سؤال الحقيقة نفسه: هل نريد حقاً أن نعرف الأشياء على حقيقتها، أم أننا نريد أن نجد في الأشياء ما يؤكد التمثلات التي سبق أن كوّناها عنها؟
فحين ينظر الإنسان إلى شخص يحبه، فإنه لا يرى بالضرورة ذلك الشخص وحده، وإنما يراه من خلال تمثّل «الحبيب». وحين ينظر إلى شخص يكرهه، فإنه لا يعود يرى إنساناً يمكن أن يجتمع فيه الصواب والخطأ والخير والشر، وإنما يراه من خلال صورة «الخصم». وكذلك حين ينظر إلى وطنه، أو جماعته، أو عقيدته، أو ثقافته، أو تاريخه، أو ذاته؛ فإنه نادراً ما يقف أمام موضوع محايد، وإنما يقف أمام شيء سبقت تغطيته بطبقات كثيفة من المعاني والذكريات والانفعالات والأحكام.
وهكذا قد يعتقد الإنسان أنه يتعامل مع الواقع، بينما هو يتعامل، في جانب كبير منه، مع تمثّله للواقع. ولا تكمن الخطورة في مجرد وجود هذه التمثلات؛ إذ يستحيل عملياً أن يخلو الوعي الإنساني منها. وإنما تكمن في فقدان القدرة على التمييز بين الشيء وتمثّله، وبين ما يوجد في الواقع وما أضفناه نحن إليه. فالخريطة ليست الأرض، والوصف ليس الموصوف، والصورة الذهنية للإنسان ليست الإنسان، والتفسير ليس الحدث، والانطباع ليس الحقيقة. ومع ذلك يتصرف الإنسان في كثير من الأحيان كما لو أن الفاصل بين هذه المستويات قد اختفى.
وقد يبدو غريباً الحديث عن “الضرورة المعرفية للوهم”. فالمعرفة، بحسب التصور المألوف، هي نقيض الوهم، فكيف يمكن للوهم أن يصبح ضرورة؟ المقصود هنا ليس أن الوهم ضرورة للحقيقة، وإنما أنه قد يتحول إلى ضرورة للبنية المعرفية التي صنعها الإنسان لنفسه. فالإنسان لا يحتفظ دائماً بأوهامه لأنه عاجز عن اكتشاف خطئها، بل قد يحتفظ بها لأن انهيارها يهدد شبكة كاملة من التمثلات التي يستند إليها فهمه لنفسه والعالم. فوهمٌ واحدٌ لا يعيش دائماً منفرداً. فقد يكون الاعتقاد بتفوق الجماعة مرتبطاً بصورة الإنسان عن ذاته، ومكانته، وتاريخه، وانتمائه. وقد يكون تمثّله لشخص بوصفه شريراً ضرورياً لكي يحافظ على تمثّله لنفسه بوصفه ضحية بريئة. وقد يكون اعتقاده بأن نظاماً فكرياً بعينه يمتلك الإجابات ضرورياً كي لا يضطر إلى مواجهة مساحة هائلة من اللايقين. وقد يكون تصوره عن علاقة حب معينة ضرورياً لكي يحافظ على قصة كاملة بناها عن حياته ومستقبله. ولهذا فإن إزالة الوهم لا تعني دائماً تصحيح معلومة واحدة؛ فقد تعني هدم بناء كامل. ومن هنا تنشأ مقاومة الحقيقة. فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاتساق لكي يستطيع أن يعيش داخل عالمه الذهني. فهو يريد أن يعرف من هو، ومن هم الآخرون، وما الذي حدث، ولماذا حدث، ومن المصيب، ومن المخطئ، وما الذي ينبغي أن يتوقعه غداً. وهذه الحاجة مفهومة في أصلها، لكن فائض التمثّل قد يحولها إلى حاجة أشد خطورة: الحاجة إلى أن يكون العالم قابلاً للانسجام مع الصورة التي سبق أن رسمناها له. وعندئذ يصبح الوهم ذا وظيفة؛ فهو يسد الفجوات، ويزيل التناقضات، ويعيد تفسير الوقائع المزعجة، ويستبعد الأدلة التي تهدد البناء القائم، ويمنح الأحداث المتناثرة قصة يمكن احتمالها. وهنا يمكن أن نفهم لماذا لا تكفي الأدلة دائماً لتغيير قناعات الإنسان. فالمشكلة ليست بالضرورة أن الدليل ضعيف، وإنما أن قبوله قد تكون له كلفة تتجاوز القضية التي يثبتها. فقد تُقدِّم لإنسان دليلاً يتعلق بفكرة واحدة، بينما يشعر هو، من حيث يدري أو لا يدري، أنك تطالبه بإعادة بناء عالم كامل! ولهذا يستطيع الإنسان أن يكون شديد الذكاء في الدفاع عن وهمه. بل قد يستخدم أدوات المنطق ذاتها لكي يحمي بناءً غير منطقي! فالذكاء لا يضمن التحرر من فائض التمثّل؛ إذ قد يتحول الذكاء نفسه إلى أداة أكثر كفاءة في الدفاع عن التمثلات الراسخة.
وربما كان من السهل على الإنسان أن يقول: «لا أعرف». لكن الأمر يصبح أصعب بكثير حين يكون المطلوب منه أن يقول: “ما كنت أظنه معرفة ربما لم يكن معرفة أصلاً”. فالجهل الذي نعرف أننا نجهله لا يهددنا بالقدر نفسه الذي يهددنا به اكتشاف أننا كنا مخطئين في شيء جعلناه جزءاً من فهمنا لأنفسنا! ولهذا فإن الرحلة الحقيقية نحو المعرفة لا تبدأ دائماً باكتساب معلومات جديدة، وإنما قد تبدأ بعملية أشد مشقة: تفكيك ما نظنه معلومات.
وهنا يصبح التحرر المعرفي نوعاً من التجريد المتتابع: أن نجرد الشيء من أحكامنا عليه، ثم من رغباتنا المتعلقة به، ثم من مخاوفنا منه، ثم من موقعه داخل هويتنا، ثم من القصة التي نسجناها حوله، لنسأل بعد ذلك: ماذا بقي من الشيء نفسه؟ فقد تكون الإجابة مفاجئة. وقد نكتشف أن جزءاً كبيراً مما كنا نظنه خصائص للشيء لم يكن موجوداً فيه، وإنما كان موجوداً فينا نحن.
فإذا كان فائض التمثّل يشوش معرفتنا بالعالم، فإنه يبلغ ذروة سلطانه حين يصبح موضوع المعرفة هو الإنسان نفسه. فالإنسان لا يحمل تمثلاً للأشياء فحسب، بل يحمل تمثلاً شديد القوة لذاته: أنا طيب، أنا عقلاني، أنا عادل، أنا مختلف، أنا مظلوم، أنا أكثر فهماً من الآخرين، أنا لا أفعل ما يفعله أولئك الذين أنتقدهم. وهذه الـ «أنا» لا تكون دائماً وصفاً لما نحن عليه، بل قد تكون قصة نحتاج إليها لكي نستطيع الاستمرار في النظر إلى أنفسنا بالطريقة التي اعتدناها.
ولهذا يستطيع الإنسان أن يرى التحيز عند الجميع إلا عند نفسه، وأن يكتشف التناقض في كلام خصمه ولا يراه في كلامه، وأن يفسر عدوان الآخر بوصفه دليلاً على سوء طبيعته بينما يفسر عدوانه هو بوصفه استجابة اضطر إليها بسبب الظروف. وهنا يكشف فائض التمثّل عن إحدى أشد مفارقاته: الأداة التي نستخدمها لفهم أنفسنا قد تصبح الأداة التي تحول بيننا وبين معرفة أنفسنا.
السؤال هنا ليس سهلاً؛ لأن التخلص الكامل من التمثّل قد لا يكون ممكناً أصلاً. فنحن بشر، ومعرفتنا تمر عبر أجهزة إدراك ولغة وذاكرة وتجربة سابقة وبنى مفهومية لا نستطيع مغادرتها مغادرة تامة. لكن ثمة فرقاً هائلاً بين أن نعرف أننا ننظر من خلال تمثلات، وبين أن نعتقد أن تمثلاتنا هي الواقع ذاته! والتحرر من سلطان فائض التمثّل هذا لا يعني الوصول إلى «عين مطلقة» ترى الأشياء من خارج كل منظور، وإنما يعني اكتساب القدرة على وضع مسافة معرفية بيننا وبين ما نعتقده. فيصبح الإنسان قادراً على أن يقول: ربما لا يكون الشيء كما أراه. وربما لا يكون الإنسان الذي أحببته كما مثّلته لنفسي. وربما لا يكون خصمي بالسوء الذي أحتاج إلى أن يكون عليه لكي أحافظ على صورتي عن نفسي. وربما لا تكون جماعتي كما تحكي عن ذاتها. وربما لا أكون أنا نفسي كما اعتدت أن أصف نفسي. فهذه الـ «ربما» الصغيرة قد تكون واحدة من أهم بوابات المعرفة؛ لأنها تفتح ثغرة في الجدار الذي يبنيه فائض التمثّل بين الإنسان وبين الأشياء.
ولعلنا نستطيع، من هنا، أن نقترح تعريفاً أكثر صرامة للرغبة في معرفة الحقيقة؛ فالرغبة في الحقيقة ليست أن نطلب الأدلة التي تؤكد ما نعتقده، وليست أن نرحب بالمعرفة ما دامت لا تمس صورتنا عن أنفسنا والعالم. والرغبة الحقيقية في المعرفة هي الاستعداد لأن نخسر، بسبب ما نعرفه، شيئاً مما كنا نريد أن يكون صحيحاً. فنكون مستعدين لخسارة فكرة. أو صورة. أو حكماً. أو إعجاباً. أو كراهية. أو يقيناً مريحاً. أو حتى جانباً من القصة التي بنينا عليها هويتنا. ومن لا يقبل تَحمل هذه الخسارة قد يكون باحثاً عما يطمئنه، لكنه ليس بالضرورة باحثاً عن الحقيقة.
لذلك ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل مشروع للمعرفة هو ليس: ما حقيقة الأشياء؟ وإنما: هل نحن مستعدون بالفعل لأن نعرفها إذا جاءت حقيقتها مخالفة لما نريد؟ فهنا يكمن الاختبار. ليس عندما تؤكد الحقيقة معتقداتنا، وإنما عندما تهددها. وليس عندما تمنحنا مزيداً من الثقة بأنفسنا، وإنما عندما تجبرنا على مراجعتها. وليس عندما تكشف خطأ الآخرين، وإنما عندما تكشف خطأنا نحن.
إن فائض التمثّل لا يحرم الإنسان من الحقيقة بأن يمنعه دائماً من الوصول إلى الأدلة؛ بل يفعل شيئاً أكثر خفاءً: يجعل الإنسان يعيد تشكيل معنى الأدلة بحيث يستطيع الاحتفاظ بعالمه السابق بعد أن يواجهها. ومن هنا تصبح “الضرورة المعرفية للوهم” واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية إثارة للتأمل. فالإنسان يحتاج إلى الوهم، لا لكي يعرف العالم، بل لكي يحافظ على العالم الذي سبق أن بناه في وعيه؛ يحتاج إليه لكي تظل ذاته هي ذاتها، وخصومه هم خصومه، ومحبوبوه هم محبوبوه، ومعتقداته هي معتقداته، وقصته عن العالم متماسكة. أما معرفة الأشياء على حقيقتها فتبدأ في اللحظة التي نتوقف فيها عن مطالبة الحقيقة بأن تحافظ لنا على هذا العالم. ولعل أول شروط المعرفة الحقيقية، لذلك، ليس أن نسأل الأشياء عما هي عليه فحسب، وإنما أن نمنحها الحق في أن تكون هي غير ما مثّلناها لأنفسنا.
