“مَن أمِنَ العقوبة أساءَ الأدب”… كيف روَّض المجتمع “فائض العدوان” وصدَّره إلى الخارج؟

من أكثر الأمثال شيوعاً في التعبير عن العلاقة بين السلوك والجزاء قولهم: “من أمِن العقوبة أساء الأدب”. ويُفهم هذا المثل عادة في سياق أخلاقي بسيط: حين يعلم الإنسان أن إساءته لن تترتب عليها عواقب، فإنه يصبح أكثر استعداداً لارتكابها. غير أن المثل، إذا نُظر إليه من زاوية أوسع، قد يكشف عن مبدأ بالغ الدلالة في فهم نشأة المجتمع البشري واستمراره؛ إذ يساعدنا على تفسير الكيفية التي استطاعت بها الجماعة البشرية تطويع قدر كبير من العدوان الكامن في أفرادها، ثم إعادة توجيهه بحيث لا ينفجر بصورة دائمة داخل المجتمع نفسه. فالمشكلة التي واجهها المجتمع البشري لم تكن، في جانب منها، مشكلة وجود العدوان فحسب، وإنما مشكلة فائض العدوان. فالعدوان في العالم البايولوجي ليس شراً مطلقاً ولا سلوكاً بلا وظيفة. فهو في حدود معينة، أداة من أدوات البقاء، وذلك للدفاع عن النفس، وحماية الصغار، والتنافس على الموارد، والدفاع عن المجال الحيوي، وغير ذلك من الوظائف التي تجعل له موضعاً مفهوماً ضمن اقتصاد الطبيعة.
غير أن الانتقال إلى الإنسان، وفق المقاربة الميتابايولوجية، يجعلنا أمام ظاهرة مختلفة. فالقدرة العدوانية لم تعد مقيدة دائماً بالحدود التي تضبطها بها الضرورة البايولوجية، وإنما أصبح ممكناً تضخيمها واستدامتها وفصلها جزئياً عن دوافعها المباشرة. فيستطيع الإنسان أن يكره من لم يره، وأن ينتقم بعد سنوات، وأن يشارك في قتل أشخاص لم ينازعوه مباشرة على غذاء أو مأوى أو شريك، وأن يحول العدوان إلى مشروع جماعي طويل الأمد.
وهنا ظهرت واحدة من أكبر المشكلات التي واجهت الجماعة البشرية؛ إذ كيف يمكن لمجتمع أن يستمر إذا كان أفراده قادرين على توجيه فائض عدوانهم بعضهم نحو بعض؟ إن مجتمعاً يترك العدوان الداخلي بلا ضوابط يحمل في داخله عوامل تَفكُكِه. فإذا كان كل فرد يستطيع أن يعتدي على الآخر متى شاء، وأن يستولي على ممتلكاته، أو ينتقم منه، أو يقتله، من دون أن يخشى عاقبة، فإن الثقة تتآكل، والتعاون يصبح بالغ الكلفة، والاستقرار ينهار. ومن هنا يمكن أن نعيد قراءة «من أمِن العقوبة أساء الأدب» باعتباره وصفاً مكثفاً لمشكلة تأسيس النظام الاجتماعي نفسه.
لم تستطع المجتمعات أن تلغي القدرة البشرية على العدوان، لكنها استطاعت أن تغيّر اقتصاد ممارسته. فمع نشوء الأعراف والمحرمات والقوانين والسلطات والمؤسسات العقابية، أصبحت ممارسة العدوان داخل الجماعة أكثر كلفة. فلم يعد السؤال الذي يواجه الفرد هو: “هل أستطيع الاعتداء على فلان؟”، وإنما أصبح أيضاً: “ماذا سيحدث لي إن فعلت ذلك؟”.
وهذا التحول بالغ الدلالة المعرفية؛ لأن العقوبة لا تحتاج إلى إزالة الدافع العدواني لكي تكون فعالة. فيكفيها أن تجعل التعبير عنه مكلفاً. وقد اتخذت هذه الكلفة أشكالاً متعددة عبر التاريخ، كـ الثأر، والنبذ، والعار، والغرامة، والسجن، وفقدان المكانة، والعقوبات الجسدية، وصولاً إلى الدولة الحديثة التي احتكرت، بدرجات متفاوتة، الاستخدام المشروع للقوة داخل حدودها.
وبذلك نشأ مجال اجتماعي أصبح فيه الإنسان مضطراً إلى كبح جانب من عدوانه، ليس لأنه فقد القدرة عليه، ولا لأنه أصبح بالضرورة أكثر رقة، وإنما لأنه أصبح يعرف أن العدوان الداخلي قد يرتد عليه في صورة عقوبة.
وهنا تكمن الدلالة الأعمق للمثل، والتي مفادها ان الأدب الذي تصنعه العقوبة ليس بالضرورة دليلاً على زوال الرغبة في الإساءة. فالإنسان الذي يمتنع عن الاعتداء لأنه يخشى العقوبة قد يكون قد تغير سلوكه من دون أن يكون الدافع الذي يقف وراء السلوك قد اختفى.
ولكن ماذا يحدث لفائض العدوان حين يصبح التعبير عنه داخل المجتمع مكلفاً؟ وهنا ينبغي التمييز بين إلغاء القوة وإعادة توجيهها. فقد تنجح الجماعة في خفض العنف بين أفرادها من دون أن تنجح في خفض استعدادها الجمعي للعنف. بل قد يحدث أمر أكثر إثارة للاهتمام فحواه أن يصبح ضبط العدوان الداخلي شرطاً لإمكان تنظيم العدوان الخارجي. فالفرد الذي كان يستطيع أن يمارس عنفه بصورة شخصية وعشوائية يصبح، في المجتمع المنظم، ممنوعاً من ذلك. ولكنه قد يُستدعى، في ظروف معينة، إلى ممارسة العنف نفسه باسم الجماعة! فما كان جريمة داخل الحدود قد يصبح بطولة إذا مورس خارجها وفق الشروط التي تضعها السلطة! فقتل أحد أبناء المجتمع قد يُعد من أعظم الجرائم، بينما قتل عدو في الحرب قد يصبح فعلاً يكافأ عليه صاحبه. والاستيلاء على ممتلكات الجار سرقة، بينما قد يُعاد وصف الاستيلاء على موارد مجتمع آخر، تاريخياً، بلغة الفتح أو الغنيمة أو التوسع أو المصلحة القومية، بحسب النظام الثقافي والسياسي الذي يمنحه المشروعية! وهكذا لا تعود الحدود السياسية حدوداً جغرافية فقط؛ إنها قد تصبح أيضاً حدوداً أخلاقية لتنظيم العدوان.
وعند هذه النقطة تظهر مفارقة شديدة الدلالة. فالمجتمع قد يستخدم آليتين متعاكستين للتعامل مع السلوك العدواني نفسه. فالعقوبة حين يتجه العدوان إلى الداخل، والمكافأة حين يُعاد توجيهه إلى الخارج في السياق الذي تقره الجماعة. فالذي يمارس العنف خارج الإطار المسموح به يُعاقَب، بينما الذي يمارسه بأمر الجماعة وفي مواجهة عدوها قد يحصل على الرتبة والوسام والثناء والمكانة الاجتماعية. وهذا يعني أن المجتمع لم يقل للفرد دائماً: «لا تكن عدوانياً»، بقدر ما قال له في كثير من الأحيان: “لا تكن عدوانياً هنا، وبهذه الطريقة، ومن تلقاء نفسك”.
والفرق بين العبارتين هائل. فالأولى تستهدف العدوان نفسه، أما الثانية فتستهدف تنظيمه واحتكاره وتحديد موضوعه وتوقيته والجهة المخولة بممارسته.
وهنا تصبح الدولة، في أحد أبعادها التاريخية، مؤسسة لا تمنع العنف فحسب، وإنما تعيد توزيع الحق في ممارسته. فهي تنزع من الفرد جانباً كبيراً من “حقه” في استخدام القوة بصورة شخصية، ثم تحتفظ لنفسها بإمكان استخدام قوة أشد تنظيماً وأوسع نطاقاً. لكن تصدير العدوان يحتاج إلى أكثر من الحدود والقوانين والجيوش؛ إذ أنه يحتاج، في كثير من الأحيان، إلى بناء صورة ذهنية تجعل الآخر موضوعاً ممكناً لهذا العدوان.
ومن هنا يمكن فهم الدلالة التاريخية لعمليات تقسيم البشر إلى “نحن” و”هم”. فالعدوان الذي يصعب تبريره تجاه من يُنظر إليه بوصفه واحداً منا يصبح أسهل حين يُعاد تمثل الشخص نفسه بوصفه عدواً أو خطراً أو غريباً أو تهديداً للجماعة. وكلما ازدادت المسافة النفسية والأخلاقية بين «نحن» و«هم»، أصبح ممكناً تعليق بعض القيود التي تحكم التعامل داخل الجماعة. ولذلك لم تكن الحروب تعتمد على السلاح وحده، وإنما اعتمدت كذلك على السرديات والرموز والخطابات التي تحدد من هو العدو، ولماذا يشكل خطراً، ولماذا يصبح استخدام القوة ضده مشروعاً أو ضرورياً.
وهنا يتداخل فائض العدوان مع فائض التمثّل: فالأول يوفر الطاقة العدوانية، بينما يستطيع الثاني أن يصنع الصورة التي تحدد موضوعها وتمنحها معناها ومبرراتها.
وقد يكون هذا التداخل واحداً من أهم مفاتيح فهم العنف الإنساني المنظم. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى أن يتعرض لاعتداء شخصي لكي يقاتل؛ فيكفي أحياناً أن يحمل تمثلاً معيناً عن الآخر يجعله يرى قتاله واجباً أو بطولة أو ضرورة.
ومن هذا المنظور، قد يكون من الخطأ النظر إلى الحرب دائماً بوصفها انهياراً كاملاً للنظام الاجتماعي. فالحرب، على نحو مفارق، قد تكون أحياناً ثمرة درجة عالية من التنظيم الاجتماعي. فالعنف الفردي العشوائي يحتاج إلى شخص غاضب وسلاح وفرصة. أما الحرب الواسعة فتحتاج إلى دولة أو سلطة، وإدارة، وتمويل، وتجنيد، وتدريب، وتسليح، ونقل، واتصالات، وانضباط، وسلسلة أوامر، وقدرة على إقناع أعداد كبيرة من الناس بأن يوقفوا نزاعاتهم الداخلية مؤقتاً ويوجهوا قوتهم نحو هدف خارجي مشترك.
ولهذا فإن المجتمع الذي نجح في كبح العدوان الداخلي قد يصبح، في بعض الظروف، أقدر على ممارسة العدوان الخارجي المنظم. وهذه هي مفارقة الحضارة؛ إذ كلما ازدادت قدرة الجماعة على ضبط العنف داخلها، ازدادت أحياناً قدرتها التقنية والتنظيمية على حشده خارجها. فالجيوش لا تتكون من أفراد يفعل كل منهم ما يشاء، وإنما من أفراد جرى تدريبهم تحديداً على كبح دوافعهم الفردية والخضوع لنظام صارم، لكي يصبح استخدامهم للقوة جماعياً ومنظماً.
ولكن المثل يمكن توسيعه مرة أخرى، بحيث لا يقتصر على الفرد. فكما قد يسيء الفرد السلوك حين يأمن العقوبة، فقد تفعل الجماعات والدول الشيء نفسه حين تعتقد أن قدرتها العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية تجعل تكلفة عدوانها على الآخرين منخفضة.
وهنا تنتقل قاعدة الردع من داخل المجتمع إلى العلاقات بين المجتمعات. فالقانون الداخلي يجعل الفرد يحسب تكلفة الاعتداء، بينما تحاول القوانين الدولية والتحالفات وتوازنات القوى والمؤسسات العابرة للدول أن تجعل الجماعات والدول بدورها تحسب تكلفة العدوان الخارجي. ومن ثم يمكن القول إن تاريخ الحضارة شهد محاولتين متتاليتين، وإن ظلتا ناقصتين: الأولى هي تطويع فائض العدوان داخل الجماعة، والثانية هي محاولة تطويعه بين الجماعات. وقد نجحت البشرية في الأولى بدرجة أكبر بكثير من نجاحها في الثانية.
إن القراءة الميتابايولوجية لهذه الظاهرة تجعلنا أمام استنتاج مهم: الحضارة لم تعالج فائض العدوان بالضرورة، وإنما نجحت، في جانب كبير من تاريخها، في إدارته! فلقد بنت حوله الأسوار القانونية والأخلاقية داخل المجتمع، ورفعت تكلفة التعبير الفردي عنه، واحتكرت أدوات العنف، ثم أبقت أبواباً يمكن عبرها إعادة توجيه جزء منه إلى الخارج حين ترى الجماعة أو السلطة أن الظروف تستدعي ذلك. وهذا يفسر كيف يمكن لمجتمع شديد الانضباط داخلياً أن يكون شديد العنف خارجياً، وكيف يستطيع الإنسان نفسه أن يكون مواطناً مسالماً في حياته اليومية ثم يتحول، حين تتغير منظومة الأوامر والمشروعية والتمثلات، إلى مشارك في عنف جماعي واسع النطاق.
ولذلك فإن التحدي الذي يواجه الإنسان في أفق انعطافة تطورية ثانية لا يتمثل في بناء أجهزة عقاب أكثر قوة فحسب. فالعقوبة تستطيع أن تغير اتجاه العدوان، وأن ترفع تكلفته، وأن تمنع ظهوره في موضع معين، لكنها لا تضمن اقتلاع فائضه من الإنسان.
وإذا كانت الحضارة الأولى قد تعلمت كيف تقول للإنسان: “لا توجه عدوانك إلى أفراد جماعتك”، فإن الخطوة التالية ينبغي أن تكون أعمق، فحواها أن يتعلم الإنسان كيف يخفض فائض العدوان نفسه، بحيث لا يحتاج باستمرار إلى «خارج» يصدر إليه ما نجح في منعه من الانفجار في “الداخل”.
وعندئذ يمكن أن نقرأ المثل «من أمِن العقوبة أساء الأدب» بطريقتين متكاملتين: فهو من جهة يفسر جانباً من نجاح المجتمع في ضبط أفراده، لكنه من جهة أخرى يكشف حدود ذلك النجاح. لأن المجتمع الذي لا يستطيع ضمان حسن السلوك إلا بحضور العقوبة ربما يكون قد نجح في ترويض السلوك، لكنه لم ينجح بعد في ترويض الإنسان.

أضف تعليق