اقتصاد الطبيعة… الحد الفاصل بين البايولوجيا والميتابايولوجيا

إذا كانت البايولوجيا والميتابايولوجيا تمثلان مستويين مختلفين ولكنهما متكاملان في تفسير الظاهرة الإنسانية، فإن المشكلة المنهجية الأكثر إلحاحاً لا تكمن في إثبات وجود هذين المستويين فحسب، وإنما في تحديد النقطة التي ينتهي عندها أحدهما ويبدأ الآخر. فما المعيار الذي يسمح لنا بالقول إن ظاهرة معينة ما تزال بايولوجية، بينما تجاوزت ظاهرة أخرى المجال الذي تكفي البايولوجيا لتفسيره؟
قد يكون أحد المفاتيح الأساسية للإجابة عن هذا السؤال كامناً في مبدأ بالغ البساطة، لكنه عميق الدلالة ألا وهو اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة، كما تكشف عنها عملية التطور، تعمل في عالم محدود الموارد. وكل كائن حي يحتاج إلى الطاقة والوقت والمواد لكي ينمو ويحافظ على نفسه ويتناسل. ومن ثم لا يمكن النظر إلى الصفات والوظائف الحيوية كما لو أنها كانت تعمل في فراغ اقتصادي؛ فلكل عضو كلفة، ولكل سلوك كلفة، ولكل استثمار في وظيفة ما ثمن يُدفع من موارد كان يمكن توجيهها إلى وظيفة أخرى. ولهذا لا تعني الكفاءة التطورية الوصول إلى الكمال، وإنما إيجاد تسويات قابلة للاستمرار بين مطالب متعارضة: النمو والتناسل، الدفاع والتغذية، الحاضر والمستقبل، عدد الذرية ومقدار الاستثمار في كل فرد منها. فهي، بهذا المعنى، طبيعة تعمل تحت ضغط “الميزانية”. ولذلك فإن «اقتصاد الطبيعة» لا ينبغي أن يُفهم بوصفه ادعاءً بأن الطبيعة لا تهدر شيئاً مطلقاً، أو أن كل سمة موجودة لا بد أن تكون مثالية ونافعة. فالتطور يحتفظ أحياناً بآثار تاريخية، وتفرض القيود البنيوية حلولاً غير مثالية، وقد تتغير البيئة فتصبح سمة كانت نافعة في الماضي أقل نفعاً أو حتى ضارة في الحاضر. كما وقد تظهر بعض الصفات كنتائج جانبية لصفات أخرى. ولكن هذه الاستثناءات لا تلغي المبدأ الأوسع: الحياة الطبيعية محكومة بقيود الموارد، ولذلك لا يمكن فهم تصميمها وأدائها من دون أخذ الكلفة والعائد والتسويات الوظيفية بنظر الاعتبار.
ومن هنا تكتسب مقارنة الإنسان بسائر العالم الحي دلالة معرفية خاصة. فالإنسان يحمل داخله تاريخاً بايولوجياً طويلاً. فالجوع والخوف والجنس والتعلق والعدوان والتنافس وحماية الذرية والسعي إلى المكانة، ليست ظواهر ظهرت معه من العدم؛ إذ أن لها جذوراً متفاوتة العمق في التاريخ التطوري، ويمكن للبايولوجيا أن تفسر جانباً مهماً منها من خلال الوظائف التي أدتها في حياة الكائنات السابقة. ولكن المشكلة تبدأ عندما لا يبقى الأداء الإنساني عند الحدود التي نتوقعها من تلك الوظائف القديمة. فالعدوان، مثلاً، مفهوم بايولوجياً حين يؤدي وظيفة الدفاع عن النفس أو الموارد أو الذرية أو المكانة. لكن الإنسان يستطيع أن يحتفظ بعداوته لعقود، وأن يورثها لأجيال لم تشهد الصراع الأصلي، وأن ينفق الموارد ويعرض نفسه وغيره للهلاك من أجل ثأر رمزي أو ذكرى أو تمثل ذهني. والتنافس على المكانة بدوره ليس غريباً عن العالم الحيواني. غير أن الإنسان يستطيع أن يحول المكانة إلى مشروع لا يعرف نقطة اكتفاء؛ فيراكم الثروة بعد أن تكون حاجاته وحاجات ذريته قد أُشبعت مرات كثيرة، ويستمر في المنافسة لا للحصول على مورد يحتاج إليه، وإنما لأن التفوق نفسه أصبح غاية مستقلة. والجنس ذو وظيفة تطورية واضحة، لكن القدرة الإنسانية على بناء عوالم هائلة من التمثلات والممارسات والرغبات حوله قد تجعل بعض تجلياته بعيدة جداً عن السياق الإنجابي الذي يمثل جذره البايولوجي القديم.
وفي هذه الأمثلة كلها تظهر ملاحظة واحدة متكررة تتمثل في أن الأصل بايولوجي، لكن التجلي قد يتجاوز الحدود التي يبدو أن ذلك الأصل وحده قادر على تفسيرها.
وهنا تبدأ القيمة المنهجية لاقتصاد الطبيعة. فالسؤال لا يعود: هل لهذا السلوك أصل تطوري؟ لأن العثور على أصل تطوري لا يكفي وحده لتفسير صورته الإنسانية الراهنة، وإنما ينبغي أن نسأل أيضاً: هل حجم الأداء وشدته واستمراره وكلفته ما تزال قابلة للتفسير ضمن الاقتصاد الذي كان يحكم الوظيفة الأصلية؟
إن معرفة أصل النهر لا تعني أننا فسّرنا كل ما يحدث في مجراه اللاحق. وهذا التمييز مهم للغاية بالنسبة إلى الميتابايولوجيا؛ لأنها لا تحتاج إلى إنكار الجذور البايولوجية للظواهر التي تدرسها. بل إن وجود هذه الجذور قد يكون جزءاً أساسياً من تفسيرها. فما تسعى الميتابايولوجيا لتفسيره هو الكيفية التي تحولت بها آلية قديمة إلى أداء جديد تجاوز نطاقها التطوري الأول.
وبذلك يمكن النظر إلى الميتابايولوجي بوصفه، في حالات كثيرة، فائضاً في أداء البايولوجي. والفائض هنا هو ليس مجرد زيادة كمية، فالزيادة في ذاتها قد تكون بايولوجية تماماً. فالحيوان قد يأكل أكثر حين تتوافر الموارد، وقد يصبح أشد عدواناً تحت ظروف معينة، وقد يضاعف استثماره في التناسل إذا تغيرت البيئة. فالفائض المقصود هو أعمق من ذلك؛ إذ أنه الحالة التي يبدو فيها الأداء وكأنه اكتسب ديناميته الخاصة، بحيث لم تعد وظيفته البايولوجية الأصلية كافية لتفسير اتجاهه أو مداه أو استمراره.
وهنا تظهر قيمة ودلالة ما يمكن تسميته بـ فائض التمثل. فالإنسان لا يستجيب إلى العالم الخارجي وحده، وإنما يستطيع أن يستجيب إلى تمثلاته عن العالم. ولا يحتاج موضوع استجابته إلى أن يكون موجوداً أمامه؛ فقد يغضب بسبب حدث وقع منذ ثلاثين عاماً، ويخاف من حدث يتصور أنه سيقع بعد عشرين عاماً، ويكره إنساناً لم يلتق به قط بسبب انتماء رمزي، ويسعى إلى ثروة لن يستطيع استهلاكها طوال حياته، ويضحي بنفسه من أجل فكرة مجردة.
وهذه القدرة على التمثل قد تسمح للدوافع البايولوجية القديمة بأن تعمل في فضاء لم تكن تعمل فيه من قبل. فالعدوان لم يعد يحتاج دائماً إلى خصم حاضر، والخوف لم يعد يحتاج إلى خطر حاضر، والتنافس لم يعد يحتاج إلى مورد مباشر، والرغبة لم تعد تحتاج إلى موضوع طبيعي قائم أمام الإنسان. فلقد أصبح التمثل نفسه قادراً على تشغيل الآلة البايولوجية.
ومن هنا يمكن أن نفهم كيف يمكن للظاهرة أن تكون بايولوجية في أدواتها، ميتابايولوجية في ديناميتها. فالجهاز العصبي بايولوجي، والهرمونات بايولوجية، ومنظومات المكافأة بايولوجية، والدوافع الأساسية ذات جذور بايولوجية؛ ولكن الطريقة التي يعاد بها تشغيل هذه المنظومات وتوسيع مجالها قد تنتج أداءً لا يمكن فهمه بمجرد العودة إلى وظيفتها التطورية القديمة. وهذا هو الموضع الذي يصبح فيه اقتصاد الطبيعة أداة للكشف، وليس حكماً نهائياً. فحين نجد سلوكاً بالغ الكلفة أو متضخماً أو مستمراً بعد زوال المناسبة التي يُفترض أنها استدعته، ينبغي ألا نسارع إلى وصفه بالميتابايولوجي. بل ينبغي أولاً أن نسأل عن الاحتمالات البايولوجية المعروفة: هل هو أثر لتكيف قديم في بيئة جديدة؟ وهل يمثل تسوية تطورية؟ وهل توجد منفعة غير مباشرة؟ وهل هو نتيجة جانبية لآلية أخرى؟ وهل هناك قيود تاريخية أو نمائية تفسره؟
فإذا استطاعت هذه التفسيرات استيعاب الظاهرة، بقيت داخل البايولوجيا. أما إذا استُنفدت هذه الاحتمالات، وظل لدينا نمط منهجي من التضخم لا يفسره الاقتصاد البايولوجي المفترض، فإن السؤال الميتابايولوجي يصبح مشروعاً: ما الذي أضيف إلى النظام القديم حتى أصبح قادراً على إنتاج هذا الفائض؟
وهنا يتغير اتجاه البحث كله. فبدلاً من أن نسأل عن أصل العدوان فحسب، نسأل عن أصل فائض العدوان. وبدلاً من أن نسأل عن أصل الجنس فحسب، نسأل عن الشروط التي أنتجت فائض الجنس. وبدلاً من أن نسأل عن قدرة الكائن على تمثل بيئته، نسأل عن النقطة التي أصبح عندها التمثل نفسه عالماً موازياً يستطيع أن يستحوذ على الأداء ويوجهه، فنكون أمام فائض التمثل.
إن مفهوم الفائض بهذا المعنى قد يكون الجسر الحقيقي بين البايولوجيا والميتابايولوجيا. فالبايولوجيا تفسر الأصل، والميتابايولوجيا تبحث في التحول الذي أصاب ذلك الأصل. والبايولوجيا تفسر الآلة القديمة، بينما تبحث الميتابايولوجيا في الكيفية التي أصبح بها تشغيل تلك الآلة يتجاوز مجالها الأول.
وهكذا لا يكون الحد بين المجالين خطاً يفصل نوعين مستقلين من الظواهر، بل منطقة انتقال: تبدأ الظاهرة بايولوجية، ثم تتضخم أو يعاد توظيفها أو تدخل في فضاء التمثل، فتكتسب خصائص جديدة تستدعي مستوى تفسيرياً إضافياً. وهذه الصورة هي أكثر اتساقاً من افتراض وجود «إنسان بايولوجي» انتهى في لحظة معينة ليظهر مكانه «إنسان ميتابايولوجي». فالإنسان الراهن يحمل المستويين معاً. إنه يأكل ويتنفس ويتناسل ويخاف ويتعلق ويتنافس بوصفه كائناً حياً له تاريخ تطوري، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يجعل من بعض هذه الوظائف منطلقاً لأداء يتجاوز الحدود التي نراها في اقتصاد الطبيعة السابق عليه.
ومن هنا فإن اقتصاد الطبيعة لا يمثل مجرد مبدأ فرعي في الميتابايولوجيا، وإنما يمكن أن يؤدي دوراً منهجياً تأسيسياً فيها. فهو يوفر لنا “خط أساس” بايولوجياً نقارن به الظاهرة الإنسانية، ثم نبحث عن مواضع الانحراف المنهجي عنه. ولكن قوة هذا المعيار تعتمد تحديداً على عدم تحويله إلى عقيدة. فإذا افترضنا مسبقاً أن كل ما يبدو هدراً لا يمكن أن يكون بايولوجياً، سنقع في الخطأ نفسه الذي نريد تجاوزه! أما إذا تعاملنا معه بوصفه سؤالاً اختبارياً (ماذا كانت الوظيفة؟ وما كلفتها؟ وما منفعتها؟ وما القيود التي تحكمها؟ وهل تستطيع هذه العناصر مجتمعة تفسير التجلي الإنساني؟) فإنه يصبح أداة معرفية بالغة القوة.
وعندئذ يمكن إعادة صياغة العلاقة بين البايولوجيا والميتابايولوجيا كلها في عبارة واحدة: حيث يكفي اقتصاد الطبيعة لتفسير الظاهرة، تكون الأولوية للبايولوجيا؛ وحيث يُستنفد هذا التفسير ويبقى الفائض قائماً، يبدأ السؤال الميتابايولوجي.
ولا يعني ذلك أن الميتابايولوجيا تبدأ حيث تنتهي الطبيعة، فالإنسان لم يغادر الطبيعة، ولا أن الميتابايولوجي نقيض للبايولوجي. بل لعل الحقيقة الأكثر دلالة معرفية هي العكس تماماً: الميتابايولوجيا تبدأ من داخل البايولوجيا نفسها، عندما تنتج الآليات القديمة، بعد تحول ما، أنماطاً من الأداء لم تعد القوانين التي فسرت نشأتها الأولى كافية لتفسير صورتها الجديدة.
وهكذا يصبح التكامل بين العلمين ضرورياً لفهم الإنسان. فمن دون البايولوجيا لن نعرف المادة التي بدأ الإنسان منها رحلته التطورية، ومن دون الميتابايولوجيا لن نفهم ما حدث لتلك المادة حين أصبحت إنساناً.

أضف تعليق