
يست المشكلة الكبرى في تفسير النص القرآني دائماً أن الآية غامضة، ولا أن اللغة عاجزة عن الدلالة على معناها، وإنما قد تكمن المشكلة في الإنسان الذي يتقدم إلى النص محمّلاً بما هو أكثر بكثير مما يقوله النص نفسه. فبين الآية والقارئ تقف طبقات متراكمة من التصورات المسبقة، والصور الذهنية، والموروثات الثقافية، والتوقعات الأخلاقية، والمذاهب الكلامية، والحاجات النفسية، والمفاهيم التي تشكلت في عصور لاحقة. وحين يبدأ التفسير، قد لا يعود من السهل التمييز بين ما جاء من النص وما جاء به الإنسان إلى النص.
ومن هنا يمكن اقتراح واحد من أهم الضوابط المعرفية التي ينبغي التقيد بها عند التصدي للمهمة التي قد تكون من أعسر المهمات المعرفية: محاولة صياغة التفسير الأكثر اقتراباً من المعنى الذي تنطوي عليه الآية القرآنية نفسها. ويتمثل هذا الضابط في قاعدة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها قد تكون بعيدة الأثر. فكلما تعددت التفسيرات الممكنة كان علينا أن نبحث قدر المستطاع، عن التفسير الأقل اعتماداً على فائض التمثّل.
ولا تعني هذه القاعدة أن الإنسان يستطيع أن يقرأ النص من دون تمثّل على الإطلاق؛ فهذا أمر يكاد يكون مستحيلاً. فنحن لا نفهم الكلمات إلا من خلال معانٍ متمثلة في أذهاننا، ولا نستطيع قراءة جملة من دون أن تتكون لدينا صورة ما عما تشير إليه. إذاً، المقصود هو ليس إلغاء التمثّل الضروري للفهم، وإنما مقاومة فائض التمثّل: أي ذلك القدر الزائد الذي يضيفه العقل إلى النص من عنده، ثم ينسى أنه أضافه، فيعود ليتعامل معه كما لو كان جزءاً من النص ذاته! وهذا التمييز بالغ الدلالة. فثمة فرق بين أن نفهم ما تقوله الآية، وبين أن نبني حول ما تقوله الآية عالماً كاملاً من التفاصيل والتصورات والافتراضات، ثم ننسب ذلك العالم كله إليها. وقد تبدأ الإضافة صغيرة: افتراض دافع لم يذكره النص، أو تخيل مشهد لم يصفه، أو تحديد هيئة لم يحددها، أو نسبة مقصد إلى شخصية لم يصرح به. ثم تتراكم هذه الإضافات جيلاً بعد جيل حتى يصبح من العسير على القارئ اللاحق أن يرى النص من دونها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الكبرى في تاريخ التفسير، فقد يكون التفسير الأكثر شهرة أو الأكثر تفصيلاً أبعد عن النص، من حيث المبدأ المعرفي، من تفسير أكثر اقتصاداً وأقل امتلاءً بالصور. فكثرة التفاصيل لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة. وقد يحدث العكس تماماً؛ إذ يمكن أن تكون التفاصيل الكثيرة مؤشراً إلى مقدار ما اضطر المفسر إلى إضافته لكي يجعل النص منسجماً مع التمثّل الذي سبق أن كوّنه عنه!
ولعل التحول المنهجي الأهم يبدأ بتغيير السؤال نفسه. فعوضاً عن أن نسأل فقط: ما الذي يمكن أن تعنيه هذه الآية؟ ينبغي أن نسأل أيضاً: ما أقل مقدار من الافتراضات الخارجية الذي نحتاج إليه لكي نفهمها؟ فالسؤال الأول يفتح باب الاحتمالات، أما الثاني فيضع عليها قيداً معرفياً. حيث أن العقل البشري قادر بصورة مذهلة على إنتاج القصص والتفسيرات والروابط. وإذا تُرك من دون ضابط، أمكنه أن يجعل النص يحتمل منظومات كاملة من المعاني، لأن فائض التمثّل قادر دائماً على ملء الفراغات. وكلما سكت النص عن تفصيل، تدخل العقل ليضعه؛ وكلما ترك علاقة غير محددة، أنشأ لها سبباً؛ وكلما ورد تعبير موجز، نسج حوله مشهداً كاملاً. ولكن ماذا لو كان سكوت النص عن بعض التفاصيل مقصوداً؟ وماذا لو كان جزء من التدبر يتمثل تحديداً في احترام هذا السكوت؟ عندئذ يصبح الامتناع عن الإضافة عملاً معرفياً، لا نقصاً في التفسير.
فإذا لم يذكر النص سبباً، لا ينبغي أن نمنحه سبباً ثم نبني عليه حكماً. وإذا لم يحدد هيئة، فلا ينبغي أن نختار هيئة من خيالنا ثم نجعلها جزءاً من دلالة الآية. وإذا لم ينسب إلى شخصية قصداً معيناً، ينبغي أن نبقي هذا القصد في دائرة المجهول ما لم يدل عليه السياق. وبذلك يتحول التفسير من ممارسة هدفها ملء فراغات متخيلة في النص إلى ممارسة هدفها حماية النص من فراغاتنا نحن!
ويمكن تسمية هذا المبدأ بـ “اقتصاد التفسير”. وهو قريب، من حيث منطقه، من مبدأ الاقتصاد المعرفي المعروف في مجالات أخرى: لا نفترض ما لا نحتاج إلى افتراضه، ولا نضاعف الكيانات التفسيرية من دون ضرورة. ولكن اقتصاد التفسير في التعامل مع القرآن العظيم يكتسب دلالة إضافية؛ لأننا لا نتعامل مع نص بشري يمكن للقارئ أن يتوسع في إعادة بنائه كيفما شاء، وإنما مع نص يُفترض، في المنظور الإيماني، أن ألفاظه واختياراته وسكوته وتفاصيله محسوبة. ومن ثم فإن إضافة شيء إليه ليست دائماً إغناءً لمعناه؛ فقد تكون، على العكس، حجاباً يحول بيننا وبينه.
وبهذا المعنى، قد يكون التفسير الأفضل أحياناً هو التفسير الذي يقول أقل! ليس لأنه يعرف أقل، وإنما لأنه يدّعي أقل. فالمفسر الأكثر انضباطاً ليس بالضرورة من يستطيع أن يقدم جواباً عن كل سؤال، بل قد يكون من يعرف متى يقول: لا يخبرنا النص بذلك. وهذه العبارة، التي قد تبدو للبعض اعترافاً بالعجز، يمكن أن تكون في الحقيقة واحدة من أكثر العبارات أمانة في عملية التفسير.
وتكمن خطورة فائض التمثّل في أنه لا يكتفي بتفسير النص القرآني، بل يستطيع بمرور الزمن، أن يصنع إلى جواره نصاً موازياً غير مكتوب. وهذا النص الموازي يتكون من الصور التي اعتاد الناس ربطها بالآيات، ومن القصص التي أضيفت إليها، ومن التفاصيل التي تكررت في كتب التفسير والوعظ والأدب والفن، حتى أصبحت حاضرة في الذهن بمجرد قراءة الآية. وعندئذ لا يقرأ الإنسان الكلمات التي أمامه وحدها، بل يقرأ معها كل ما تراكم حولها! وقد يصل الأمر إلى حد أن تصبح العودة إلى المعنى الأبسط الذي تسمح به ألفاظ الآية غريبة في نظر القارئ، بينما يبدو التفسير المثقل بالافتراضات مألوفاً وبديهياً. وليس ذلك بالضرورة لأن الثاني أقرب إلى النص، وإنما لأنه أقرب إلى التمثّل الموروث للنص. وهذه نقطة تستحق قدراً كبيراً من الحذر: فالمألوف ليس مرادفاً للصحيح، كما أن غرابة تفسير جديد لا تشكل بذاتها دليلاً على خطئه. والسؤال الذي ينبغي أن يظل حاكماً هو: أي التفسيرين يحتاج إلى افتراضات أقل لا يقول بها النص ولا يقتضيها السياق؟
ولكن، ماذا بخصوص التدبر؟ فنحن غالباً ما نتصور التدبر باعتباره عملية إضافة: نقرأ الآية ثم نستخرج منها المزيد والمزيد من المعاني. غير أن التدبر قد يحتاج، في بعض الأحيان، إلى أن يكون عملية معاكسة تماماً؛ أي عملية إزالة. فنزيل أولاً ما نعرف أنه جاء من خارج النص القرآني، ونزيل الصورة التي ألفناها إذا لم تكن الآية قد رسمتها، ونزيل القصة التي اعتدنا سماعها إذا لم يكن السياق يحتاج إليها، ونزيل الحكم المسبق الذي يجعلنا نتوقع من الآية أن تقول شيئاً بعينه، ونزيل الحاجة النفسية إلى أن يكون معناها موافقاً لما نحب أن يكون عليه. ثم نسأل، بعد هذا كله: ماذا بقي؟ فلعل ما يبقى بعد هذه العملية أقرب إلى النص مما بدأنا به. وهذا لا يعني أن الموروث التفسيري ينبغي رفضه أو أن المفسرين السابقين لم يقدموا معرفة عظيمة في اللغة والسياق والتاريخ وأسباب النزول والقراءات وغيرها. وإنما يعني أن الموروث نفسه ينبغي ألا يتحول إلى طبقة يستحيل معها رؤية النص إلا من خلاله. فالتراث أداة للفهم حين يساعدنا على الاقتراب من النص، لكنه يتحول إلى فائض تمثّل حين يصبح ما قاله المفسر جزءاً لا يمكن فصله في وعينا عما قالته الآية.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من تحويل هذا الضابط المعرفي نفسه إلى يقين جديد. فاختيار التفسير الأقل اعتماداً على فائض التمثّل لا يعني أننا حصلنا بالضرورة على المعنى النهائي والقطعي للآية؛ إذ أنه ضابط للترجيح، لا آلة لإنتاج اليقين. فقد يبقى أمامنا أكثر من تفسير مقتصد، وقد تحتمل اللغة أكثر من دلالة، وقد تظل بعض الآيات مفتوحة على مستويات مختلفة من المعنى. ولكن فائدة هذا الضابط التفسيري أنه يساعدنا على استبعاد أو إضعاف التفسيرات التي لا تستطيع الوقوف إلا إذا حملنا النص بعدد كبير من الافتراضات الخارجية.
ومن هنا ينبغي أن تتناسب درجة ثقتنا بالتفسير مع مقدار ما يحتاج إليه من إضافات. فكلما ازداد عدد الافتراضات غير المنصوص عليها التي يتوقف عليها تفسير معين، ازدادت الحاجة إلى الحذر منه. وكلما استطاع تفسير أن يفسر الآية اعتماداً على ألفاظها وسياقها وبنيتها وعلاقاتها بالآيات الأخرى، من دون إنشاء عالم تخيلي واسع حولها، أصبح أكثر أهلية لأن يؤخذ على محمل الجد.
إن الدعوة القرآنية إلى التدبر يمكن، من هذا المنظور، أن تحمل بعداً معرفياً شديد العمق. فالتدبر ليس مجرد إمعان النظر في النص، وإنما قد يقتضي أيضاً إمعان النظر في العقل الذي يقرأ النص، وذلك بطرح الأسئلة التالية: ما الذي جاء به النص، وما الذي جئتُ به أنا؟ وأين تنتهي دلالة الكلمة، وأين تبدأ الصورة التي صنعتها عنها؟ وهل هذا التفصيل موجود في الآية حقاً، أم أنني لا أستطيع تصور الآية من دونه لأنني ورثته منذ طفولتي؟ وهل السياق يقتضي هذا المعنى، أم أن منظومتي الفكرية هي التي تقتضيه؟ وبهذا يصبح المفسر مطالباً بمراقبة نفسه بالقدر الذي يراقب به النص. ففائض التمثّل لا يعمل أمام الوعي دائماً؛ بل تكمن قوته تحديداً في أنه يجعل إضافاتنا تبدو لنا وكأنها أشياء وجدناها في العالم أو في النص، لا أشياء أسهمنا نحن في صناعتها!
وفي ضوء ذلك كله، يمكن صياغة الضابط التفسيري المقترح على النحو الآتي: حين تتعدد التفسيرات الممكنة لآية قرآنية، ينبغي إعطاء أولوية معرفية للتفسير الذي يستطيع تفسير أكبر قدر من عناصر النص بأقل قدر من الافتراضات والتمثلات التي لم يصرح بها النص ولم يقتضها سياقه. وهذه الأولوية ليست حكماً آلياً بصحة ذلك التفسير، وإنما قرينة معرفية لصالحه. فالغاية ليست الوصول إلى تفسير خالٍ تماماً من التمثّل؛ لأن ذلك قد يكون مستحيلاً بالنسبة إلى كائن يفكر من خلال التمثلات أصلاً. وإنما الغاية هي الوصول إلى الحد الأدنى الضروري من التمثّل، ومنع فائضه من الاستيلاء على النص.
وربما تكمن هنا مفارقة جميلة: فالاقتراب من معنى القرآن قد لا يحتاج دائماً إلى أن نضيف معرفة جديدة إلى ما بين أيدينا، بل قد يحتاج أحياناً إلى أن نتخلى عن شيء مما نظن أننا نعرفه. فقد يكون بعض ما يحجب النص عنا ليس الجهل به، وإنما كثرة ما “افترضناه” بشأنه. وعندئذ تصبح واحدة من أعسر مهام التدبر وأعمقها أن نعيد الآية، قدر استطاعتنا، إلى اللحظة التي تسبق استيلاء فائض التمثّل على تصورنا لها؛ فنترك النص يقول ما يقوله، لا ما اعتدنا أن نسمعه يقول. وربما لا يضمن لنا ذلك أن نبلغ مراد النص الإلهي كاملاً، لكنه يمنحنا شيئاً أكثر تواضعاً، وأكثر دلالة من الناحية المعرفية وذلك بأن نقلل، قدر الإمكان، المسافة التي صنعتها تمثلاتنا بيننا وبين النص.
