
من أكثر أبيات الشعر العربي إثارة للتأمل في الطبيعة الإنسانية قول المتنبي:
والظلمُ من شِيَمِ النفوسِ فإن تجدْ
ذا عِفّةٍ فلعلّةٍ لا يَظلمُ
وقد يبدو البيت، للوهلة الأولى، تعبيراً متشائماً عن الإنسان؛ إذ يجعل الظلم من شيم النفوس، ثم لا يفسر امتناع بعض الناس عنه بانتفاء الاستعداد إليه، وإنما بوجود «علّة» تحول بينهم وبينه. فالإنسان العفيف عن الظلم، وفق هذا التصور، ليس بالضرورة إنساناً خلت نفسه من إمكان الظلم، وإنما قد يكون إنساناً قام بينه وبين هذا الإمكان مانع ما. غير أن البيت يكتسب دلالة مختلفة إذا قرأناه في ضوء التحول الذي طرأ على الكائن البشري، وما نتج عنه من ظهور الفوائض الثلاثة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. فعندئذ لا يعود قول المتنبي مجرد ملاحظة شعرية متشائمة، وإنما يصبح تذكيراً مكثفاً بحقيقة أكثر تعقيداً مفادها أن الإنسان يحمل في تكوينه استعدادات تجاوزت الوظائف الطبيعية التي كانت تضبطها في العالم البايولوجي، وأن الظلم قد يكون واحداً من أهم الميادين التي تتجلى فيها نتائج هذا التجاوز.
ليس من الضروري أن نفترض وجود «غريزة للظلم» لكي نفسر شيوع الظلم في التاريخ الإنساني. فالظلم قد لا يكون دافعاً أولياً قائماً بذاته، بقدر ما يكون نتيجة ممكنة لاجتماع دوافع وقدرات تجاوزت حدودها الأصلية. فالحيوان قد يهاجم، ويقتل، ويتنافس على الغذاء، ويدافع عن منطقته، ويتصارع على التزاوج، لكنه لا يحتاج إلى أن يبني منظومة فكرية كاملة لتبرير عدوانه، ولا إلى أن يحول خصمه إلى كائن أدنى منزلة لكي يسمح لنفسه بالقضاء عليه، ولا إلى أن يورث أبناءه كراهية جماعة لم يلتقوا أفرادها قط. فهنا تبدأ خصوصية الإنسان. فالإنسان لم يرث العدوان وحده، وإنما أصبح قادراً على تمثّل العالم والآخرين ونفسه تمثلاً يتجاوز الحاضر المباشر. ولم يعد الجنس لديه محصوراً تماماً في الوظيفة الإنجابية، كما لم يعد العدوان مقيداً بالمواقف التي منحته فيها الطبيعة وظيفة واضحة. وهكذا لم تعد هذه القوى تعمل داخل الحدود القديمة نفسها، وإنما أصبحت قابلة للتوسع وإعادة التوجيه والتراكم. ومن هذه النقطة يمكن فهم الظلم بوصفه أحد النواتج الكبرى للفوائض الثلاثة.
ولعل الصلة بين الظلم وفائض العدوان هي الأكثر وضوحاً. فالعدوان في العالم الحيواني يؤدي وظائف يمكن فهمها تطورياً كالدفاع عن النفس، وحماية الصغار، والتنافس على الموارد، والدفاع عن المجال، والصراع على فرص التزاوج. وليس معنى ذلك أن عالم الحيوان مسالم، وإنما أن العدوان فيه يظل، في الغالب، مربوطاً بظروف ووظائف محددة. أما الإنسان فقد امتلك قدرة على العدوان تتجاوز الحاجة المباشرة إليه؛ فهو يستطيع أن يؤذي مَن لا يشكل خطراً عليه، وأن ينتقم بعد سنوات، وأن يعاقب ذرية خصمه، وأن يعذب من أصبح عاجزاً عن مقاومته، وأن يواصل الحرب بعد زوال السبب الذي أشعلها، وأن يجعل إيلام الآخر غاية مستقلة بعدما كان العدوان وسيلة لتحقيق غاية أخرى. وهنا يتحول العدوان من وظيفة إلى فائض.
والظلم هو أحد المساحات التي يجد فيها هذا الفائض طريقه إلى التصريف. فحين يمتلك الإنسان القدرة على إيقاع الأذى، ولا توجد قوة داخلية أو خارجية كافية لضبطها، يصبح الانتقال من القدرة على الظلم إلى ممارسته احتمالاً قائماً باستمرار.
وقد يبدو إدخال فائض الجنس في تفسير الظلم أقل وضوحاً، لكنه لا يقل عنه قوة وتأثيراً. فحين تجاوز الجنس وظيفته الإنجابية المباشرة، أصبح قادراً على إنتاج شبكة واسعة من الرغبات والغيرة والتملك والمنافسة والاستحواذ. ولم يعد الآخر مجرد شريك في وظيفة بايولوجية، وإنما أصبح موضوعاً للرغبة والامتلاك والمقارنة والحرمان.
ومن هنا نشأت مساحات واسعة يستطيع الظلم أن يتسلل إليها: الإكراه، والاستغلال، والغيرة المدمرة، واعتبار الآخر ملكاً، والصراع عليه، والانتقام منه عند الرفض، وتحويل القوة الجنسية والاجتماعية إلى وسيلة للهيمنة. ولا يعني ذلك بالطبع أن الجنس ينتج الظلم بالضرورة، مثلما لا ينتج العدوان الظلم بالضرورة، وإنما يعني أن تحرر الدافع من الحدود الوظيفية التي كانت تنظمه يوسع إمكان إساءة استخدامه. فالظلم لا يحتاج دائماً إلى الكراهية. فقد يبدأ أحياناً من الرغبة: أريد شيئاً يملكه غيري، أو أريد شخصاً لا يريدني، أو أريد أن أحتفظ بمن يريد الرحيل. وفي اللحظة التي تصبح فيها رغبتي أهم في نظري من حق الآخر، تكون إحدى البوابات الأساسية للظلم قد فُتحت.
غير أن فائض التمثّل قد يكون أخطر الفوائض الثلاثة في علاقته بالظلم؛ لأنه لا يمنح الإنسان دافعاً إلى الظلم فحسب، ولكنه يمنحه أيضاً شيئاً أشد خطورة، ألا وهو القدرة على أن يظلم وهو مقتنع بأنه عادل! فالإنسان يستطيع أن يصنع تمثلاً للآخر يجرده من قيمته. ويستطيع أن يراه عدواً، أو خائناً، أو نجساً، أو متوحشاً، أو أدنى مرتبة، أو خطراً على الأمة أو العقيدة أو الحضارة. وحين ينجح في بناء هذا التمثّل، يصبح ما كان سيبدو ظلماً في الظروف العادية عملاً مشروعاً، وربما فضيلة!
وهذه إحدى أكثر خصائص الظلم الإنساني إثارة للقلق. فالحيوان لا يحتاج إلى كتابة فلسفة تبرر افتراسه، أما الإنسان فيستطيع أن يبني فلسفات وأيديولوجيات وقوانين وأساطير كاملة تجعل الاعتداء على الآخرين واجباً أخلاقياً.
وهكذا يعمل فائض التمثّل أحياناً بوصفه الجهاز الذي يمنح فائض العدوان وفائض الجنس المشروعية التي يحتاجان إليها.
فالعدوان يقول: أريد أن أؤذيه. والرغبة تقول: أريد أن أستحوذ عليه أو على ما لديه. أما التمثّل فيستطيع أن يقول: ومن حقي أن أفعل ذلك. وهنا يبلغ الظلم الإنساني صورته الأكثر اكتمالاً.
ومن هذه الزاوية يصبح الشطر الثاني من بيت المتنبي أكثر قدرة على تحدي القوالب التفسيرية الجاهزة من الشطر الأول: “فإن تجد ذا عفة فلعلّة لا يظلم”. فالعلّة هنا تفتح سؤالاً بالغ العمق: ما الذي يمنع الإنسان من الظلم؟ فقد تكون العلّة قانوناً يخشى عقوبته، وقد تكون ديناً يعتقد أن الله سيحاسبه، وقد تكون أخلاقاً تربى عليها، وقد تكون سمعة يخشى فقدانها، أو تعاطفاً يجعله يشعر بألم الآخر، أو ضميراً يمنعه، أو ضعفاً يجعله عاجزاً عن ممارسة ما يريد، أو توازناً في القوى يجعل تكلفة الاعتداء أعلى من فائدته. وتختلف هذه العلل في قيمتها الأخلاقية اختلافاً كبيراً، لكنها تشترك في وظيفة واحدة: أنها تقف بين الاستعداد والفعل.
وهنا يلتقي بيت المتنبي مع المثل القائل: «من أمِن العقوبة أساء الأدب». فكلاهما يلفت النظر، من زاوية مختلفة، إلى أن السلوك المنضبط لا يثبت بالضرورة غياب القدرة أو الميل إلى التجاوز. فقد يكون النظام الاجتماعي نفسه، والقانون، والدين، والأخلاق، والحياء، والسمعة، وتوازن القوى، قد أقامت جميعاً شبكة من الموانع تحول دون انتقال الإمكان إلى الفعل.
وربما أمكن، على هذا الأساس، إعادة النظر في جانب مهم من معنى الحضارة نفسها. فالحضارة ليست ما بناه الإنسان من مدن وطرق وجامعات ومختبرات وفنون وتقنيات فحسب، وإنما هي أيضاً المجموعة الهائلة من «العلل» التي ابتكرها لكي يمنع الإنسان من إطلاق فوائضه بلا حدود. فالقانون علّة. والعقوبة علّة. والحياء علّة. و”الضمير” علّة. والدين علّة. والسمعة علّة. والتربية علّة. والرقابة الاجتماعية علّة. وحقوق الآخرين علّة. وفصل السلطات وتقييد القوة علّة. وليست قيمة هذه المؤسسات والمفاهيم في أنها أزالت من الإنسان القدرة على الظلم، وإنما في أنها جعلت ممارسة الظلم أصعب وأكثر كلفة، وأقامت بين الرغبة والفعل سلسلة من الحواجز.
ولذلك تصبح هشاشة الحضارة أكثر وضوحاً حين تضعف هذه الحواجز. ففي الحروب والفوضى وانهيار الدول وسقوط القانون، لا يولد بالضرورة إنسان جديد لم يكن موجوداً من قبل، وإنما قد تسقط بعض «العلل» التي كانت تمنع الإنسان القديم من إظهار ما يستطيع فعله.
ولهذا ربما لا يكون أفضل اختبار لعدالة الإنسان هو سلوكه حين يكون ضعيفاً، وإنما سلوكه حين يصبح قوياً! فالضعيف قد لا يظلم لأنه لا يستطيع، والمحتاج قد يحترم حقوق الآخرين لأنه يخشى أن يفقد حاجته إليهم، والمحكوم قد يبدو شديد الإيمان بالقانون لأنه لا يمتلك القدرة على تجاوزه. لكن ماذا يحدث حين تزول هذه القيود؟ وماذا يفعل الإنسان حين يمتلك القوة ولا يخشى العقوبة؟ وماذا يفعل حين يستطيع الانتقام ولا يستطيع أحد منعه؟ وماذا يفعل حين يستطيع الاستحواذ على حق غيره ثم يجد من الأفكار ما يكفي لإقناع نفسه بأن هذا الحق كان له منذ البداية؟ هنا يصبح الامتناع عن الظلم أكثر دلالة؛ لأنه لم يعد عجزاً عن الفعل، وإنما أصبح قدرة على الفعل يقابلها اختيار بعدم ممارسته. وربما كانت هذه واحدة من أعلى صور الارتقاء الأخلاقي التي يستطيع الإنسان بلوغها والتي تتمثل في ألا يكون عادلاً لأنه عاجز عن الظلم، بل أن يمتلك أدوات الظلم وأسبابه ومغرياته، ثم يرفض استخدامَها.
ومن هنا يمكن قراءة “والظلم من شيم النفوس” لا باعتباره حكماً نهائياً يدين الإنسان، ولا دعوة إلى اليأس من إمكان إصلاحه، وإنما بوصفه تذكاراً؛ تذكاراً بما حدث لهذا الكائن حين تجاوزت بعض قدراته الحدود التي كانت تضبطها. وتذكاراً بأن فائض العدوان لم يختفِ حين بنينا المدن، وأن فائض الجنس لم ينتهِ حين وضعنا القوانين، وأن فائض التمثّل لم يصبح أكثر أماناً لمجرد أننا أنشأنا الجامعات وراكمنا المعرفة. بل لعل الحضارة نفسها لم تكن ممكنة إلا لأنها أدركت، بطريقة أو بأخرى، ضرورة بناء منظومات كاملة لإدارة هذه الفوائض وكبح نتائجها. فالظلم ليس قدراً محتوماً، ولكنه إمكان دائم. والفارق بين الإمكان والوقوع هو تلك المسافة التي صنعت فيها البشرية القانون والأخلاق والحياء والضمير والتربية والمؤسسات. ولذلك قد تكون القراءة الأكثر عمقاً لبيت المتنبي هي ليست أن الإنسان ظالم بالضرورة، وإنما أن الإنسان قابل لاقتراف الظلم على نحو يستدعي يقظة دائمة. فالارتقاء الإنساني لا يبدأ بإنكار الفوائض التي يحملها الإنسان في داخله، بل بالاعتراف بها. ولا تتحقق العدالة بالافتراض المطمئن أن الإنسان خير بطبيعته ولن يظلم، وإنما ببناء الإنسان والمجتمع على أساس معرفة أكثر حذراً: أن القدرة على الظلم موجودة، وأن التمثّل يستطيع تبريرها، والعدوان يستطيع تنفيذها، والرغبة تستطيع استدعاءها. وعندئذ يصبح العدل أكثر من مجرد فضيلة أخلاقية. إنه الانتصار المتجدد للإنسان على الفوائض التي يحملها في داخله.
