هل يمكن أن يصبح الإنسان مشروعًا مفتوحًا للتحديث؟

اعتاد الإنسان أن ينظر إلى نموه بوصفه عملية لها، بصورة أو بأخرى، نقطة وصول. فالطفل يتعلم لكي يصبح بالغاً، والطالب يدرس لكي يتخرج، والمتدرب يكتسب الخبرة لكي يصبح متخصصاً، ثم تبدأ مرحلة طويلة يفترض الانسان فيها أن ما اكتسبه من معرفة وخبرة أصبح كافياً لكي يقوده في الحياة. وقد يواصل الإنسان القراءة والتعلم بعد ذلك، لكنه يظل في الغالب ينظر إلى شخصيته الأساسية، وطريقة تفكيره، ومنظومة قناعاته، كما لو أنها بلغت قدراً من الاكتمال يجعل ما يأتي لاحقاً إضافات إليها أكثر منه إعادة بناء لها.
غير أن الانعطافة التطورية الثانية قد تضع هذا التصور نفسه موضع المراجعة. فماذا لو لم يعد الإنسان مضطراً إلى النظر إلى ذاته بوصفها منتجاً قد اكتمل، وإنما بوصفها مشروعاً مفتوحاً للتحديث؟ وماذا لو أصبح من الممكن أن تكون مراجعة طريقة التفكير، وتصحيح الانحيازات، وإعادة تنظيم المعرفة، والتخلي عن القناعات التي لم تعد تصمد أمام البرهان، عمليات تستمر طوال الحياة؟
فالتحديث هنا لا يعني أن يتحول الإنسان إلى آلة، ولا أن تصبح شخصيته شبيهة ببرنامج حاسوبي يجري استبدال نسخة منه بأخرى. فالفارق بين الإنسان والآلة يظل جوهرياً. وإنما نستعير مفهوم “التحديث” للدلالة على إمكانية لم تكن متاحة بالدرجة نفسها من قبل: أن يستطيع الإنسان أن يتعامل مع بنيته المعرفية باعتبارها قابلة للمراجعة المستمرة، بدلاً من أن يتعامل معها باعتبارها هوية ينبغي الدفاع عنها. فالإنسان لا يحمل أفكاراً فحسب؛ إنه كثيراً ما يحول أفكاره إلى جزء من تعريفه لنفسه. وما إن تصبح القناعة جزءاً من الهوية حتى يصبح التخلي عنها أكثر صعوبة، لأن الاعتراف بخطئها لا يبدو عندئذ تصحيحاً لفكرة، بل تهديداً لصورة الذات. ولذلك قد يستمر الإنسان في الدفاع عن اعتقاد بعد أن تضعف أدلته، لا لأن البرهان ما يزال قوياً، وإنما لأن التراجع عنه أصبح مكلفاً نفسياً.
وهنا تظهر إحدى المشكلات التي يمكن أن تساعد الانعطافة التطورية الثانية على مواجهتها. فإذا أصبح الإنسان معتاداً على مراجعة أفكاره بصورة مستمرة، فقد يبدأ بالنظر إلى تغيير الرأي لا باعتباره هزيمة، وإنما باعتباره وظيفة طبيعية من وظائف العقل. فالذات التي تتعلم ليست الذات التي لا تخطئ، بل الذات التي لا تجعل أخطاءها جزءاً “مقدساً” من هويتها.
لقد كنا أبناء ما يمكن تسميته بـ”النسخة الواحدة من الذات”. فالإنسان يتكون خلال طفولته وشبابه، ويتلقى ثقافة وقيماً ومفاهيم وطرائق في التفكير، ثم يحمل جزءاً كبيراً منها طوال حياته. وقد تتغير بعض التفاصيل، لكن البنية العميقة قد تظل شديدة المقاومة للتغيير. وليس من النادر أن يستمر إنسان في النظر إلى العالم بأدوات معرفية تشكلت قبل عقود، رغم أن العالم الذي أنتج تلك الأدوات قد تغير جذرياً. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يصبح استمرار هذه الفجوة أكثر صعوبة. فالمعرفة تتغير بسرعة، والتخصصات تتداخل، والمعلومات تتضاعف، وما كان كافياً لاتخاذ قرار جيد بالأمس قد لا يكون كافياً غداً. ولذلك قد لا تعود القدرة على اكتساب المعرفة وحدها هي المهارة الأساسية، بل القدرة على تحديث البنية التي نستقبل بها المعرفة نفسها. وهذا فرق بالغ الدلالة المعرفية. فقد يتعلم الإنسان حقيقة جديدة من دون أن يتغير، لأنه يستطيع ببساطة أن يضعها إلى جوار ما يعرفه من قبل. أما التحديث الحقيقي فيحدث عندما تجبره المعرفة الجديدة على إعادة النظر في شبكة الأفكار التي كان يفهم العالم من خلالها. وعندئذ لا تضاف المعلومة إلى العقل فحسب، بل يعاد تنظيم العقل حولها. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً مهماً في هذه العملية، لا لأنه يقرر للإنسان ما ينبغي أن يصبح عليه، وإنما لأنه يستطيع أن يجعل عملية المراجعة أكثر انتظاماً. فمن خلال الحوار المستمر يمكنه أن يعيد إلى الإنسان أفكاره السابقة، ويقارن بينها وبين أفكاره الحالية، ويكشف التناقضات، ويذكره بالأسباب التي دفعته إلى تبني موقف أو التخلي عنه، ويعرض عليه أدلة جديدة قد تستوجب إعادة النظر. وهنا تتكامل وظائف الذكاء الاصطناعي التي تناولناها من قبل. فالمُعارِض المعرفي يكشف الخطأ، والمرآة تساعد الإنسان على رؤية نفسه، والذاكرة الممتدة تحفظ مسار تحوله، والمدرب العقلي يساعده على تحسين أدوات التفكير. وعندما تجتمع هذه الوظائف، تظهر إمكانية جديدة: إنسان يستطيع أن يتعامل مع تطوره المعرفي باعتباره مشروعاً واعياً طويل الأمد.
وفي ضوء الميتابايولوجيا، تصبح هذه الإمكانية أكثر قيمة من الناحية المعرفية. فإذا كان فائض التمثل قد جعل الإنسان قادراً على بناء صور شديدة التعقيد عن نفسه والعالم، فإنه جعله في الوقت نفسه عرضة لأن يصبح أسيراً لهذه الصور. فهو لا يعيش في الواقع وحده، بل في تمثلاته عنه، وقد يدافع عن التمثل حتى بعد أن يفقد قدرته على تفسير الواقع.
ومن هنا فإن الإنسان القابل للتحديث ليس الإنسان الذي يبدل أفكاره باستمرار لمجرد التغيير، بل هو الإنسان الذي لا يمنح أي تمثل حصانة أبدية من المراجعة. إذ أنه يستطيع أن يقول: هذا أفضل ما أستطيع أن أعتقده الآن، بناءً على ما أعرفه الآن، لكنه ليس بالضرورة ما سأعتقده غداً إذا تغيرت الأدلة.
ولعل هذه العبارة البسيطة تمثل تحولاً كبيراً في تاريخ الوعي الإنساني. فهي تنقل اليقين من كونه ملكية دائمة إلى كونه موقفاً مؤقتاً أمام المعرفة المتاحة. وعندئذ يصبح السؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه أقل ارتباطاً بالدفاع عن الماضي وأكثر ارتباطاً بالاستعداد للمستقبل: ما الذي ينبغي أن أحتفظ به، وما الذي ينبغي أن أراجعه، وما الذي حان الوقت لأن أتخلى عنه؟
غير أن مفهوم التحديث يحمل خطراً ينبغي التنبه إليه. فالإنسان الذي يجعل نفسه قابلاً للتحديث لا ينبغي أن يتحول إلى كائن بلا مركز، يغير قيمه ومواقفه مع كل معلومة جديدة أو كل اقتراح تقدمه آلة! فالتحديث ليس طاعةً للذكاء الاصطناعي، كما أنه ليس سعياً دائماً وراء الجديد لمجرد أنه جديد. إنما هو القدرة على التمييز بين ما يحتاج إلى المراجعة وما يستحق الاحتفاظ به، وبين الدليل الذي يفرض تغييراً حقيقياً والضجيج الذي لا يستحق سوى التجاهل.
ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون مهندس النسخة الجديدة من الإنسان، بل أحد الأدوات التي يستخدمها الإنسان في بنائها. فالقرار النهائي بشأن ما ينبغي تغييره، وما ينبغي الاحتفاظ به، وما الذي يمثل قيمة لا معلومة عابرة، ينبغي أن يظل مسؤولية الإنسان نفسه.
وربما تكمن هنا إحدى أهم المفارقات التي ستفرضها الانعطافة التطورية الثانية. فكلما أصبحت الأدوات الخارجية أكثر ذكاءً، ازدادت حاجة الإنسان إلى امتلاك وعي داخلي أكثر نضجاً. فالآلة التي تستطيع اقتراح ألف طريق لا تستطيع أن تعفي الإنسان من السؤال عن الطريق الذي يريد أن يسلكه، كما أن القدرة على تحديث الذات لا تجيب وحدها عن السؤال: إلى أي ذات أريد أن أتجه؟
وهنا نعود إلى مفهوم “أناي المستقبلية”. فهي ليست نسخة نهائية تنتظرني في نهاية الطريق، وإنما أفق يتحرك كلما تحركتُ نحوه. فما إن أصل إلى صورة أفضل من نفسي حتى تصبح هذه الصورة نقطة بداية لصورة أخرى ممكنة. وبذلك تفقد الذات المستقبلية معنى النموذج النهائي، وتصبح اتجاهاً دائماً للارتقاء.
ولعل هذا هو أحد أعمق التحولات التي يمكن أن تحملها الانعطافة التطورية الثانية. فالإنسان الذي قضى معظم تاريخه محاولاً تغيير العالم قد يمتلك، للمرة الأولى، أدوات تمكنه من أن يجعل تغيير نفسه مشروعاً منهجياً مستمراً. وعندئذ لن يعود السؤال: “من أنا؟” وحده كافياً، لأن سؤالاً آخر سيقف إلى جواره باستمرار: “ما الذي يمكن أن أصبحه بعد أن أراجع الإنسان الذي أنا عليه الآن؟”. وحين يصبح هذا السؤال جزءاً دائماً من وعي الإنسان، لن تعود “أناي المستقبلية” مكاناً أصل إليه يوماً، بل ستصبح عملية لا تنتهي؛ عملية تجعل الإنسان، طوال حياته، مشروعاً مفتوحاً للمراجعة والتعلم والارتقاء.

أضف تعليق