دين الإحسان كتجاوز أخلاقي ومعرفي لعقلية الصفقة

من أكثر المبادئ رسوخاً في تاريخ العلاقات البشرية ذلك المبدأ الذي يمكن تسميته “عقلية الصفقة”، والقائم على أساس من أن يكون الشيء في مقابل شيء، والعطاء في مقابل عطاء، والالتزام مشروطاً بالتزام مقابل، وأن تتحدد علاقة الإنسان بالآخر بما يستطيع كل طرف أن يقدمه للطرف الثاني أو ينتزعه منه.
ولا تقتصر عقلية الصفقة على التجارة بالمعنى الاقتصادي للكلمة، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها نموذجاً أوسع لتنظيم العلاقات الإنسانية. فهي تظهر في الاتفاق والعقد والمعاهدة والتحالف، كما تظهر، بصورة أكثر خفاءً، في الصداقة والولاء والحب، بل قد تتسلل حتى إلى فهم الإنسان للأخلاق نفسها: أحسن إلى من أحسن إليك، وكن وفياً لمن كان وفياً لك، وأعطِ بمقدار ما تأخذ، ولا تمنح الآخر أكثر مما يمنحك.
ومن الناحية العملية، لا يمكن إنكار قيمة هذا المبدأ في تنظيم جانب واسع من الحياة الاجتماعية. فالإنسان يحتاج إلى العقود والعهود والحقوق المتبادلة، ولا يستطيع مجتمع معقد أن يقوم من دون قواعد تحدد ما لكل طرف وما عليه. غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول عقلية الصفقة من أداة لتنظيم بعض العلاقات إلى فلسفة شاملة للعلاقة الإنسانية نفسها؛ أي حين يصبح التقايض هو الحد الأعلى الذي لا يستطيع الإنسان أن يتصور علاقة بالآخر تتجاوزه.
ولعل تاريخ الإنسان يكشف إلى أي مدى حكم هذا المنطق علاقته بأخيه الإنسان. فحتى أوقات السلم لم تكن دائماً نقيضاً حقيقياً للحرب، وإنما بدت، في كثير من الأحيان، وكأنها المسافة الزمنية الفاصلة بين حرب انتهت وأخرى لم تبدأ بعد. وفي هذه الأوقات يجري تنظيم العلاقات بواسطة منظومات من الاتفاقات والمعاهدات والتوازنات والمصالح المتبادلة. فيعطي طرف لكي يأخذ، ويتنازل لكي يحصل على تنازل، ويحترم الآخر لأن الآخر ملتزم باحترامه، ويحافظ على العهد ما دام الطرف الثاني يحافظ عليه. وهذه الاخلاق، بهذا المعنى، هي أخلاق المعاملة بالمثل. وقد تمثل تقدماً كبيراً إذا قورنت بالفوضى والعدوان غير المقيد، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج تحول أعمق في الإنسان، وذلك لأنها لا تطلب منه أن يتجاوز نفسه، وإنما تطلب منه أن يحسن حساب مصالحه فحسب.
فالصفقة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى إنسان جيد؛ إذ أنها تحتاج، في الحد الأدنى، إلى طرفين يعرف كل منهما مصلحته ويلتزم بما يضمن استمرار التبادل فحسب. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين “العدل التبادلي” والإحسان. فالعدل يقول في أحد مستوياته: أعطِ الآخر حقه. أما الإحسان فيقول: تستطيع أن تمنحه فوق حقه. والعدل يقول: لا تتجاوز في الرد مقدار الإساءة. أما الإحسان فيفتح أمام الإنسان إمكانية أشد صعوبة: ألا يستنفد كل ما يمنحه له الحق من قدرة على الرد.
ولكن رسوخ عقلية الصفقة في الوعي البشري كان عميقاً إلى الحد الذي جعل الإنسان يعيد أحياناً قراءة النص الديني نفسه من خلالها. فبدلاً من أن يسمح للدين بأن يغيّر البنية التي تحكم علاقته بالآخر، فقد يعيد الإنسان تفسير الدين بكيفية تضمن بقاء هذه البنية على حالها. وهكذا يتحول الدين، الذي جاء لكي يفتح للإنسان أفقاً يتجاوز المقايضة، إلى منظومة أخرى لتبرير المقايضة نفسها! وعندئذ يبحث الإنسان في النص عما يسمح له بأن يرد، وينتقم، ويعامل بالمثل، ويقطع العلاقة، ويصنف الآخرين إلى أصدقاء وأعداء؛ بينما تمر أمامه، أحياناً، دعوات النص الديني المتكررة إلى العفو والصفح وكظم الغيظ والإحسان كما لو كانت فضائل مستحبة تقع على هامش البنية الأخلاقية للدين، وليس في صميمه!
ولكن ماذا لو كان العكس هو الأقرب إلى روح هذه البنية؟ وماذا لو كانت إباحة المعاملة بالمثل تمثل الحد الأدنى الذي يسمح به العدل، بينما يمثل الإحسان الأفق الذي يريد الدين أن يدفع الإنسان نحوه؟
ويمكن، من هذا المنظور، قراءة جانب جوهري من الرسالة الأخلاقية للإسلام بوصفه محاولة للانتقال بالإنسان من منطق المعاملة بالمثل إلى منطق الإحسان. ولا يعني ذلك إلغاء الحقوق أو العقود أو مبدأ المعاملة بالمثل على المستوى القانوني والتجاري، فهذه ضرورات لا يستقيم المجتمع البشري من دونها، ولكن القرآن العظيم لا يجعلها دائماً نهاية الطريق الأخلاقي، حيث تكشف الآية الكريمة 86 من سورة النساء عن نموذج بالغ البساطة والدلالة:{وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا}. فهذه الآية الكريمة تضع أمام الإنسان إمكانين: المعاملة بالمثل أو الإحسان؛ فيمكنك أن ترد التحية بمثلها، فتكون قد حققت مبدأ المعاملة بالمثل، ولكن أمامك إمكانية أخرى، وذلك بأن ترد بأحسن منها. وهذه الزيادة الصغيرة ظاهرياً تحمل انقلاباً أخلاقياً كبيراً؛ لأن العلاقة لم تعد حساباً مغلقاً يكون فيه ما خرج من طرف مساوياً لما خرج من الطرف الآخر. فلقد دخل إلى العلاقة عنصر جديد لم يكن مفروضاً وفقاً لحساب الصفقة؛ ألا وهو الفضل. وهذا الفضل هو المساحة التي يبدأ فيها الإحسان.
وتصبح المسألة أشد وضوحاً عندما ننتقل من الخير إلى الإساءة. فالمعاملة بالمثل تتيح للإنسان، ضمن حدود العدل، أن يقابل الإساءة بمثلها. ولقد بيَّن القرآن هذا المبدأ في أكثر من موضع منه، ومن بينها قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}. فالمعاملة بالمثل هنا يحدد سقف الرد العادل: لا تتحول الإساءة التي تعرضت لها إلى ترخيص بإساءة غير محدودة. ولكن النص لا يتوقف عند المعاملة بالمثل. إذ إنه يفتح باباً آخر: {فمن عفا وأصلح}. وهنا يحدث الانتقال من عقلية الصفقة إلى الإحسان. فالصفقة تقول: أساء إليّ، إذاً أسيء إليه بمقدار إساءته. أما الإحسان فيطرح سؤالاً مختلفاً: هل يجب عليّ أن أستخدم كل الحق الذي أملكه في الرد؟ ولذلك تكون الآية الكريمة: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} أكثر من مجرد موعظة في السيطرة على الغضب. فهذه الآية تقدم نموذجاً للإنسان القادر على قطع سلسلة المعاملة بالمثل. فالإساءة تستدعي إساءة، وهذه تستدعي أخرى، حتى تصبح المعاملة بالمثل آلية لإعادة إنتاج العدوان إلى ما لا نهاية. أما كظم الغيظ والعفو فهما تدخل في هذه السلسلة لإيقاف قدرتها على إعادة إنتاج نفسها.
وهنا ينبغي التمييز بين الإحسان والاستسلام. فالإحسان لا يعني أن يتنازل الإنسان عن حقه دائماً، ولا أن يسمح للآخر بالاعتداء عليه، ولا أن تتحول الفضيلة إلى مكافأة للمسيء تشجعه على الاستمرار في إساءته. إنما الإحسان، في معناه الأعمق، هو أن يملك الإنسان حق الرد من دون أن يصبح عبداً لهذا الحق. فالضعيف قد لا ينتقم لأنه عاجز عن الانتقام، أما المحسن فيستطيع أن يرد ثم يختار، حين يكون العفو أصلح، ألا يفعل.
ومن هنا لا يكون الإحسان إلغاءً للعدل، بل تجاوزاً اختيارياً له من دون نقضه. فالعدل يرسم الحد الذي لا يجوز النزول دونه، أما الإحسان فيفتح المجال لما يمكن الارتفاع إليه.
ومن منظور الميتابايولوجيا، يمكن أن نذهب خطوة أبعد. فعقلية الصفقة ليست مجرد فكرة اقتصادية تَعلمها الإنسان في الأسواق، وإنما قد تكون تعبيراً عن بنية أعمق رسختها الانعطافة التطورية الأولى، ولا سيما من خلال اثنين من الفوائض الثلاثة: فائض التمثّل وفائض العدوان.
ففائض التمثّل يجعل الإنسان قادراً على تخزين صورة الآخر وأفعاله ومواقفه في وعيه، وإعادة استحضارها بعد زوال الحدث نفسه. فالإنسان لا يتعرض للإساءة ثم تنتهي الإساءة بانتهاء لحظتها؛ بل يحمل تمثّلها معه، ويعيد إنتاجها في الذاكرة، ويقارنها بمواقف سابقة، ويبني حولها سردية كاملة عن الآخر وعن نفسه. ثم يأتي فائض العدوان ليمنح هذه التمثلات قدرة على التحول إلى رغبة ممتدة في الرد والعقاب والانتقام. وهنا تجد عقلية الصفقة تربتها المثالية: لقد فعل بي كذا، ولذلك سأفعل به كذا. أعطاني بهذا المقدار، ولذلك لن أعطيه أكثر. وقف معي، فسأقف معه. تخلى عني، فسأتخلى عنه. أهانني، فسأهينه.
وهكذا تتحول الحياة إلى دفتر حسابات ميتابايولوجي يحتفظ فيه الإنسان بأرصدة الخير والشر، والوفاء والخيانة، والعطاء والمنع، وينظم علاقاته على أساس تسوية هذه الحسابات.
وهنا يمكن النظر إلى الإحسان من زاوية مختلفة جذرياً: لا بوصفه مجرد فضيلة أخلاقية، وإنما بوصفه تقنية لإعادة تشكيل الإنسان. فعندما يرد الإنسان على الخير بأحسن منه، فإنه يكسر مبدأ التكافؤ الصارم. وعندما يمتلك حق الرد على الإساءة ثم يعفو حين يكون العفو أصلح، فإنه يقطع الطريق على فائض العدوان. وعندما يمتنع عن اختزال الآخر في الإساءة التي صدرت عنه، فإنه يقاوم فائض التمثّل الذي يريد أن يحبس الإنسان الآخر داخل صورة ذهنية ثابتة. وهكذا يصبح الإحسان ممارسة يومية لتفكيك جزء من البنية التي صنعها كل من فائض التمثل وفائض العدوان.
ولعل هذا ما يفسر لماذا يكون الإحسان صعباً. فالصفقة سهلة من الناحية المعرفية: أعطني أعطك، امنعني أمنعك، أحسن إليّ أحسن إليك، اعتدِ عليّ أرد عليك. أما الإحسان فيطلب من الإنسان أن يضيف إلى المعادلة شيئاً لم يكن الطرف الآخر قد وضعه فيها؛ إذ أنه يطلب منه أن يكون مصدر قيمة لا مجرد مرآة تعكس ما يفعله الآخرون به.
وتزداد قيمة هذا المعنى في عصر توسع فيه منطق السوق حتى تجاوز الاقتصاد إلى تصور الإنسان لنفسه وللآخرين! فالقيمة تقاس بما ينتجه الإنسان، والعلاقات بما تمنحه، والوقت بما يدره، والمهارات بما تساويه في السوق، وحتى تطوير الذات قد يتحول إلى مشروع هدفه تعظيم القدرة على المنافسة والحصول والاستحواذ! ويصبح السؤال المهيمن: ماذا سأحصل مقابل ذلك؟ وماذا سأحصل إذا ساعدته؟ وماذا سأستفيد من هذه العلاقة؟ وماذا سيعطيني مقابل ما أعطيه؟ وما العائد؟ وحين يصبح هذا السؤال هو المعيار النهائي للعلاقات، لا يعود السوق مكاناً نذهب إليه، بل يصبح نموذجاً نسكنه!
وهنا تحديداً تظهر راديكالية الإحسان، وذلك لأنه يعلن أن بعض أرقى أفعال الإنسان هي تلك التي لا يمكن تفسيرها بمنطق العائد المباشر.
قد تكون الحضارة استطاعت أن تحد من جانب من عدوان الإنسان بواسطة القانون والعقد والمعاهدة والمصلحة المتبادلة، لكنها لم تستطع بهذه الأدوات وحدها أن تحرره من البنية الداخلية التي تنتج العدوان. فالعقد يستطيع أن يمنعني من إيذائك ما دمت أخشى العقوبة. والمصلحة تستطيع أن تجعلني أتعاون معك ما دام التعاون نافعاً لي. والمعاهدة تستطيع أن تمنع الحرب ما دامت كلفتها أكبر من مكاسبها. ولكن شيئاً من ذلك لا يعني بالضرورة أنني أصبحت إنساناً أفضل! أما الإحسان فيعمل في مستوى آخر؛ لأنه لا يسأل فقط: ماذا يجب أن أفعل لكي تستمر الصفقة؟، وإنما يسأل: أي إنسان ينبغي أن أصبح؟ ومن هنا يمكن فهم الإسلام، في واحد من أعمق أبعاده الأخلاقية، بوصفه دعوة إلى ألا يكون الإنسان أسيراً لمنطق المعاملة بالمثل. فالعدل ضروري. والعقد ضروري. والحقوق ضرورية. والمعاهدات ضرورية. ولكنها جميعاً ترسم الحد الأدنى الذي يجعل العيش المشترك ممكناً. أما الإحسان فيبدأ حيث تنتهي إلزامية الصفقة. فهناك، في المسافة الصغيرة بين أن ترد بمثل ما أخذت وأن ترد بأحسن منه، وبين أن تملك حق الانتقام وأن تختار العفو والإصلاح، يبدأ التحول الحقيقي إلى الإنسان الذي يريدنا الله تعالى ان نُصبحه.
ولعل الخطر الأكبر الذي يواجه عالمنا اليوم هو ليس أننا لم نتعلم بعد كيف نعقد الصفقات، بل أننا أصبحنا بارعين فيها إلى درجة كدنا معها ننسى أن ثمة علاقات وقيماً لا يمكن أن توجد إلا عندما نتجاوز منطق الصفقة نفسه.
فإذا كان كلٌ من فائض التمثل وفائض العدوان قد علم الإنسان أن يتذكر الإساءة أكثر مما ينبغي، وأن يطلب المقابل أكثر مما ينبغي، وأن يمد عدوانه إلى ما وراء ضروراته البايولوجية، فإن الإحسان قد يكون واحداً من أهم الأدوات التي يستطيع الإنسان بها أن يعكس الاتجاه؛ وذلك بأن يرد على الخير بأكثر منه، وعلى الشر بأقل منه، وأن يترك أحياناً في دفتر الحساب الإنساني ديناً لا يطالب صاحبه بسداده. عندئذ لا يعود الإحسان مجرد عمل صالح يقوم به الإنسان من حين إلى آخر، بل يصبح مشروعاً لتفكيك عقلية الصفقة، وتقويض فائض العدوان، وتحرير الإنسان من استبداد فائض التمثّل. وربما لهذا لم يقل القرآن العظيم إن الله تعالى يحب الذين يستوفون المقابل فحسب، وإنما قال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

أضف تعليق