
يبدو البحث التأثيلي، في كثير من الأحيان، كما لو أنه ينتهي حين يصل الباحث إلى الجذر الهندوأوروبي البدائي الذي أمكن إعادة بنائه بالمقارنة بين اللغات. فإذا أمكن رد كلمة إنجليزية أو جرمانية إلى صيغة جرمانية أقدم، ثم رد هذه الأخيرة إلى جذر مفترض في اللغة الهندوأوروبية البدائية، بدا الأمر كما لو أن رحلة الكلمة قد بلغت بدايتها. ولكن ثمة سؤالاً ينبغي ألا يغيب عن أي محاولة تسعى إلى الذهاب بالتأثيل إلى أقصى مداه الممكن: هل الجذر الهندوأوروبي الذي نعيد بناءه هو حقاً «أصل» الكلمة، أم أنه أقدم محطة استطاعت أدوات اللسانيات التاريخية الحالية الوصول إليها؟
تكتسب كلمة some أهمية خاصة إذا طرحنا هذا السؤال؛ لأنها تفتح أمامنا مسارين دلاليين يستحقان التأمل: some بمعنى «بعض» أو «شيء من»، من جهة، و( -some) الداخلة في عدد من الكلمات التي انتهى بعضها إلى التعبير عن الاستحسان والجاذبية والروعة، من جهة أخرى. وقد يكون النظر إلى هذين المسارين من خارج الحدود التقليدية للتأثيل الهندوأوروبي مدخلاً إلى فرضية أقدم وأوسع.
يرد التأثيل المعتمد للكلمة الإنجليزية some إلى الإنجليزية القديمة sum، ومنها إلى أصل جرماني بدائي معاد البناء، ثم إلى أصل هندوأوروبي بعيد يرتبط بمعاني الواحد والوحدة والقدر غير المحدد. وهذه سلسلة تأثيلية مهمة ولا موجب لرفضها في حدود ما تستطيع إثباته. غير أن إثبات سلسلة داخل الأسرة الهندوأوروبية لا يجيب بالضرورة عن سؤال مختلف: هل يمكن أن تكون وراء هذه السلسلة طبقة لغوية أقدم؟
هنا يلفت النظر الجذر العربي القديم (ق-س-م).
فمنه قَسَمَ الشيء، أي جزّأه وفرّقه، ومنه القِسم، أي الجزء الذي ينتج عن تقسيم الكل. والقسم، بهذا المعنى، ليس سوى «بعض» الكل.
فلدينا إذاً سلسلة دلالية شديدة البساطة:
قَسَمَ → قِسم → جزء من الكل → بعض
وفي الطرف الآخر نجد:
some →مقدار أو عدد غير كامل من شيء → جزء من مجموعة أو كل → بعض
وهذه الموازاة، بطبيعة الحال، لا تكفي لإثبات الاشتقاق التاريخي؛ فالتشابه الصوتي والدلالي وحده لا يقيم علاقة نسب لغوي. ولكن اجتماع التقارب الصوتي مع التقارب المفهومي يجعل السؤال مشروعاً: هل يمكن أن تكون الصيغة الهندوأوروبية التي انتهت إلى some قد احتفظت بأثر من مادة لغوية أقدم كان مفهوم «الجزء من الكل» مركزياً فيها؟ وإذا كانت الأصوات تتعرض عبر آلاف السنين للحذف والإبدال والاختزال، فإن احتمال سقوط صوت أولي، أو تغير البنية الصوتية للكلمة، لا يمكن بحثه من خلال التشابه الظاهري وحده، بل يحتاج إلى مقارنات منتظمة عبر مجموعة كبيرة من الكلمات واللغات. ومن هنا ينبغي أن يكون (ق-س-م (some/ بداية برنامج للمقارنة، لا نهايته.
أما المسار الثاني فهو أكثر إثارة للحذر والتأمل معاً.
فالإنجليزية تعرف اللاحقة -some) )في كلمات كثيرة مثل handsome, winsome, awesome, wholesome, troublesome و tiresome. واللاحقة نفسها لا تعني «جميلاً» أو «رائعاً»؛ إذ يمكنها الدخول في كلمات سلبية وإيجابية على السواء. ولذلك ينبغي التمييز بين تاريخ اللاحقة وبين المعاني التي اكتسبتها الكلمات المركبة منها.
ومع ذلك، فإن انتقال بعض هذه الصيغ إلى مجال الاستحسان والجاذبية يدعونا إلى النظر في مجموعة أخرى من الألفاظ القديمة المرتبطة بالجمال والحسن. tفي العربية نجد حَسُنَ، حَسَن، حُسن، وهي ألفاظ تدور حول الجمال والجودة والاستحسان. كما نجد مجالاً دلالياً مجاوراً في زين، زينة، تزيين، وإن كان من الضروري تأثيلياً عدم التعامل مع (ح-س-ن) و(ز-ي-ن) كما لو كانا جذراً عربياً واحداً؛ فهما في التحليل العربي جذران مختلفان، وإن التقيا في حقل دلالي واحد هو الجمال والتحسين.
وعند الانتقال إلى الجرمانية تظهر كلمة ألمانية بالغة الدلالة التأثيلية هي schön، بمعنى “جميل”.
وهنا يصبح السؤال المقارن مغرياً: هل التشابه بين المجال الدلالي لـ حسن وschön وبعض التطورات الدلالية للصيغ الإنجليزية المنتهية بـ -some) ) مجرد تقارب عرضي، أم أنه يمكن أن يحتفظ بآثار علاقات أقدم؟
لكن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى قدر أكبر من الصرامة. فلا يمكن افتراض أن some أصبحت من «حسن» بمجرد تحويل nإلى m، إلا إذا أمكن إظهار أن هذا التحول الصوتي يحدث بصورة منتظمة في مجموعة مستقلة من الكلمات المقابلة. فقوانين التحول الصوتي المنتظم هي التي تحول الملاحظة التأثيلية من تشابه مثير إلى فرضية تاريخية قابلة للاختبار.
ولذلك ربما تكون قيمة )حسن ( schön – some- في هذه المرحلة ليست في أنها تقدم لنا نسباً لغوياً مثبتاً، وإنما في أنها تقدم سؤالاً بحثياً: ماذا سيحدث إذا وسعنا المقارنة بحيث لا نبحث عن كلمة واحدة تشبه أخرى، بل عن عشرات الأزواج التي تتكرر فيها التحولات الصوتية نفسها مع بقاء العلاقات الدلالية قابلة للتفسير؟
تكشف هذه المقارنات عن مشكلة أعمق في الكيفية التي نستعمل بها كلمة «الأصل» في التأثيل. فعندما يقول المعجم التأثيلي إن كلمة ما ترجع إلى الجرمانية البدائية، ثم إلى الهندوأوروبية البدائية، فإنه لا يقول بالضرورة إن التاريخ اللغوي للكلمة بدأ هناك؛ فهو يقول، بصورة أدق، إن أدوات المقارنة التاريخية أتاحت إعادة بناء الكلمة إلى تلك المرحلة بدرجة معينة من الثقة.
وهناك فرق معرفي كبير بين العبارتين. فالهندوأوروبية البدائية نفسها لم تنشأ من عدم. والمتكلمون بها كانوا امتداداً لجماعات بشرية سبقتهم، وهذه الجماعات كانت تمتلك بدورها وسائل للتواصل والتسمية والتصنيف. ولذلك لا بد، من حيث المبدأ، من وجود تاريخ لغوي يقع وراء المرحلة التي تستطيع اللسانيات الهندوأوروبية إعادة بنائها. فالسؤال الحقيقي هو: هل يمكن استعادته؟
وهنا تأتي المقارنات المقترحة مع الجذور العربية لا باعتبارها برهاناً جاهزاً، وإنما باعتبارها محاولة لاختبار إمكانية وجود طبقات أعمق من العلاقات اللغوية.
غير أن الذهاب إلى ما وراء الهندوأوروبية يفرض علينا معياراً أكثر صرامة، لا أقل صرامة. فإذا افترضنا، مثلاً، صلة بين قسم وsome، فلا يكفي أن نقول إن القسم هو «بعض» وإن الكلمتين متقاربتان صوتياً، بل ينبغي البحث عن كلمات أخرى يظهر فيها التحول المفترض نفسه.
وإذا افترضنا صلة ما بين حسن وصيغ جرمانية مرتبطة بالجمال، فلا يكفي التشابه بين حسن وschön أو افتراض تحول النون إلى الميم في حالة منفردة. بل ينبغي أن نسأل: هل توجد سلسلة واسعة من المقابلات؟ هل تتكرر التحولات الصوتية؟ هل يمكن ترتيبها زمنياً؟ وهل تتوافق مع ما نعرفه عن تاريخ الجماعات البشرية واتصال اللغات؟
عندئذ فقط يمكن الانتقال من: التشابه إلى: الفرضية ثم، إذا تراكمت الأدلة المستقلة، إلى: العلاقة التاريخية المحتملة. وهذه النقطة ليست قيداً على المشروع، بل قد تكون أهم ما يمنحه قيمته؛ لأن الفرضية الجريئة تكون أكثر دلالة معرفية حين تحدد بنفسها الشروط التي يمكن أن تثبتها أو تفندها.
إن السؤال الذي تثيره some في نهاية المطاف هو أكبر من كلمة واحدة. فما نطلق عليه «الجذر الهندوأوروبي» ليس بالضرورة الجذر الأول في التاريخ الإنساني للكلمة، وإنما أقدم صورة نستطيع إعادة بنائها ضمن منظومة مقارنة ناجحة إلى حد بعيد. ومن الممكن نظرياً أن تكون وراء هذه المنظومة طبقات لغوية أقدم اندثرت معالمها أو لم يعد من الممكن استعادتها إلا بصورة جزئية. ومن هنا تنشأ الفرضية التي تستحق البحث: هل يمكن لبعض الجذور العربية القديمة أن تحفظ شواهد تساعد على استكشاف علاقات لغوية تعود إلى ما وراء الحدود التي يقف عندها التأثيل الهندوأوروبي التقليدي؟
إن موازنة (ق-س-م) مع some، أو استقصاء الحقول الصوتية والدلالية المحيطة بـ حسن وschön والصيغ الجرمانية الأخرى، لا تثبت هذه الفرضية في ذاتها. لكنها قد تحدد المواضع التي ينبغي أن يبدأ منها الاختبار. والفرق حاسم؛ لأن المطلوب ليس البحث عن كلمات إنجليزية «تبدو عربية»، بل اكتشاف نظام من المراسلات الصوتية والدلالية المتكررة لا يمكن تفسيره بسهولة بالمصادفة أو الاقتراض المتأخر أو التشابه العارض.
ولعل الخطأ المنهجي المقابل للاكتفاء بالتأثيل الهندوأوروبي هو أن نستبدل به يقيناً آخر غير مثبت، فنقرر مسبقاً أن العربية هي الأصل الذي انحدرت منه الكلمات الهندوأوروبية. فالأكثر خصوبة معرفياً أن نقول شيئاً أدق مفاده أن الوصول إلى الهندوأوروبية البدائية لا ينبغي أن يمنع السؤال عما قبلها.
وقد تكون المقارنات مع العربية واحدة من المسارات التي تستحق الاختبار في هذا المجال، خصوصاً حين تجتمع القرابة الصوتية المحتملة مع قرابة دلالية عميقة. لكن نجاح هذا المشروع سيعتمد في النهاية على قدرته على الانتقال من الأمثلة المفردة إلى القوانين المتكررة.
وعندئذ قد يتبين أن بعض أوجه التشابه هي مجرد مصادفات، وأن بعضها هو نتيجة اتصال واقتراض، وربما يكشف بعضها الآخر عن علاقات أقدم مما تسمح به التصنيفات اللغوية الراهنة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذهاب أبعد في التأثيل، ليس في أن نعرف مسبقاً ماذا سنجد، بل في ألا نجعل حدود ما استطعنا إعادة بنائه حتى الآن حدوداً لما يجوز لنا أن نسأل عنه. فربما لم تكن الهندوأوروبية نهاية الطريق إلى الماضي، وإنما آخر موضع استطاعت المعرفة الحالية أن تضيئه بوضوح. وما وراء ذلك لا ينبغي ملؤه باليقين الواهم، ولكنه أيضاً لا ينبغي أن يُترك خارج نطاق السؤال.
