
قلّما توجد عبارة في النقد الحديث للدين بلغت من الشهرة والانتشار ما بلغته العبارة المنسوبة إلى كارل ماركس: «الدين أفيون الشعوب». فقد تحولت هذه العبارة، بمرور الزمن، إلى ما يشبه الحكم المختصر على الوظيفة الاجتماعية للدين: فالإنسان المتألم، وفق القراءة الشائعة لها، يلجأ إلى الدين كما يلجأ المتألم إلى المخدّر؛ لكي يحتمل واقعاً كان ينبغي له أن يعمل على تغييره. وبدلاً من أن يثور على الظلم، قد يجد في الوعد بعالم آخر عزاءً يجعله أكثر قدرة على احتمال الظلم القائم في هذا العالم.
غير أن المشكلة قد لا تكمن في الملاحظة التي انطلق منها ماركس بقدر ما تكمن في تحديد الشيء الذي كان يلاحظه. فهل كان ما رآه ماركس في المجتمعات البشرية هو «الدين» نفسه، أم كان ما رآه هو الصورة التي صنعها الإنسان للدين، ثم عاشها ومارسها واعتقد أنها الدين؟
هنا يصبح التمييز بين الدين والتدين ضرورياً. فالدين، من حيث هو رسالة أو منظومة من التعاليم والقيم والمبادئ، شيء، والكيفية التي يتمثل بها الإنسان ذلك الدين شيء آخر. وبين الاثنين تقف النفس البشرية بكل ما تحمله من رغبات ومخاوف ومصالح وانحيازات وحاجات إلى الطمأنينة والسيطرة والانتماء وتفسير العالم. ولهذا لا ينتقل الدين من النص إلى الواقع الإنساني انتقالاً آلياً صافياً؛ وإنما يمر، بالضرورة، عبر الإنسان الذي يفهمه ويفسره ويتمثله ثم يمارسه.
وهنا تحديداً يدخل فائض التمثّل.
فإذا كان فائض التمثل يعني تلك القدرة البشرية التي لا تكتفي بتمثل الواقع بالقدر الضروري للتعامل معه، وإنما تستمر في إنتاج الصور والتصورات والتفسيرات وإعادة تركيب الأشياء داخل الوعي، فإن الدين لا يمكن أن يكون مستثنى من تأثير هذه القدرة. فالإنسان لا يتلقى الدين فحسب؛ بل يتمثّل الدين. والمشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين الاثنين، فيأخذ تمثّله للدين على أنه الدين ذاته.
وهذه واحدة من أكثر المفارقات دلالة معرفية في التاريخ الديني: فالإنسان يستطيع أن يضيف إلى الدين تصورات لم يقل بها الدين، وأن يحمل نصوصه معاني لا تحتملها، وأن يعيد تفسير تعاليمه بما يوافق رغباته ومصالحه وبنيته النفسية والاجتماعية، ثم ينسى، بعد أجيال متعاقبة من التراكم، أن كثيراً مما أصبح يراه «ديناً» لم يكن سوى تمثّل بشري للدين.
وهكذا ينشأ التدين بوصفه ظاهرة مختلفة، وإن ظلت مرتبطة بالدين الذي تنتسب إليه. ولذلك فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يسبق الحكم الماركسي هو: عندما يصبح الدين أداة لتسكين الإنسان، وتبرير الظلم، وتعطيل السؤال، وتكريس الواقع القائم، فهل الذي يقوم بذلك هو الدين، أم التدين الذي أنتجه فائض التمثل حول الدين؟
تكمن خطورة فائض التمثل في أنه لا يقدم نفسه عادة بوصفه إضافة إلى الدين. فالمفسر الذي يُدخل تصوراته المسبقة في النص لا يقول بالضرورة: «هذه تصورات أضفتها أنا إلى الدين»، وإنما يعتقد أنه اكتشف ما يقوله الدين نفسه. ثم يأتي من بعده من يتلقى تفسيره، فيتعامل معه بوصفه جزءاً من الدين. وبعد أجيال قد تختفي الحدود تماماً بين النص وبين تفسير النص، وبين “المقدس” وبين التاريخي، وبين الدين وبين ما صنعه البشر وهم يحاولون فهم الدين.
وبذلك تحدث عملية بالغة الدلالة يمكن تسميتها تحول التمثّل إلى “مقدّس”. فالإنسان يصنع تمثّلاً للدين، ثم ينسى أنه صنعه، ثم يعيده إلى الدين نفسه، ثم يمنحه “القداسة” المستمدة من الدين. وهنا لا يعود فائض التمثل مجرد آلية معرفية لإنتاج الأفكار، وإنما يصبح قادراً على إنتاج أنماط من التدين قد تتعارض، أحياناً، مع المبادئ الأساسية للدين الذي تزعم التعبير عنه. فإذا دعا الدين إلى مقاومة الظلم، قد ينتج التدين تفسيراً يجعل احتمال الظلم فضيلة! وإذا دعا الدين إلى المسؤولية، قد ينتج التدين تصوراً يبرر الاستسلام! وإذا دعا الدين إلى التفكير والتدبر، قد يتحول التدين إلى منظومة تخشى السؤال! وإذا جعل الدين الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، قد يصنع فائض التمثل شبكة من التصورات تمنحه أسباباً جاهزة لإعفاء نفسه من هذه المسؤولية!
عندئذ يصبح من الممكن أن تظهر بالفعل الظاهرة التي لاحظها ماركس. ولكن الذي أصبح «أفيوناً» هنا هو ليس بالضرورة الدين، بل هو التدين الذي أنتجه فائض التمثل ثم نسبه الإنسان إلى الدين!
ربما كان خطأ ماركس، وفق هذه المقاربة، شبيهاً بخطأ من يشاهد دواءً أسيء استعماله، ثم ينسب آثار سوء الاستعمال إلى الدواء في ذاته! فلقد رأى وظيفة اجتماعية حقيقية تستحق الدراسة: استخدام الاعتقاد الديني، في بعض السياقات التاريخية، لتسكين الألم، أو إضفاء الشرعية على واقع ظالم، أو نقل أمل الإنسان بالكامل من العالم الذي يعيش فيه إلى عالم آخر، بحيث يصبح احتمال البؤس بديلاً من العمل على إزالته. ولكن رؤية النتيجة لا تكفي لتحديد علتها. فكان ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة: الدين، وتمثّل الإنسان للدين، والتدين الناتج عن ذلك التمثّل. وإذا غاب هذا التمييز، أمكن بسهولة أن تُنسب إلى الدين وظائف أنتجها الإنسان نفسه أثناء تحويل الدين إلى ممارسة اجتماعية وتاريخية.
وهنا تظهر مفارقة بالغة الدلالة المعرفية وتتمثل في أن الناقد للدين والمتدين الذي يعتقد أنه يدافع عن الدين قد يقعان في الخطأ المعرفي ذاته. فكلاهما قد يساوي بين الدين وتمثّل الدين. فالمتدين يقول: هذا الذي أعتقده وأمارسه هو الدين، أما الناقد فينظر إلى ما يعتقده ويمارسه ذلك المتدين فيقول: إذاً هذا هو الدين. وهكذا يتفق الطرفان، على الرغم من خصومتهما، على افتراض واحد لم يخضع للفحص مفاده أن التدين القائم في التاريخ يمثل الدين تمثلاً مطابقاً.
ولو أدخلنا فائض التمثل في تحليل الظاهرة الدينية، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيداً، ولكنه يصبح في الوقت نفسه أكثر قابلية للفهم. فالإنسان ليس وعاءً شفافاً يمر الدين خلاله من النص إلى الواقع من دون تغيير؛ إذ أنه كائن يعيد التفسير باستمرار. وما يتلقاه يمتزج بما يحمله مسبقاً في نفسه وثقافته ومجتمعه وتاريخه.
ولهذا يستطيع الإنسان أن يجعل من الدين أداة للتحرر، كما يستطيع أن يصنع منه، في تمثّله، أداة للاستسلام. ويستطيع أن يستخرج منه حافزاً لمقاومة الظلم، كما يستطيع أن يبني حوله خطاباً يبرر الظلم. ويستطيع أن يفهم العبادة باعتبارها إعادة بناء أخلاقية للنفس، كما يستطيع أن يحولها إلى طقوس تمنحه الاطمئنان إلى ذاته من دون أن تغيّر شيئاً في سلوكه. فالدين في هذه الحالات لم يتغير، والذي تغير هو تمثّل الإنسان للدين.
ومن ثم فإن فائض التمثل يقدم الحلقة التي قد تكون غائبة عن كثير من المقاربات التقليدية للنقد الديني؛ إذ أنه يفسر كيف يستطيع شيء أن يُنسب إلى الدين تاريخياً واجتماعياً من دون أن يكون بالضرورة مما يقتضيه الدين نفسه.
وعند هذه النقطة يمكن إعادة صياغة المقولة الماركسية صياغة أكثر دقة:
ليس الدين أفيون الشعوب؛ وإنما قد يصبح التدين أفيون الشعوب حين يصنعه فائض التمثل بما يخالف ما جاء به الدين.
وهذا التعديل ليس لفظياً، لكنه يغير موضوع النقد بالكامل. فالأفيون، وفق هذه القراءة، يبدأ حين يستخدم الإنسان تمثلاته الدينية لكي يحمي نفسه من مواجهة الحقيقة، وذلك حين يحول القضاء والقدر إلى ذريعة للعجز، والصبر إلى تبرير لقبول الظلم، والرجاء إلى بديل للعمل، والعبادة إلى تعويض نفسي عن المسؤولية الأخلاقية، والآخرة إلى وسيلة لإلغاء قيمة إصلاح الدنيا.
وهذه كلها يمكن أن تصبح آليات تخدير بالفعل. ولكن ينبغي في كل حالة أن نسأل: هل جاء بها الدين، أم أنتجها التدين؟ فقد يكون الدين نفسه هو الذي يأمر الإنسان بالعدل، بينما يستخدم الإنسان الدين لتبرير الظلم. وقد يكون الدين هو الذي يُحمِّله مسؤولية أفعاله، بينما يبتكر هو تمثلات تعفيه منها. وقد يكون الدين هو الذي يدعوه إلى تغيير نفسه وواقعه، بينما يحوله التدين إلى منظومة من الطقوس التي تمنحه شعوراً بأنه قد أدى ما عليه. وحينئذ لا يكون الدين هو المخدّر، بل يكون تحريف الوظيفة التي جاء الدين من أجلها هو المخدّر.
بل ربما أمكن الذهاب أبعد من ذلك. فإذا كان «الأفيون» يعني كل منظومة تمثلات تمنح الإنسان راحة نفسية زائفة تجعله أقل استعداداً لمواجهة نفسه وواقعه، فقد يكون الدين، في صورته غير المشوهة بفائض التمثل، نقيض الأفيون تماماً! فالدين الذي يضع الإنسان أمام مسؤوليته ليس مخدّراً، والدين الذي يطالبه بمراجعة نفسه ليس مخدّراً، والدين الذي يأمر بالعدل ولو تعارض مع المصلحة الشخصية ليس مخدّراً، والدين الذي يزعزع غرور الإنسان ويذكّره بحدوده ليس مخدّراً، والدين الذي لا يسمح للإنسان بأن يجعل أهواءه معياراً للحقيقة لا يؤدي وظيفة التخدير، بل يؤدي الوظيفة المضادة لها؛ أي الإيقاظ.
ومن هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: ما وصفه ماركس بأنه أفيون قد يكون، في بعض حالاته، نتيجة انقلاب حدث داخل الظاهرة الدينية نفسها؛ إذ تحول ما كان يُفترض أن يوقظ الإنسان من أوهامه إلى منظومة تمثلات تمنحه مزيداً من الأوهام. وليس الدين هو الذي أنجز هذا الانقلاب، بل الإنسان.
ولهذا ربما نحتاج إلى إعادة توجيه جانب مهم من النقد الديني الحديث. وقبل أن سأل ماذا فعل الدين بالإنسان؟ ينبغي أن نسأل: ماذا فعل الإنسان بالدين؟ فقد يكون جانب غير قليل مما نُسب إلى الأديان عبر التاريخ انعكاساً للطبيعة البشرية وهي تعيد صياغة الدين داخل بنيتها النفسية والاجتماعية. وحين يكون فائض التمثل واحداً من أعمق خصائص هذه الطبيعة، يصبح من المتوقع أن تتراكم حول الدين، عبر القرون، طبقات من التصورات والتفسيرات التي قد تبتعد شيئاً فشيئاً عن الأصل الذي تدّعي تمثله.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن كل تدين تحريف، ولا أن كل تفسير للدين نتاج مرضي لفائض التمثل. فالتمثل ضروري أصلاً للفهم، ولا يستطيع الإنسان التعامل مع الدين من دونه. فالمشكلة ليست في التمثل، وإنما في فائضه؛ أي حين يتجاوز التفسير ما يسمح به موضوعه، ثم يفقد الإنسان وعيه بهذه الإضافة، فيتعامل مع ما أنتجه وعيه كما لو كان جزءاً من الشيء الذي حاول فهمه!
وهذه النقطة هي التي تجعل نقد التدين ضرورة وليس عداءً. فقد يكون تحرير الدين من بعض صور التدين المتراكمة حوله أحد أشكال العودة إليه.
لقد أصاب ماركس في التقاط ظاهرة تاريخية واجتماعية حقيقية؛ إذ يستطيع الخطاب الديني أن يتحول في حياة البشر إلى وسيلة للتسكين والتبرير والتعويض. ولكنه، وفق هذه المقاربة، أخطأ حين لم يفصل بما يكفي بين المصدر وتمثّلاته، وبين الدين وما يصنعه الإنسان بالدين. ولذلك يمكن قلب المقولة الشهيرة من دون إنكار الظاهرة التي حاولت وصفها:
ليس الدين أفيون الشعوب؛ وإنما أفيون الشعوب هو ذلك التدين الذي يصنعه فائض التمثل حين يعيد الإنسان تشكيل الدين بما يوافق حاجاته النفسية والاجتماعية، ثم ينسى أنه هو الذي أعاد تشكيله!
وربما تكمن هنا واحدة من أخطر قدرات فائض التمثل؛ إذ أنه لا يكتفي بأن يجعل الإنسان يرى ما ليس موجوداً، وإنما يستطيع أن يجعله ينسب ما صنعه بنفسه إلى مصدر خارج نفسه. فالإنسان يصنع تفسيراً، ثم يسميه ديناً. ويصنع ممارسة، ثم يمنحها القداسة. ويصنع تبريراً، ثم ينسبه إلى الله. وبعد ذلك يأتي ناقد الدين، فيجد كل هذا أمامه، فيحسبه الدين ذاته.
عندئذ يكون فائض التمثل قد نجح مرتين: مرة حين أقنع المتدين بأن تمثّله هو الدين، ومرة أخرى حين أقنع ناقد الدين بالشيء نفسه. ولهذا ربما لم يكن السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى ماركس: كيف أخطأت حين وصفت الدين بأنه أفيون؟ فالأفيون كان موجوداً بالفعل في بعض صور التجربة التدينية البشرية، لكن السؤال الأدق هو: كيف أخطأت في تحديد من صنع هذا الأفيون؟
