قد يعيش الإنسان بلا دين… ولكن هل يستطيع أن يعيش بلا تدين؟

“قد يتوهم الإنسان أن بمقدوره أن يعيش بلا دين، ولكنه يخطئ إذا ما تصور أن بوسعه أن يعيش بلا تدين!”
قد يبدو الفرق بين شطري هذه المقولة، للوهلة الأولى، فرقاً لفظياً دقيقاً بين «الدين» و«التدين»، غير أنه في الحقيقة يضع أيدينا على تمييز قد يكون ضرورياً لفهم واحدة من أكثر الظواهر رسوخاً في التاريخ الإنساني. فالإنسان يستطيع، من حيث المبدأ، أن يرفض ديناً بعينه، وأن يغادر مؤسسة دينية، وأن ينكر عقيدة، بل وأن يعلن أنه لا يؤمن بأي دين على الإطلاق. ولكن السؤال الأعمق هو ليس: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا دين؟ وإنما: هل يستطيع أن يجرّد وعيه من تلك الآلية التي جعلت التدين ممكناً أصلاً؟
فهنا يصبح فائض التمثّل مفتاحاً تفسيرياً مهماً. فالإنسان، وفق مفهوم فائض التمثّل، لا يعيش في العالم كما تعيش الكائنات الأخرى فيه فحسب، وإنما يعيش كذلك في عالم آخر يصنعه تمثّله للعالم. فهو لا يرى الأشياء فقط، بل يحمّلها بالمعاني؛ ولا يتعامل مع الموجودات فقط، بل يصنع لها صوراً ذهنية وقِيَماً ورموزاً؛ ولا يكتفي بما هو كائن، بل يتخيل ما ينبغي أن يكون؛ ولا يعيش الحاضر وحده، بل يستطيع أن يستحضر الماضي الذي انقضى، والمستقبل الذي لم يأتِ، والممكن الذي لم يقع، بل وحتى المستحيل الذي قد لا يقع أبداً! ومن هذه القدرة الاستثنائية يبدأ التدين.
ومن الضروري، ابتداءً، التمييز بين الدين والتدين. فالدين منظومة يمكن تحديدها: عقائد، ونصوص، وعبادات، وتشريعات، وتصورات عن الله والإنسان والعالم والمصير. أما التدين، بالمعنى الأوسع الذي تقترحه هذه المقالة، فهو استعداد الإنسان لأن يرفع شيئاً ما فوق مستوى الأشياء العادية، وأن يمنحه قيمةً عليا، وأن ينظم حياته في ضوء تمثّل يتجاوز وجوده المادي المباشر. ولهذا يمكن للإنسان أن يغادر الدين من دون أن يغادر البنية التي جعلته متديناً. وقد يتوقف عن تقديس الإله، ولكنه لن يتوقف يوماً بالضرورة عن “التقديس”. وقد يرفض العقيدة الدينية، لكنه لا يفقد بالضرورة حاجته إلى الاعتقاد. وقد يرفض الطقوس القديمة، ثم يصنع لنفسه طقوساً جديدة. وقد يسخر من المقدسات الموروثة، ثم يعامل فكرة أو شخصاً أو هوية أو إيديولوجيا أو قضية كما لو كانت مقدساً لا يجوز المساس به.
وهنا تكمن المفارقة، فقد يتصور الإنسان أنه تحرر من التدين، بينما يكون كل ما فعله أنه غيّر موضوع تدينه!
لو كان الإنسان كائناً محكوماً بحاجاته البايولوجية المباشرة وحدها، لكان من الممكن تصور حياته في حدود الطعام والجنس والأمان والتناسل والدفاع عن الذات. ولكن الإنسان تجاوز هذه الحدود منذ أن أصبح قادراً على تمثّل أشياء لا وجود مادياً مباشراً لها في اللحظة التي يعيشها. فهو يستطيع أن يموت من أجل وطن؛ والوطن ليس شيئاً يمكن اختزاله في قطعة أرض. ويستطيع التضحية بنفسه من أجل فكرة؛ والفكرة لا وزن لها ولا حجم. ويستطيع أن يقضي حياته سعياً وراء مجد لن يتحقق إلا بعد موته. ويستطيع أن يشعر بالإهانة بسبب كلمة، وبالفخر بسبب رمز، وبالانتماء بسبب راية، وبالذنب بسبب فكرة لم تتحول حتى إلى فعل.
وكل ذلك يكشف أن الإنسان لم يعد يتحرك استجابة للأشياء وحدها، وإنما استجابة لتمثّلات الأشياء في ذهنه. وحين يبلغ التمثّل درجة يصبح معها الشيء المتخيَّل أو الرمزي أو المعنوي أكثر قيمة من المصلحة البايولوجية المباشرة، نكون قد اقتربنا كثيراً من البنية النفسية والمعرفية التي تجعل التدين ممكناً. ولهذا قد لا يكون السؤال الصحيح: لماذا توجب على الإنسان ان يكون محلاً لتنزل الدين؟ بل قد يسبقه سؤال أكثر جذرية: ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح كائناً قادراً على التدين أصلاً؟
وتكشف المقارنة مع العالم الحيواني قيمة هذا التحول. فالحيوان يستطيع أن يخاف، وأن يرغب، وأن يرتبط، وأن ينافس، وأن يدافع عن منطقته ونسله. وقد تمتلك بعض الحيوانات قدرات إدراكية وتمثلية متقدمة بدرجات متفاوتة. ولكن الظاهرة الإنسانية تبلغ مستوى آخر حين يصبح «المعنى» نفسه قوة قادرة على إعادة ترتيب السلوك على نطاق واسع. فالإنسان قد يجوع بإرادته لأنه صائم. وقد يمتنع عن علاقة جنسية متاحة لأن منظومته الأخلاقية تُحرِّمها. وقد يتنازل عن المال لأنه يرى في الصدقة قيمة. وقد يعرض حياته للخطر دفاعاً عن شخص لا تربطه به قرابة. وقد يتحمل الألم لأنه يعتقد أن لتحمله معنى يتجاوز الألم ذاته.
وهنا تظهر إحدى الخصائص اللافتة للتدين؛ إذ أنه يستطيع أن يجعل المُتمثَّل أقوى من المباشر، والمعنى أقوى من المنفعة، والرمز أقوى من الشيء. وهذه هي البيئة المثالية التي يعمل فيها فائض التمثّل.
والآن، لنفترض أن مجتمعاً ما نجح في تقليص حضور الدين التقليدي إلى أدنى مستوى ممكن. فهل يعني ذلك أن التدين نفسه سيختفي؟ إن التاريخ الإنساني يدعونا إلى الحذر من هذا الاستنتاج. فالفراغ الذي يتركه المقدس الديني يمكن أن تملأه “مقدسات” أخرى: الأمة، والعرق، والطبقة، والحزب، والزعيم، والثورة، والسوق، والعلم حين يتحول من منهج للمعرفة إلى رؤية شمولية، والتقدم، والهوية، بل وحتى الذات نفسها! ولا يعني ذلك أن هذه الأشياء أديان بالمعنى الاصطلاحي، ولا أن الالتزام السياسي أو الوطني أو العلمي يساوي “التدين الديني”، إنما المقصود شيء أدق، وهو الآلية التمثّلية التي كان الإنسان يستثمرها في الدين تستطيع أن تنتقل إلى موضوعات أخرى! وحين يحدث ذلك تبدأ بعض السمات المألوفة في الظهور من جديد: “مقدسات” لا يجوز نقدها، ونصوص أو أقوال مرجعية، وشخصيات مؤسِّسة تحاط بهالة استثنائية، وطقوس جماعية، ورموز، ومحرمات، وانقسام بين المنتمين وغير المنتمين، بل وأحياناً استعداد للتضحية بالنفس أو بالآخر دفاعاً عن الفكرة.! فلقد اختفى الإله من مركز المنظومة، ولكن فعل التقديس نفسه لم يختفِ بالضرورة.
ومن هنا ينبغي تجنب خطأ آخر يتمثل في مساواة التدين، بالمعنى المقصود هنا، بمجرد الإيمان بالله. فالإنسان الملحد ليس بالضرورة أقل قدرة على التأثر بفائض التمثّل من الإنسان المؤمن. فكلاهما إنسان يمتلك الجهاز التمثّلي نفسه، وإن اختلفت الموضوعات التي يُستثمَر فيها هذا الجهاز. ولذلك لا ينبغي أن تكون القضية حكماً أخلاقياً على المؤمن أو غير المؤمن، وإنما محاولة لفهم البنية الإنسانية المشتركة بينهما. فالسؤال ليس من يمتلك تمثّلات ومن لا يمتلكها؛ لأن الجميع يعيش داخل شبكات كثيفة من التمثّلات. وإنما السؤال: ما موضوع هذه التمثّلات؟ وما مقدار السلطة التي نمنحها لها؟ وهل نعرف أننا نحن أيضاً قد نصنع “مقدساتنا” من حيث لا نشعر؟ وهذه النقطة تجعل مفهوم فائض التمثّل مهماً بقدر خاص؛ لأنه ينقل دراسة التدين من مجرد البحث في صحة العقائد أو بطلانها إلى البحث في الإنسان الذي يستطيع إنتاج العقائد، والرموز، والمعاني العليا.
ثمة سبب آخر يجعل التخلص الكامل من التدين، بهذا المعنى الواسع، أمراً بالغ الصعوبة، فالإنسان لا يعيش بسهولة في عالم من الوقائع الصامتة. فالموت، من وجهة نظره، هو ليس توقفاً بايولوجياً فحسب، والحب هو ليس تفاعلاً كيميائياً فحسب، والأم هي ليست فرداً من النوع يؤدي وظيفة تناسلية فحسب، والوطن هو ليس إحداثيات جغرافية، والعدالة هي ليست توزيعاً حسابياً للمصالح، والحياة نفسها ليست مجرد الفترة الزمنية الممتدة بين الولادة والموت. فالإنسان يضيف باستمرار. وهذه الإضافة هي التمثّل. ثم يضيف إلى الإضافة. وهنا يبدأ فائض التمثّل. فهو لا يريد أن يعرف ماذا حدث فحسب، وإنما لماذا حدث؛ ولا يريد أن يعيش فحسب، وإنما يريد أن يعرف لماذا يعيش؛ ولا يكفيه أن يموت الآخر، بل يبحث عن معنى موته؛ ولا يكفيه أن يوجد الكون، بل يسأل لماذا يوجد شيء بدلاً من لا شيء. ومن هنا يمكن فهم التدين باعتباره واحداً من أعظم المجالات التي تجلت فيها هذه القدرة البشرية على تجاوز الواقع المباشر إلى المعنى المتعالي عليه.
وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. فالإنسان قد يجعل رفض الدين نفسه موضوعاً لفائض التمثّل. فما يبدأ موقفاً فكرياً قابلاً للنقاش قد يتحول إلى هوية، ثم تتحول الهوية إلى معيار لتقسيم البشر، ثم تصبح بعض الأفكار فوق النقد، ويظهر الأبطال والرموز والمحرمات، ويصبح الدفاع عن الموقف غاية في ذاته. وعندئذ لا نكون أمام عودة للدين القديم، وإنما أمام دليل على أن التخلص من الدين أسهل بكثير من التخلص من الآلية الإنسانية المنتجة للتدين. فالإنسان يستطيع تبديل المعبودات الرمزية أسرع مما يستطيع تعطيل القدرة على صنعها! وهذا ما يجعل مقولة «قد يتوهم الإنسان أن بمقدوره أن يعيش بلا دين، ولكنه يخطئ إذا ما تصور أن بوسعه أن يعيش بلا تدين» أكثر من مجرد دفاع عن الدين. فهي في حقيقتها، أطروحة عن الإنسان.
إذا صح هذا التحليل، فإن أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن تشغل الإنسان المعاصر ليس: كيف نتخلص من التدين؟ وإنما: إلى أين يتجه استعدادنا للتدين حين نتخلى عن الدين؟ لأن فائض التمثّل لا يضمن أن يكون الموضوع الذي نرفعه إلى مرتبة “المقدس” جديراً بهذه المرتبة. فيمكن للإنسان أن “يقدس” الرحمة، لكنه يستطيع أيضاً أن “يقدس” القوة. ويمكنه أن يجعل العدالة قيمة عليا، لكنه يستطيع أن يفعل الشيء نفسه مع الأمة أو العرق أو الزعيم. ويمكنه أن يضحي بنفسه من أجل إنقاذ الآخرين،  كما ويمكنه أن يقتل الآخرين من أجل رمز. فالأداة واحدة، لكن موضوعها ونتائجها قد يختلفان جذرياً.
وهنا تظهر الوظيفة التي يمكن للدين أن يؤديها حين لا يُختزل في المؤسسة والطقوس والعادات الموروثة، فتنظيم فائض التمثّل وتوجيهه نحو موضوع متعالٍ يمنع الأشياء المحدودة من ادعاء المطلقية. فإذا كان الله وحده مطلقاً، فلا دولة مطلقة، ولا زعيم مطلق، ولا أمة مطلقة، ولا حزب مطلق، ولا ذات مطلقة، ولا حتى معرفة بشرية مطلقة.
وبهذه القراءة لا يعود الدين مجرد إضافة إلى حياة الإنسان، وإنما يمكن أن يصبح تنظيماً لقوة موجودة فيه سلفاً تتمثل في قوة صناعة المعنى و”التقديس” والتجاوز.
ولعل هذا يقودنا إلى إعادة صياغة السؤال التقليدي: “لماذا يحتاج الإنسان إلى الدين؟” ربما لا تكون الإجابة لأنه يخاف الموت، أو لأنه يريد تفسير الكون، أو لأنه يبحث عن عزاء أمام قسوة الحياة فحسب. فهذه كلها قد تكون عوامل مهمة، لكنها لا تصل إلى الطبقة الأعمق من المسألة. فالإنسان يحتاج، قبل ذلك، إلى أن يفعل شيئاً بهذه القدرة الهائلة على التمثّل التي يحملها. فالإنسان كائن يصنع المعاني حتى حين لا يقصد صنعها، ويخلق الرموز، ويكوّن الهويات، ويرتب الأشياء في سلالم للقيمة، ويرفع بعضها فوق بعض، ثم يستطيع أن يعيش ويموت دفاعاً عما صنعه وعيه!  ولهذا فإن اختفاء الدين لا يعني بالضرورة انتهاء التدين؛ فقد يعني ببساطة انتقال الطاقة التمثّلية من المقدس الديني إلى مقدسات دنيوية جديدة!
ومن هنا تصبح المسألة أكثر خطورة مما تبدو عليه. فالإنسان قد يعلن أنه لم يعد يريد إلهاً، ولكنه لا يستطيع بهذه السهولة أن يمنع نفسه من صناعة ما يقوم، في وعيه وسلوكه، ببعض وظائف المقدس. وقد يهدم معبداً قديماً، ثم يقيم، من دون أن ينتبه، معبداً جديداً لفكرة أو هوية أو جماعة أو شخص أو حتى لذاته!
وهكذا يمكن أن نعود إلى المقولة التي بدأنا بها، ولكن بمعنى أكثر وضوحاً:
قد يستطيع الإنسان أن يعيش بلا دين محدد، ولكنه لا يستطيع بسهولة أن يعيش بلا تدين؛ لأن الدين يمكن مغادرته بقرار، أما التدين فمتصل ببنية أعمق في الإنسان نفسه، إي بقدرته الفائضة على التمثّل، وصناعة المعنى، وإنتاج “المقدس”.
ولذلك ربما لا يكون التحدي الأكبر أمام الإنسان هو أن يقرر هل يكون متديناً أم لا، وإنما أن يدرك أنه، ما دام كائناً يصنع المطلقات من تمثّلاته، فإن السؤال الذي سيطارده دائماً هو:
بماذا سأتدين حين أظن أنني لم أعد متديناً؟

أضف تعليق