“لا تثق بأحد، وتوقّع غير المُتوقع”… قراءة ميتابايولوجية في سايكولوجيا الحذر من الإنسان

قلّما توجد منظومة من النصائح المجتمعية لا نجد فيها، بصيغة مباشرة أو غير مباشرة، دعوتين متكررتين: “لا تثق بأحد  (Trust no one)” و«توقّع غير المُتوقع(Expect the unexpected)”. وقد تبدوان، للوهلة الأولى، مجرد عبارتين ولدتا من تراكم الخبرات المريرة؛ فالأولى تحذر الإنسان من الخيانة، والثانية تدعوه إلى الاستعداد للمفاجآت. غير أن النظر إليهما من منظور ميتابايولوجي قد يكشف عن دلالة أعمق بكثير: فهما لا تقدمان نصيحتين بشأن الآخرين والعالم فحسب، وإنما تكشفان شيئاً مهماً عن الكائن الذي اضطر إلى ابتكار هاتين النصيحتين أصلاً.
فلماذا يحتاج الإنسان إلى أن يُقال له: لا تثق بأحد؟ ولماذا ينبغي له أن يتوقع غير المتوقع؟
قد يبدو السؤال الثاني منطوياً على مفارقة لغوية؛ إذ كيف يمكن للإنسان أن يتوقع ما هو، بحكم التعريف، غير متوقع؟ لكن المقولة لا تطلب منه في الحقيقة معرفة الحدث الذي سيقع، وإنما تطلب منه أن يُبقي في نموذجه الذهني للعالم مكاناً لما لم يستطع نموذجه الذهني أن يتنبأ به. وهذا هو تحديداً ما يجعل المقولتين جديرتين بقراءة تتجاوز معناهما المباشر.
ففي العالم البايولوجي، لا تقوم العلاقة بين الكائنات الحية عادة على «الثقة» بالمعنى الإنساني المركب للكلمة. فالحيوان يستجيب إلى مجموعة من الإشارات والغرائز والخبرات التي تساعده على التمييز بين الخطر والأمان، وبين المنافس والحليف، وبين ما ينبغي الاقتراب منه وما ينبغي الفرار منه. وقد يحدث الخداع في العالم الحيواني، كما قد تظهر استراتيجيات معقدة للتضليل أو الاستغلال، لكن هذا كله يظل محكوماً، في الغالب، بمقتضيات بايولوجية محددة، كالبقاء والغذاء، والتزاوج، وحماية النسل، والتنافس على الموارد والمكانة. أما الإنسان فقد نقل المسألة إلى مستوى آخر. فهو لا يرى الآخر كما هو فحسب، وإنما يتمثله أيضاً؛ حيث يبني له صورة ذهنية، وينسب إليه نوايا، ويتوقع منه سلوكاً، ويستنتج من ماضيه مستقبله، ثم يتعامل مع هذه الصورة كما لو كانت هي الإنسان نفسه.
وهنا يبدأ الخطر. ذلك أن الإنسان الذي أثق به ليس الإنسان الواقعي وحده، وإنما هو أيضاً الإنسان الذي صنعته في ذهني عنه. ومن هنا يمكن إعادة قراءة عبارة Trust no one قراءة أكثر دقة. فهي، في معناها الميتابايولوجي، لا ينبغي أن تعني أن كل إنسان خائن، ولا أن العلاقات الإنسانية مستحيلة، ولا أن الشك المرضي هو الموقف العقلاني الوحيد. وإنما يمكن أن تعني شيئاً مختلفاً تماماً: لا تمنح تمثلك للإنسان الآخر صفة الحقيقة النهائية عن ذلك الإنسان.
يستطيع فائض التمثّل أن يجعل الإنسان يبني من الإشارات المحدودة التي يتلقاها عن الآخر نموذجاً بالغ الاتساع: لقد عاملني جيداً، إذاً هو إنسان جيد، ولقد كان صادقاً معي مرات كثيرة، إذاً لن يكذب عليّ ابداً. ولقد وقف إلى جانبي في الماضي، إذاً سيقف إلى جانبي مستقبلاً. وهو يحبني، إذاً لن يؤذيني يوماً. وهو صديقي، إذاً لن يخونني مطلقاً. غير أن المشكلة ليست بالضرورة في هذه الاستدلالات ذاتها، فهي ضرورية لكي تكون العلاقات الإنسانية ممكنة، وإنما في تحويل الاحتمال إلى يقين.
فالإنسان يتغير، والظروف تتغير، والمصالح تتغير، والانفعالات تتغير، وعلاقات القوة تتغير، وقد تظهر في النفس دوافع لم تكن الظروف السابقة قد أتاحت لها فرصة الظهور. ولذلك فإن ما نسميه «الخيانة» قد يكون، من زاوية أخرى، صدمة ناجمة عن انهيار المسافة بين الإنسان كما هو والإنسان كما تمثلناه. فنحن لا نتألم لأن الآخر قد فعل لنا شيئاً سيئاً فحسب، وإنما لأن فعله كشف لنا فجأة أن النموذج الذي بنيناه له لم يكن مطابقاً تماماً للإنسان الذي كنا نتعامل معه.
وهنا تكتسب عبارة Trust no one معناها السايكولوجي الأعمق؛ إذ أنها، حين تُفهم بصورة سليمة، ليست دعوة إلى إلغاء الثقة، وإنما إلى إلغاء الثقة المطلقة. فالثقة ضرورة اجتماعية، أما تحويلها إلى يقين بشأن المستقبل فمجازفة معرفية.
وإذا كانت المقولة الأولى تحذرنا من المبالغة في تمثل الإنسان، فإن المقولة الثانية تحذرنا من المبالغة في تمثل المستقبل. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون توقع. فهو يستيقظ صباحاً لأنه يتوقع استمرار العالم الذي نام فيه مساءً. ويضع خططاً لأنه يفترض قدراً من الاستقرار في العلاقة بين الحاضر والمستقبل. ويثق بالآخرين لأنه يفترض استمرار شيء من شخصياتهم وسلوكهم. ويقيم المؤسسات والقوانين والعقود لأن المجتمع كله يقوم على إمكانية توقع قدر معقول من أفعال الآخرين.
غير أن فائض التمثّل يستطيع أن يحول هذه الضرورة المعرفية إلى وهم معرفي. فنحن لا نكتفي بصناعة نموذج احتمالي للمستقبل، وإنما قد ننسى أنه نموذج، ونبدأ بالتعامل معه كما لو كان المستقبل نفسه!
وعندئذ تأتي الواقعة غير المتوقعة لتفعل أكثر من مجرد تغيير الأحداث؛ إذ أنها تحطم تمثلاً. ولهذا فقد تكون الصدمة النفسية الناتجة عن بعض الأحداث أكبر من الضرر المادي الذي أحدثته. فالإنسان لا يواجه الحدث وحده، وإنما يواجه في الوقت ذاته انهيار عالم كان قد بناه في ذهنه وافترض استمراره!
ومن هنا تصبح عبارة Expect the unexpected  تدريباً معرفياً بالغ العمق: لا تطلب منك أن تعرف المجهول، وإنما أن تعرف أن في معرفتك مكاناً للمجهول.
وتزداد قيمة هاتين المقولتين إذا قرئتا في ضوء الفوائض الثلاثة: فائض التمثّل، وفائض العدوان، وفائض الجنس. فالكائن البايولوجي تتحرك دوافعه ضمن مجال يمكن، بدرجات متفاوتة، ربطه بالحاجات التطورية المباشرة. أما الإنسان فقد أصبحت دوافعه قادرة على تجاوز هذه الحدود. فيمكنه أن يكره شخصاً لم يؤذه. وأن يؤذي إنساناً لا يمثل خطراً عليه. وأن يضحي بمصلحة حقيقية من أجل انتصار رمزي. وأن يهدم علاقة استمرت عقوداً بسبب تمثل جديد. وأن يتحول صديق إلى عدو، وعدو إلى حليف، لا لأن البنية البايولوجية لأي منهما تغيرت، وإنما لأن المعنى الذي يمثله كل واحد منهما للآخر قد تغير.
وهنا يصبح فائض التمثّل عاملاً مضاعفاً لعدم قابلية السلوك الإنساني للتنبؤ؛ لأنه يسمح للإنسان بأن يتصرف استجابة إلى أشياء لا وجود مادياً مباشراً لها: عزة نفس متخيلة، إهانة متصورة، هوية جمعية، عقيدة، ذكرى، خوف من مستقبل لم يقع، أو رغبة في اعتراف رمزي من الآخرين. ويأتي فائض العدوان ليجعل بعض الاستجابات قادرة على تجاوز مقدار العدوان الذي تستلزمه الحاجة الواقعية، بينما يستطيع فائض الجنس أن يفصل الدافع الجنسي بدرجات متفاوتة عن الوظيفة الإنجابية التي كان الانتخاب الطبيعي قد أقامه في إطارها. وهكذا يصبح الإنسان كائناً لا تكفي معرفة حاجاته البايولوجية وحدها للتنبؤ بما سيفعله.
لكن القراءة الميتابايولوجية للمقولتين ينبغي ألا تتوقف عند علاقتنا بالآخر. فإذا كان الإنسان الآخر غير قابل للتنبؤ الكامل بسبب التركيب المعقد لدوافعه وتمثلاته، فإن المبدأ نفسه ينطبق علينا. فالإنسان قد يقول بإخلاص كامل: “لن أفعل ذلك أبداً”. ثم يفعله بعد سنوات. وقد يقول: “سأظل أحب هذا الإنسان دائماً” ثم تتغير تمثلاته. وقد يكون مقتنعاً بأنه لن يخون مبدأً معيناً، ثم يجد نفسه، تحت ظروف لم يختبرها من قبل، يعيد تفسير المبدأ نفسه لكي يسمح لنفسه بما كان يستنكره على الآخرين. وهذا لا يعني أن الإنسان بلا شخصية أو أن المبادئ بلا قيمة، وإنما يعني أن معرفتنا بأنفسنا هي الأخرى معرفة مشروطة بالظروف التي اختُبرنا فيها حتى الآن! فالإنسان الذي يقول: «أنا لا أفعل كذا» قد يكون الوصف الأكثر دقة لكلامه هو: “لم أفعل كذا في الظروف التي مررت بها حتى الآن”. أما كيف سيتصرف تحت ضغط لم يتعرض له قط، أو سلطة لم يمتلكها قط، أو خوف لم يعرفه، أو إغراء لم يواجهه، فذلك سؤال آخر.
وبهذا المعنى تصبح Trust no one شاملة حتى للذات، لا بمعنى الارتياب المرضي بالنفس، وإنما بمعنى عدم تحويل معرفتنا الحالية بأنفسنا إلى يقين مطلق بشأن سلوكنا المستقبلي.
وعند هذه النقطة تلتقي المقولتان.
Trust no one  تقول لك: لا تجعل تمثلك للآخر أكبر من معرفتك الفعلية به.
وExpect the unexpected  تقول لك: لا تجعل تمثلك للمستقبل أكبر من قدرتك الفعلية على معرفته.
فالأولى تضع حداً معرفياً لصورتنا عن الإنسان، والثانية تضع حداً معرفياً لصورتنا عن العالم. وبذلك يمكن النظر إليهما بوصفهما آليتين ثقافيتين نشأتا، عبر الخبرة البشرية المتراكمة، لمقاومة واحدة من أخطر نتائج فائض التمثّل: ميل الإنسان إلى نسيان الفرق بين الواقع وتمثله للواقع. فنحن لا نعرف الآخرين معرفة كاملة، لكننا نحتاج إلى التعامل معهم كما لو أننا نعرف عنهم ما يكفي. ولا نعرف المستقبل، لكننا نحتاج إلى التخطيط له كما لو كان قابلاً للتوقع.
وهذه الضرورة هي التي تجعل التمثّل ضرورياً للحياة الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته هي التي تجعل الإفراط فيه مصدراً دائماً للمفاجأة والخيبة والصدمة.
غير أن ثمة خطراً معاكساً ينبغي التنبه إليه. فإذا كان فائض الثقة خطراً، فإن فائض الارتياب خطر أيضاً. فالإنسان الذي يحول Trust no one إلى قاعدة حرفية قد ينتهي إلى عالَم نفسي لا يستطيع فيه تكوين علاقة حقيقية مع أحد. والإنسان الذي يحول Expect the unexpected  إلى توقع دائم للكوارث قد يعيش في حالة استنفار مستمرة، منتظراً الخيانة والفقد والانهيار حتى عندما لا توجد مؤشرات عقلانية عليها.
وعندئذ تنقلب النصيحة التي كان يفترض أن تحرر الإنسان من فائض التمثّل إلى صورة أخرى منه. فالشخص المفرط في الثقة يقول: “لن يخونني”. والمفرط في الارتياب يقول: “سيخونني”.
لكن كليهما يرتكب، معرفياً، الخطأ نفسه: يدعي معرفة ما لم يحدث بعد. أما الموقف الأكثر اتزاناً فهو:
“لدي أسباب معقولة لكي أثق به، ولذلك سأثق به، لكنني لا أملك معرفة مطلقة بما سيفعله مستقبلاً”. وهذا فرق بالغ الدلالة المعرفية. فالحذر ليس هو الشك، كما أن الاعتراف بعدم اليقين ليس هو الخوف.
ولذلك قد يكون المعنى الأعمق الذي يجمع المقولتين هو التواضع المعرفي. فالإنسان الذي يعرف حدود معرفته لا يحتاج إلى أن يعيش مرتاباً، لكنه أيضاً لا يمنح توقعاته منزلة الحقائق. فيثق، ولكن بثقة قابلة للمراجعة. ويخطط، ولكن بخطط قابلة للتعديل. ويحب، ولكن من دون أن يتوهم امتلاك المستقبل. ويعرف الناس، ولكن من دون أن يختزلهم في الصور التي صنعها عنهم. ويعرف نفسه، ولكن من دون أن يفترض أنه اختبر كل النسخ الممكنة منها.
وهكذا تتحول عبارتا Trust no one وExpect the unexpected  من نصيحتين متشائمتين إلى مبدأين معرفيين: لا تطابق بين تمثّلنا للإنسان والإنسان، ولا بين تمثّلنا للمستقبل والمستقبل.
ولعل هذا هو المعنى الميتابايولوجي الأكثر إثارة في المقولتين. فالمجتمعات البشرية لم تبتكر آلاف الأمثال والتحذيرات المتعلقة بالخيانة وتقلب الأحوال وتبدل النفوس والمفاجآت عبثاً. إنها، في جانب منها، أرشيف طويل لتجربة الإنسان مع عدم قابلية الإنسان نفسه للتنبؤ الكامل.
ومن هنا يمكن إعادة صياغة المقولتين في عبارة واحدة: حين تتعامل مع الإنسان، احتفظ دائماً بهامش لما لا تعرفه، وهذا الهامش ليس اتهاماً للإنسان، وإنما هو اعتراف بتركيبه. وليس دعوة إلى الخوف منه، وإنما إلى عدم اختزاله في تمثلاتنا عنه. وليس إنكاراً لإمكان الثقة، وإنما إنكار لإمكان اليقين المطلق.
فالإنسان، من المنظور الميتابايولوجي، هو ليس مجرد كائن تحركه حاجاته، وإنما هو كائن تحركه أيضاً تمثلاته لحاجاته، وتمثلاته للآخرين، وتمثلاته لنفسه، وتمثلاته لما ينبغي أن يكون عليه العالم. ولهذا يستطيع أن يفاجئ الآخرين، وأن يفاجئ نفسه أيضاً!
وعندئذ لا تعود الفطنة في أن “لا تثق بأحد”، بل في ألا تجعل ثقتك ادعاءً بمعرفة كاملة بمن تثق به. ولا تعود الفطنة في أن “تتوقع غير المُتوقع”، بل في أن تبني توقعاتك وأنت تعرف أن الواقع أكبر دائماً من النموذج الذي صنعته له في ذهنك. وبذلك قد تكون أعمق نصيحة تختبئ خلف المقولتين معاً هي أبسط من كل منهما:
ثق، ولكن لا تستبدل الإنسان بتمثّلك له؛ وتوقّع، ولكن لا تستبدل المستقبل بتوقعك عنه.

أضف تعليق