في التاريخ المنسي للطرق التي لم تسلكها المعرفة البشرية

نحن نميل إلى قراءة تاريخ العلم كما لو كان طريقاً واحداً طويلاً بدأ بالجهل وانتهى، عبر سلسلة متصلة من الاكتشافات، إلى الحضارة العلمية والتكنولوجية التي نعيش فيها اليوم. فنستعرض أسماء العلماء، ونرتب الاكتشافات بحسب تواريخها، ثم نصل بينها بخط يبدو، من موقعنا الحاضر، واضح الاتجاه يتجلى في اكتشاف قاد إلى اكتشاف، ونظرية مهدت لنظرية، وتجربة فتحت الباب أمام تقنية، حتى تشكل العالم الذي نعرفه. ولكن الدراسة المتأنية لحوليات العلم، ودفاتر الباحثين، وأدبيات التاريخ الفكري، وتقارير الرحلات والتجارب والمشاهدات، قد تكشف لنا صورة أكثر تعقيداً بكثير. فما وصل إلينا بوصفه «تاريخ العلم» ليس تاريخ كل ما لاحظه الإنسان أو بحثه أو فكر فيه، وإنما هو، إلى حد بعيد، تاريخ ما واصل الإنسان البحث فيه!
وخلف هذا التاريخ الظاهر يمتد تاريخ آخر يكاد يكون غير مكتوب: تاريخ الأسئلة التي طُرحت ثم تُركت، والملاحظات التي سُجلت ولم تُتابع، والتجارب التي أسفرت عن نتائج غريبة ثم لم تتكرر، والظواهر التي لم تنسجم مع الإطار النظري السائد فوضعت جانباً، والبحوث التي وعد أصحابها أو من جاء بعدهم بالعودة إليها ثم لم يعودوا، والطرق التي بدت في لحظة تاريخية معينة أقل قيمة معرفية من طرق أخرى، فانقطعت عند بداياتها. ومن هنا يبرز سؤال قد يبدو افتراضياً، ولكنه يمس صميم فهمنا للحضارة: كيف كانت لتغدو حضارتنا لو أن البشر اختاروا، من بين الكم الهائل من ملاحظاتهم ونتائج أبحاثهم، مجموعة أخرى غير تلك التي اختاروها بالفعل؟ فالمعرفة البشرية ليست عملية جمع محايدة لكل ما يمكن معرفته. فمنذ اللحظة التي أصبح فيها حجم الملاحظات والأسئلة والظواهر أكبر من قدرة الإنسان على متابعتها جميعاً، أصبح الاختيار ضرورة لا مفر منها. فلا يستطيع مجتمع أن يبحث في كل شيء بالعمق نفسه. ولا يستطيع عالِم أن يتابع كل نتيجة تظهر أمامه. ولا تستطيع مؤسسة علمية أن تمول كل سؤال، أو تعيد كل تجربة، أو تطارد كل ظاهرة شاذة، أو تحتفظ بكل طريق بحثي مفتوحاً إلى ما لا نهاية. ولذلك فإن تاريخ العلم ليس تاريخ الاكتشاف فحسب؛ إنه أيضاً تاريخ “الانتقاء”.
ففي كل مرحلة كان لا بد من اتخاذ قرار، صريحاً أو ضمنياً: كهذا السؤال يستحق أن نتابعه، وذاك يمكن تأجيله. وهذه النتيجة مهمة، وتلك هامشية. وهذه الظاهرة يمكن إدخالها في برنامج بحثي متكامل، وتلك لا نملك الأدوات أو المفاهيم أو الموارد اللازمة لفهمها الآن.
وقد تكون هذه الاختيارات مبررة تماماً في لحظتها التاريخية. لكن تراكمها عبر القرون يعني شيئاً بالغ الدلالة المعرفية: أن الحضارة التي نعيش فيها لم تنشأ من «كل المعرفة التي كانت متاحة للإنسان»، وإنما من “مسارات منتقاة من الإمكان المعرفي البشري”.
قد تكمن المفاجأة في مراجعة الوثائق القديمة لا فيما نعرف أنه اكتُشف، وإنما فيما نجد أنه لوحظ ثم اختفى من مسار البحث. فقد يسجل باحث ظاهرة غير متوقعة في هامش تجربته، ثم يمضي إلى الموضوع الذي كان يبحث فيه أصلاً. وقد يذكر عالِم نتيجة لا يستطيع تفسيرها، ويتركها لمن يأتي بعده. وقد تظهر ملاحظة في تقرير قديم لا تلفت الانتباه لأنها لم تكن ذات صلة بالسؤال المركزي لذلك العصر. وقد يبدأ خط بحث كامل، ثم تتغير الأولويات العلمية أو الاقتصادية أو السياسية، فيتوقف التمويل وينصرف الباحثون إلى غيره. وهكذا لا تموت الفكرة دائماً لأنها دُحضت، بل أحياناً تموت لأنها لم تُتابع.
وهذا تمييز بالغ القيمة المعرفية. فهناك فرق هائل بين أن يدرس العلم ظاهرة دراسة مستفيضة ثم يثبت أنها غير موجودة أو أن تفسيراً معيناً لها خاطئ، وبين أن تختفي الظاهرة من الاهتمام لأن أحداً لم يعد يسأل عنها.
وما أكثر ما يمكن أن يوجد في تاريخ المعرفة في المنطقة الواقعة بين هذين الاحتمالين.
ولكن الأمر يصبح أكثر إثارة حين ندرك أن اختيار موضوع للبحث لا يؤدي فقط إلى زيادة معرفتنا به، وإنما يخلق حوله منظومة كاملة من المعرفة. فحين نختار ظاهرة معينة، تبدأ المختبرات في دراستها، وتتطور الأدوات اللازمة لقياسها، وتُصاغ المصطلحات لوصفها، وتظهر التخصصات المرتبطة بها، وتُكتب الرسائل الجامعية حولها، وتُنشأ المجلات العلمية لنشر أبحاثها، ثم تبدأ التطبيقات التقنية والاقتصادية في الظهور من داخلها. وبعد قرن أو قرنين قد تبدو تلك الظاهرة لنا بالغة الدلالة، حتى نكاد نعتقد أن قيمتها المعرفية كانت بديهية منذ البداية. لكن جزءاً من قيمتها الحالية قد يكون نتيجة لكوننا اخترناها أصلاً.
وفي المقابل، فإن الظاهرة التي لم تُختر لا تحصل على هذه السلسلة التراكمية من الاهتمام. فلا تتطور أدوات قياسها، ولا تتشكل اللغة العلمية الدقيقة لوصفها، ولا تظهر المؤسسات المتخصصة في دراستها، ومن ثم تبدو، بعد أجيال، أكثر غموضاً وأقل قابلية للبحث؛ فيزداد اقتناعنا بأنها لم تكن تستحق الاهتمام منذ البداية.
وهنا تظهر دائرة معرفية مثيرة: نبحث فيما نعده مهماً، ثم يصبح مهماً لأننا بحثنا فيه. ونهمل ما نعده هامشياً، ثم يبدو هامشياً لأننا أهملناه!
يمكننا، بهذا المعنى، أن نتخيل تاريخ المعرفة كشجرة هائلة من الاحتمالات. وعند كل عقدة منها كانت هناك طرق متعددة. فسار الإنسان في أحدها، أو في بعضها، وترك طرقاً أخرى. والطريق الذي سار فيه تفرع بدوره إلى طرق جديدة، ثم اختار منها، واستمر هذا التفرع والانتقاء آلاف السنين. والحضارة المعاصرة تقف عند نهاية بعض هذه الفروع.
لكن وجودنا في نهاية فرع معين لا يعني أن بقية الفروع كانت ستقود بالضرورة إلى طرق مسدودة. فبعضها كان كذلك بلا شك. وبعض النتائج المهملة كانت أخطاء، وبعض المشاهدات لم تكن سوى أوهام أو عيوب في القياس، وبعض الفرضيات استحقت أن تُترك. ولذلك سيكون من الخطأ الرومانسي أن نفترض أن أرشيف العلم يخفي كنوزاً من الحقائق التي تجاهلها العلماء. ولكن سيكون من الخطأ المقابل أيضاً أن نفترض أن كل ما لم يدخل في التيار الرئيس للمعرفة قد جرى فحصه بما يكفي ثم رفضه. فهناك فئة ثالثة أكثر إثارة للاهتمام: ما لم نعرف إن كان يستحق المتابعة، لأننا لم نتابعه بما يكفي لكي نعرف ذلك. وهذه الفئة هي التي تجعل السؤال عن «الحضارات الممكنة» سؤالاً معرفياً مشروعاً.
لنتخيل أن ظاهرة ما ظهرت قبل ثلاثة قرون، وأن عدداً قليلاً من الباحثين سجلوها، لكن تطورات أخرى استحوذت على اهتمام المؤسسات العلمية. فتوقفت الأبحاث المتعلقة بها، بينما تدفقت الموارد إلى مسار آخر.
والمسار الثاني ينتج بعد خمسين عاماً أجهزة جديدة. وهذه الأجهزة تتيح اكتشافات إضافية. والاكتشافات الجديدة تنشئ صناعة. والصناعة تمول المزيد من الأبحاث. وبعد قرنين يصبح ذلك المسار ركناً من أركان الحضارة. أما المسار الأول فقد بقي بضعة أسطر في دفتر قديم. والسؤال الذي يستحيل علينا الإجابة عنه الآن هو: ماذا كان سيحدث لو انعكست الأولويات؟ ربما لم يكن سيحدث شيء. وربما كان البحث سيثبت سريعاً أن الظاهرة الأولى بلا أهمية. ولكن ربما كان سيولد منها علم لم يوجد، ومن ذلك العلم تقنيات لم تُخترع، ومن تلك التقنيات شكل مختلف من الاقتصاد والحياة اليومية، وربما تصور مختلف تماماً للإنسان والطبيعة. فنحن لا نستطيع معرفة الحضارة البديلة، لأن الأدوات التي كان يمكن أن تكشفها هي نفسها الأدوات التي لم تُطوَّر. وهذه واحدة من أعمق مفارقات المسارات العلمية المهجورة.
لهذا ربما نحتاج، إلى جانب تاريخ العلم المعروف، إلى مبحث آخر يمكن تسميته “تاريخ اللااختيار العلمي”، ليس هو تاريخ الخرافات التي دحضها العلم، وإنما تاريخ الأسئلة والظواهر والنتائج التي لم تحصل أصلاً على فرصة كافية لكي نعرف إلى ماذا كانت ستقود. سيكون هذا التاريخ معنياً بالسؤال: ما الذي رآه أسلافنا ثم لم نعد ننظر إليه؟ وما التجارب التي توقفت قبل أن تستنفد إمكاناتها؟ وما الأسئلة التي كانت موجودة ثم اختفت من أجندة المعرفة؟ وما الأسباب التي جعلت طريقاً بحثياً ينتصر على آخر؟
وقد تكشف مثل هذه الدراسة أن أسباب الاختيار لم تكن معرفية دائماً. فالحرب تحدد أولويات البحث. والسوق يحددها. والدولة تحددها. والقدرات التقنية المتاحة تحددها. والمؤسسات الأكاديمية تحددها. بل وحتى اللغة العلمية السائدة في عصر ما قد تجعل بعض الأسئلة قابلة للصياغة، بينما تجعل أسئلة أخرى عصية على التعبير.
وهكذا قد يكون ما نسميه «تقدم المعرفة» مزيجاً بالغ التعقيد من اكتشاف الحقيقة ومن الانتقاء التاريخي للطرق المؤدية إليها.
وهنا تتغير نظرتنا إلى الحضارة المعاصرة نفسها. فالسيارة والطائرة والحاسوب والإنترنت والهندسة الجينية والذكاء الاصطناعي ليست مجرد قائمة من الاختراعات؛ إذ أنها الثمار البعيدة لسلسلة هائلة من الاختيارات البحثية السابقة. وكل ثمرة منها قامت على فروع معرفية استمرت في النمو لأن أجيالاً متعاقبة قررت، بصورة أو بأخرى، مواصلة الاستثمار فيها. لذلك قد لا تكون حضارتنا النتيجة الحتمية الوحيدة لتطور المعرفة البشرية، بل هي إحدى الحضارات الممكنة التي أنتجها أحد المسارات الممكنة للمعرفة. ولو تغيرت بعض الاختيارات قبل مئتي سنة أو خمسمئة سنة، فلربما لم يكن الاختلاف محصوراً في نوع الأجهزة التي نستخدمها، وإنما ربما اختلفت بنية الحضارة ذاتها في مصادر طاقتها، ووسائل انتقالها، وطبها، وعلاقتها بالطبيعة، ومفهومها للحياة، بل والأسئلة التي يعدها إنسانها بديهية أو مهمة.
ولعل أغرب ما في الأمر أننا لا نستطيع حتى تخيل كثير من تلك الحضارات الممكنة؛ لأن خيالنا نفسه تشكل داخل الحضارة التي أنتجها المسار الذي سلكناه.
ومن هنا يمكن أن تكتسب العودة إلى الأرشيف العلمي القديم معنى جديداً. فهي لا ينبغي أن تكون بحثاً ساذجاً عن «حقائق ضائعة» ولا محاولة لإحياء كل فكرة هجرها العلم. فمعظم الطرق المهجورة ربما هُجرت لأسباب وجيهة، وإعادة فحصها ينبغي أن تخضع للصرامة المنهجية نفسها التي نخضع لها أي ادعاء علمي معاصر. لكننا نستطيع أن نطرح سؤالاً أكثر تواضعاً وأشد خصوبة: هل توجد في تاريخ المعرفة نتائج أو ملاحظات أو ظواهر لم تُدحض، وإنما انقطع فقط مسار الاهتمام بها؟ فإذا وجدت مثل هذه الحالات، فإن العودة إليها بالأدوات المعاصرة قد تكون جديرة بالمحاولة؛ لأننا لن نعود إليها بالعقول والأجهزة التي كانت متاحة قبل قرون، وإنما بمعارف وتقنيات ووسائل قياس وتحليل لم يكن أصحابها الأوائل يستطيعون حتى تصورها. وبهذا المعنى، قد لا يكون أرشيف العلم مجرد مقبرة للأفكار القديمة. فربما يكون أيضاً مستودعاً لأسئلة المستقبل.
إن السؤال: «كيف كانت لتغدو حضارتنا لو أننا اخترنا نتائج أخرى؟» لا يمكن الإجابة عنه تاريخياً، لأننا لا نستطيع إعادة تشغيل التاريخ بشروط مختلفة. ولكنه يفضي إلى سؤال أكثر قيمة معرفية يتعلق بالمستقبل: كم نتيجة نضعها جانباً اليوم ستبدو ذات قيمة لإنسان يعيش بعد مئتي سنة؟ وكم ظاهرة نمر عليها الآن لأنها لا تنسجم مع اهتماماتنا أو أدواتنا أو نماذجنا السائدة، بينما كان يمكن أن تصبح، لو بدأنا متابعتها، نقطة البداية لمسار معرفي جديد؟
إن أعظم درس يمكن أن نتعلمه من تاريخ الطرق العلمية التي لم نسلكها ليس أن أسلافنا أخطأوا في اختياراتهم؛ فقد اختاروا ضمن حدود عصرهم، كما نفعل نحن ضمن حدود عصرنا.
والدرس الأكثر إزعاجاً هو أننا نفعل الآن الشيء نفسه. فنحن أيضاً نختار من بين آلاف الأسئلة عدداً قليلاً. ونمنح بعض الظواهر مؤسسات ومختبرات وتمويلاً وعقوداً من العمل المتراكم، بينما نترك غيرها في الهوامش. وبعد قرون قد ينظر أحفادنا إلى أرشيف عصرنا فيجدون بين أوراقه ملاحظة صغيرة أو تجربة منسية أو سؤالاً لم يتابعه أحد، ثم يتساءلون بدهشة: كيف استطاعوا أن يروا هذا… ثم يمضوا؟
وربما كانت إحدى أكثر الأفكار إثارة التي يمكن أن يضعنا أمامها تاريخ العلم هي أن الحضارة التي نعيش فيها ليست حصيلة الأشياء التي اكتشفناها وحدها، بل حصيلة الأشياء التي قررنا الاستمرار في البحث عنها. أما الأشياء التي لم نخترها، فلا نعرف ما العوالم التي كانت تختبئ خلفها.
ولعل بعض الحضارات الممكنة التي نظن أنها لم توجد قط، لم تكن تحتاج إلى تاريخ بشري مختلف تماماً كي تظهر. فربما كانت تحتاج فقط إلى أن يختار أحد أسلافنا، في لحظة بعيدة من تاريخ المعرفة، ورقة أخرى من فوق مكتبه ويقول: لنؤجل هذه، ولنرَ إلى أين تقودنا تلك.

أضف تعليق