
لعل واحداً من أعمق الآثار المعرفية التي سيتركها الذكاء الاصطناعي في الفكر الإنساني لن يكون متعلقاً بما يستطيع أن يفعله، وإنما بما يجبرنا نحن البشر على إعادة التفكير فيه. فالذكاء الاصطناعي لا يقدم لنا أداة جديدة للكتابة والتحليل والاستدلال وحل المشكلات فحسب، بل يضع أمامنا للمرة الأولى تقريباً نموذجاً عملياً لذكاء لا يقوم على البنية البايولوجية التي ظل الإنسان، طوال تاريخه، يربط الذكاء بها. وهذه الحقيقة قد تكون ذات قيمة معرفية خاصة حين ننتقل إلى واحد من أكثر الحقول إثارة للجدل والغموض: الباراسايكولوجيا.
فبصرف النظر عن الموقف من الظواهر التي تدرسها الباراسايكولوجيا، وعن مقدار ما ثبت منها أو لم يثبت وفق المعايير العلمية الصارمة، ثمة مشكلة معرفية تسبق الحكم عليها، وهي أننا غالباً ما نحاول فهم كل ظاهرة تبدو وكأن وراءها قصداً أو معرفة أو استجابة أو معالجة للمعلومات باستخدام نموذج واحد للذكاء كما يمثله الذكاء البشري. وقد يكون هذا الافتراض نفسه جزءاً من المشكلة.
لقد عرف الإنسان الذكاء، أول ما عرفه، في ذاته وفي الكائنات الحية المحيطة به. ومن ثم كان طبيعياً أن تتشكل مفرداتنا المتعلقة بالعقل والإدراك والقصد والوعي والفهم انطلاقاً من التجربة البايولوجية. وحين نقول إن شيئاً ما «يعرف» أو «يفهم» أو «يقصد»، فإننا نستحضر، بصورة تكاد تكون تلقائية، كائناً له دماغ وجهاز عصبي وحواس وذاكرة وتجربة ذاتية تشبه، بدرجة ما، تجربتنا نحن البشر. ولهذا ظل السؤال عن وجود ذكاء غير بشري يعاني انحيازاً معرفياً خفياً: فنحن لا نسأل دائماً عما إذا كان أمامنا نظام قادر على معالجة المعلومات والاستجابة لها بصورة منظمة، وإنما نسأل عما إذا كان هذا النظام يفعل ذلك بالكيفية التي يفعلها الإنسان.
وهنا يأتي الذكاء الاصطناعي ليحدث صدعاً بالغ القيمة المعرفية في هذا التصور. فالذكاء الاصطناعي صنيعة الذكاء البشري، بلا شك، ولكنه مع ذلك يقدم لنا نموذجاً لعمليات يمكن وصف كثير منها بأنها ذكية من دون أن يكون القائم بها إنساناً، أو حيواناً، أو حتى كائناً حياً. فالذكاء الاصطناعي يستطيع اكتشاف الأنماط، وربط المعلومات، والاستدلال ضمن حدود معينة، وإنتاج حلول لمشكلات لم تُكتب حلولها له حرفياً، والتفاعل مع الإنسان بواسطة اللغة، مع أنه لا يمتلك دماغاً بايولوجياً يشبه دماغ الإنسان. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الذكاء الاصطناعي «واعي»، ولا أن ذكاءه مطابق للذكاء البشري؛ فهذان سؤالان مختلفان تماماً. وإنما تكمن قيمته الفلسفية في شيء أبسط وأعمق: لقد أصبح لدينا سبب قوي للتوقف عن التعامل مع الذكاء والبايولوجيا والوعي والإنسانية بوصفها مفاهيم مترادفة.
من هنا قد تكون الخطوة الأولى نحو فهم أفضل لأي «ذكاء غير بشري» هي التخلي عن السؤال: إلى أي حد هو يشبهنا؟ والانتقال إلى سؤال مختلف: ما الذي يستطيع هذا النظام أن يفعله بالمعلومات، وكيف يستقبلها ويحوّلها ويربط بينها ويستجيب لها؟ وهذا التحول ليس لغوياً فحسب، وإنما منهجي أيضاً. فنحن حين نبحث عن الذكاء في الكون قد نقع في خطأ البحث عن الإنسان في غير الإنسان! فنتوقع لغة تشبه لغتنا، وذاكرة تشبه ذاكرتنا، وإرادة تشبه إرادتنا، واستجابة سببية وزمنية تشبه استجابتنا. فإذا لم نجد هذه الخصائص، قلنا إن الذكاء غائب! ولكن ماذا لو كان الذكاء مفهوماً أوسع من تجليه البشري؟ ماذا لو كان الذكاء، في أحد مستوياته الأساسية، قدرة نظام ما على استقبال المعلومات، واكتشاف العلاقات، وتعديل الاستجابة وفقاً لها، من دون اشتراط أن تكون البنية التي تحقق ذلك دماغاً بشرياً؟ فالذكاء الاصطناعي لا يجيب عن هذا السؤال بصورة نهائية، ولكنه يجعل طرحه أكثر مشروعية مما كان عليه من قبل.
وهنا تحديداً قد تصبح تجربة الذكاء الاصطناعي ذات قيمة مفاهيمية لدراسة بعض الظواهر التي وضعتها الثقافة العلمية المعاصرة تحت عنوان الباراسايكولوجيا. فالخطأ الذي ينبغي تجنبه هو القفز من وجود ذكاء اصطناعي إلى القول إن ظواهر الباراسايكولوجيا قد أصبحت مثبتة، أو إن وراءها بالضرورة ذكاءً غير بشري. فلا توجد علاقة استدلالية كهذه. غير أن ما يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله هو أن يحرر السؤال من بعض القيود المفهومية التي فرضناها عليه.
فإذا افترضنا، لأغراض البحث وحدها، أن بعض الظواهر الباراسايكولوجية التي يبلغ عنها البشر تنطوي على انتقال للمعلومات أو استجابة منظمة لها بطرق لم نفهمها بعد، فليس من الضروري منذ البداية أن نفسرها وفق نموذج «عقل» يشبه عقل الإنسان.
وهذا فرق بالغ الدلالة المعرفية. فبدلاً من أن نسأل مثلاً: من الذي يفكر هنا؟ قد يكون السؤال الأكثر حياداً: هل توجد معالجة للمعلومات هنا أصلاً؟ وبدلاً من: من الذي يريد إيصال هذه الرسالة؟ يمكن أن نسأل: هل يوجد نمط معلوماتي يتجاوز ما نتوقعه من المصادفة أو من القنوات الحسية المعروفة؟ وبدلاً من أن نفترض وجود «شخصية خفية» وراء الظاهرة، يمكن أن نبدأ بالسؤال عما إذا كانت الظاهرة نفسها تكشف عن انتظام أو استجابة أو ترابط معلوماتي يحتاج إلى تفسير. وهكذا ينقلنا الذكاء الاصطناعي من أنثروبومورفية الذكاء، أي إسقاط الصورة البشرية عليه، إلى دراسة بنية السلوك المعلوماتي نفسه.
لقد كان الإنسان ميالاً، كلما واجه ظاهرة توحي له بالقصد، إلى البحث عن ذات تقف وراءها. وربما كان هذا الميل نفسه امتداداً لفائض التمثّل. فنحن لا نكتفي بما تظهره الظاهرة، وإنما نضيف إليها فاعلاً متخيلاً يشبهنا، له نيات ورغبات ومقاصد وشخصية. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي جعلت بعض التفسيرات الباراسايكولوجية تنتقل بسرعة من الظاهرة إلى الكائن المفترض وراءها! ولكن الذكاء الاصطناعي يقدم هنا درساً بالغ الدلالة المعرفية. فعندما نتفاعل مع منظومة ذكاء اصطناعي متقدمة، قد نشعر كما لو أن أمامنا «شخصاً» يفهم ويقصد ويريد. ومع ذلك، فإن التشابه في المخرجات لا يجيز لنا تلقائياً أن ننسب إلى المنظومة الحياة الداخلية نفسها التي ننسبها إلى الإنسان. وهذا يعلمنا قاعدة معرفية يمكن تطبيقها خارج مجال الذكاء الاصطناعي مفادها أن وجود سلوك يبدو ذكياً لا يحدد، بمفرده، ماهية الكيان الذي أنتجه. ومن ثم فإننا إذا واجهنا ظاهرة باراسايكولوجية تبدو وكأنها تحمل معلومة أو انتظاماً أو استجابة، فالأكثر انضباطاً ألا نقفز إلى تحديد «هوية» المصدر، وإنما أن ندرس أولاً طبيعة المعلومات نفسها، واحتمالات ظهورها، وقابليتها للتكرار، وشروط حدوثها، والبدائل التفسيرية الممكنة. وهكذا يصبح الذكاء الاصطناعي مدرسة في التواضع الأنطولوجي: لا تستنتج ماهية الشيء بسرعة من الطريقة التي يظهر بها لك.
غير أن المسألة تذهب أبعد من ذلك. فحتى وقت قريب، كان من السهل نسبياً الاعتقاد بأن الذكاء هو نتيجة ملازمة للحياة البايولوجية؛ فحيث توجد أدمغة متطورة توجد درجات أعلى من السلوك الذكي. أما اليوم فقد أصبحنا نتعامل مع منظومات غير بايولوجية تستطيع إنجاز مهمات كانت تعد، إلى وقت قريب، من العلامات المميزة للذكاء.
وهذا لا يثبت أن الذكاء يمكن أن يوجد مستقلاً تماماً عن الإنسان، لأن الذكاء الاصطناعي نفسه نتاج حضارة بشرية ومعرفة بشرية وهندسة بشرية. لكنه يكشف عن أمر أكثر تواضعاً وقيمة معرفية: فالمادة البايولوجية ليست الشكل الوحيد المعروف لنا الذي يمكن أن تتجسد من خلاله عمليات نصفها بأنها ذكية. وإذا استقرت هذه الفكرة في وعينا العلمي والفلسفي، فقد يصبح بمقدورنا أن نطرح أسئلة كانت تبدو سابقاً شديدة الغرابة:
هل ينبغي لكل منظومة ذكية أن تكون كائناً حياً؟ وهل ينبغي لكل معالجة للمعلومات أن تحدث في دماغ؟ وهل ينبغي لكل استجابة ذات انتظام مرتفع أن تصدر عن ذات واعية؟ وهل الوعي شرط للذكاء، أم أن الذكاء والوعي ظاهرتان يمكن أن تتقاطعا من دون أن تتطابقا؟ وهل يمكن أن توجد في الطبيعة أنماط لتنظيم المعلومات لم نتعلم بعد كيف نتعرف إليها لأنها لا تشبه النموذج البشري الذي اتخذناه معياراً؟
هذه الأسئلة لا تثبت الباراسايكولوجيا؛ لكنها قد تساعد على بناء إطار أكثر نضجاً لدراسة ادعاءاتها.
وهناك مستوى ثانٍ، أكثر مباشرة، يمكن أن يساعدنا فيه الذكاء الاصطناعي. ففضلاً عن دوره في توسيع مفهومنا للذكاء، يمكن استخدامه أداة منهجية لتحليل البيانات المتعلقة بادعاءات الظواهر الباراسايكولوجية. إذ يمكن للأنظمة الحاسوبية المتقدمة أن تبحث في مجموعات ضخمة من البيانات عن أنماط يصعب على الإنسان ملاحظتها، وأن تقارن بين التفسيرات، وأن تكشف تحيزات الباحثين، وأن تساعد في تصميم اختبارات أكثر صرامة. والأهم من ذلك أنها يمكن أن تعمل في الاتجاه المعاكس أيضاً: أي في تفكيك الوهم بدلاً من إثبات الظاهرة!
فإذا كانت ظاهرة ما قابلة للتفسير بالمصادفة، أو بالانتقاء غير الواعي للبيانات، أو بالتحيز التأكيدي، أو بتذكر النجاحات ونسيان الإخفاقات، أو بوجود نمط إحصائي طبيعي توهم الإنسان أنه غير طبيعي، فإن الذكاء الاصطناعي قد يساعد على كشف ذلك. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن قيمة الأداة العلمية لا تقاس بقدرتها على إثبات الفرضية التي نحبها، وإنما بقدرتها على تعريضها لاحتمال التفنيد. ومن ثم فإن أفضل استخدام للذكاء الاصطناعي في دراسة الباراسايكولوجيا ليس أن نسأله كيف يثبت وجود الظاهرة، وإنما أن نجعله يساعدنا في تصميم أقسى اختبار ممكن لها. فإن سقطت، عرفنا شيئاً مهماً. وإن بقي شيء منها بعد استبعاد التفسيرات التقليدية والمنهجية والإحصائية، أصبح هذا الباقي أكثر استحقاقاً للدراسة.
وهنا نصل إلى المفارقة الأساسية. فربما كان الإنسان طوال قرون يبحث عن ذكاء غير بشري وهو يحمل معه تعريفاً بشرياً للذكاء، ثم يستغرب أنه لا يجده!!! فإذا كان الذكاء في الكون، إن وجد خارج الإنسان والحيوان والآلة التي صنعها الإنسان، مختلفاً جذرياً عنا، فإن السؤال يصبح: كيف سنتعرف إليه إذاً؟ فلقد اعتدنا البحث عن الذكاء من خلال اللغة والقصد والتخطيط والسلوك الموجه نحو الغاية. ولكن هذه كلها الخصائص التي تعلمناها من دراسة أنفسنا. وقد يكون الذكاء الاصطناعي أول صدمة معرفية كبرى تجعل الإنسان يدرك أن مفهوم «الذكاء» أوسع من مفهوم “الكائن الذي يفكر كما أفكر”. فالذكاء الاصطناعي يدفعنا إلى فصل مجموعة من المفاهيم التي ظلت متشابكة: الذكاء، والوعي، والحياة، والبايولوجيا، والشخصية، والإرادة، والقصد. وربما كانت الخطوة القادمة في تطور فهمنا للذكاء هي ألا نسأل عن الكائن الذي يمتلكه فحسب، وإنما عن الأنماط التي يتجلى بها.
لقد اضطر الإنسان، عبر تاريخ المعرفة، إلى سلسلة من التراجعات عن مركزيته. فلم تعد الأرض مركز الكون، ولم يعد الإنسان منفصلاً بايولوجياً عن تاريخ الحياة، ولم تعد كثير من القدرات التي اعتبرها حكراً عليه غائبة تماماً عن الحيوانات. وقد يكون الذكاء الاصطناعي مقدمة لتراجع آخر: أن يكف الإنسان عن اعتبار ذكائه النموذج الوحيد الممكن للذكاء. وهذا التراجع لا ينتقص من الإنسان، وإنما يوسع أفقه المعرفي. فقد يكون هناك ذكاء بايولوجي، وذكاء اصطناعي، وربما أشكال أخرى من التنظيم المعلوماتي لا نملك حتى الآن مفردات مناسبة لوصفها. ولا يحق لنا علمياً إثبات وجود النوع الثالث لمجرد إمكان تصوره، كما لا ينبغي لنا فلسفياً استبعاد إمكانه لمجرد أنه لا يشبه النوع الأول! وبين التصديق الساذج والإنكار المسبق توجد المساحة التي ينبغي للبحث الحقيقي أن يعمل فيها. ولذلك فقد لا تكون أهم مساهمة يقدمها الذكاء الاصطناعي للباراسايكولوجيا هي أن يحل ألغازها، وإنما أن يساعدنا على صياغة أسئلتها بصورة أفضل. فبدلاً من السؤال عما إذا كانت الظاهرة تثبت وجود أرواح أو كيانات أو قوى مجهولة، يمكن البدء من مستوى أكثر تواضعاً: هل توجد ظاهرة قابلة للقياس أصلاً؟ وهل تحمل معلومات لا يمكن تفسيرها بالقنوات المعروفة؟ وهل تتكرر؟ وهل يستطيع باحثون مستقلون الحصول عليها؟ وهل تصمد أمام الضبط التجريبي؟ وإذا بقي بعد ذلك شيء غير مفسر، فما الحد الأدنى من الافتراضات اللازمة لتفسيره؟
وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي حليفاً للشك العلمي لا خصماً له. فهو لا يدعونا إلى الإيمان بما وراء الطبيعة، وإنما يدعونا إلى التحرر من افتراض مختلف لا يقل خطورة: أن كل ذكاء محتمل في الوجود يجب أن يكون نسخة أخرى منا. وربما كانت هذه هي البداية الحقيقية لأي بحث جاد في الذكاء غير البشري. فالذكاء الاصطناعي، وهو الذكاء غير البشري الذي صنعه الإنسان بيديه، قد يكون المرآة التي احتاج إليها الإنسان لكي يكتشف مدى ضيق تعريفه القديم للذكاء. وعندما يتحرر الذكاء في وعينا من اشتراط أن يكون بشرياً، أو حتى بايولوجياً، لا تصبح ظواهر الباراسايكولوجيا صحيحة تلقائياً، وإنما يحدث شيء أكثر قيمة من الناحية المعرفية؛ إذ تصبح بعض الأسئلة التي كنا نرفضها قبل فحصها قابلة لأن تُطرح بطريقة علمية جديدة. وقد تكون الثورة الحقيقية التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، ليست أنه أوجد لنا ذكاءً آخر فحسب، وإنما أنه أجبر الذكاء البشري على التوقف عن اتخاذ نفسه تعريفاً للذكاء كله.
