
لعل هذا السؤال واحد من أكثر الأسئلة التي وُجّهت إليّ، وهو سؤال يبدو، للوهلة الأولى، منطقياً تماماً. فما جدوى الكتابة إذا لم تجد قارئاً؟ وما قيمة أن يمضي الإنسان ساعات طويلة في التفكير والبحث والصياغة والمراجعة، ثم يضع ما كتبه في فضاء قد لا يأتيه منه تعليق، ولا نقد، وربما لا يجد فيه ما يدل حتى على أن أحداً قد قرأ؟ ولقد كان جوابي عن هذا السؤال دائماً بسيطاً، وإن كان ينطوي، في اعتقادي، على معنى يتجاوز بساطته: إني أكتب لعلّ أحداً يقرأ ما أكتب. ولعل هذا القارئ، إن جاء، لا يكتفي بالقراءة، بل يعترض، ويناقش، وينتقد، ويشير إلى موطن ضعف لم أنتبه إليه، أو تناقض لم أره، أو حقيقة غابت عني، أو طريق كان يمكن أن يقود الفكرة إلى نتيجة أكثر إحكاماً من النتيجة التي انتهيت إليها. ولذلك فإنني، حين أنشر ما أكتب، لا أبحث بالضرورة عمّن يقول لي إنني على صواب؛ فقد يكون أكثر القراء نفعاً لي هو ذلك الذي يستطيع أن يبين لي، بحجة معرفية جادة، أين أخطأت. فالانتقاد المعرفي ليس خصومة مع الفكرة، وإنما قد يكون واحداً من أهم الموارد التي تحتاج إليها لكي تتطور. والفكرة التي لا تتعرض للاعتراض قد تبقى مطمئنة إلى نفسها أكثر مما ينبغي، أما الفكرة التي تضطر إلى الدفاع عن نفسها أمام الأسئلة والاعتراضات، فإنها إما أن تكشف عن قدرتها على الصمود، أو أن تكشف لصاحبها عن المواضع التي ينبغي له أن يعيد النظر فيها.
وفي الحالين يكون النقد مَكسباً. ولهذا أكتب، لعل قارئاً لا أعرفه يرى فيما كتبت ما لم أره أنا، فيساعدني، حتى باعتراضه عليّ، على أن أجعل ما أكتبه أكثر منعة وإحكاماً. وليس ثمة ما يلزمني بأن أحب كل نقد يوجّه إليّ، ولا بأن أقبل كل اعتراض، ولكنني أحتاج إلى أن أظل مستعداً لأن أجد في النقد الصحيح شيئاً لم أكن لأصل إليه وحدي.
غير أن هذا ليس سوى أحد أسباب الكتابة. فماذا لو لم يقرأ أحد؟ وماذا لو قرأ الناس ولم يعلّقوا؟ وماذا لو مرّت الكتابة في صمت كامل؟ فهل تصبح عندئذ بلا جدوى؟ هنا تحديداً أجد أن السؤال الأول قد يكون مبنياً على تصور ضيق لوظيفة الكتابة، وذلك لأنه يفترض أن القيمة المعرفية للكتابة تبدأ بالقارئ، مع أن جزءاً بالغ الدلالة المعرفية منها يحدث قبل أن يصل النص إلى أي قارئ. فالكتابة ليست مجرد وسيلة لنقل ما أعرفه؛ فهي إحدى الوسائل التي أكتشف بها ما أعرف، وما لا أعرف، وما ينبغي عليّ أن أعرفه. فثمة أفكار تبدو واضحة مادامت في الذهن، فإذا حاولنا كتابتها اكتشفنا أن وضوحها كان وهماً. وثمة روابط بين الأشياء نشعر بها بصورة غامضة، ولكننا لا نعرف طبيعتها حتى نحاول التعبير عنها. وثمة أسئلة لا تظهر أصلاً إلا أثناء الكتابة، لأن الجملة تستدعي جملة، والحجة تكشف عن فجوة، والنتيجة تعيدنا إلى مقدمة كنا نظن أننا فرغنا من فحصها.
ولهذا فإنني حين أكتب لا أسجل حصيلة التفكير فحسب، وإنما أفكر بالكتابة نفسها.
إنني أضع أفكاري خارج ذهني لكي أستطيع النظر إليها. وما أن تصبح الفكرة نصاً حتى تغدو، بمعنى ما، شيئاً يمكنني أن أراجعه من مسافة، فأرى تناقضاته، وأختبر منطقه، وأقارن بين مقدماته ونتائجه، وأسأل نفسي إن كنت قد قلت ما كنت أريد قوله حقاً، أم أنني اكتشفت أثناء الكتابة أن ما ينبغي قوله مختلف عما كنت أظن.
ومن هنا تصبح الكتابة نوعاً من التشخيص المعرفي للذات. فهي تساعدني على تشخيص أفضل الطرق إلى معرفة ما ينبغي عليّ أن أعرفه. وهذا وحده يكفي لكي يجعل للكتابة قيمة حتى في غياب القارئ. ولكن ثمة برهاناً شخصياً يجعلني أكثر تمسكاً بهذا المعنى مفاده أنني حين أعود إلى ما كتبته قبل عشرين عاماً، ثم أقارنه بما أكتبه اليوم، أستطيع أن أرى المسافة التي قطعتها. ولا أعني بذلك أن ما أكتبه اليوم قد بلغ الحقيقة، ولا أن أفكاري الحالية ستكون بمنأى عن المراجعة بعد عشرين عاماً أخرى. بل لعل أجمل ما يمكن أن يحدث لي هو أن أعود بعد عشرين عاماً إلى ما أكتبه الآن فأرى فيه من النقص ما أراه اليوم في كتاباتي القديمة. لأن ذلك سيعني أنني واصلت التقدم. فإذا كان ما أكتبه اليوم أكثر نضجاً وإحكاماً وتطوراً معرفياً مما كتبته قبل عشرين عاماً، فإن هذا يمنحني سبباً وجيهاً لأن أواصل الكتابة اليوم؛ إذ لا شيء يمنع أن يكون ما سأكتبه بعد أعوام أكثر نضجاً مما أكتبه الآن. وعندئذ تصبح الكتابة سجلاً لا للأفكار وحدها، وإنما لتحولات العقل الذي ينتج تلك الأفكار. فكل نص أكتبه هو، بهذا المعنى، صورة مؤقتة لموقعي على طريق طويل. وقد تكون فيه أخطاء سأكتشفها، وافتراضات سأتخلى عنها، ومفاهيم سأعيد بناءها، وأسئلة سأكتشف لاحقاً أنني لم أطرحها بالطريقة الصحيحة. ولكن هذه الإمكانية لا تقلل من قيمة النص؛ بل لعلها هي التي تمنحه بعض قيمته. فما أكتبه اليوم ليس إعلاناً بأنني وصلت، وإنما توثيق للمكان الذي استطعت الوصول إليه حتى الآن. ولهذا فإنني لا أريد من الكتابة أن تكون نصباً أقيمه لأفكاري، بل سلّماً أستعمله لتجاوزها!
فأكتب الفكرة لكي أستطيع أن أرى حدودها، وأرى حدودها لكي أستطيع تجاوزها، ثم أكتب ما وصلت إليه من جديد، لكي يصبح هو الآخر قابلاً للمراجعة والتجاوز. وهكذا لا تعود الكتابة فعلاً يهدف إلى تثبيت المعرفة، وإنما تصبح جزءاً من حركة المعرفة نفسها. وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل غياب القراء أقل إحباطاً مما قد يتصور البعض! نعم، أريد قارئاً. وأريد نقداً. وأريد حواراً معرفياً حقيقياً. وسيكون من العبث أن أدعي أن الكاتب لا يعنيه أن يُقرأ. إنني أكتب لعل أحداً يقرأ ما أكتب، ولعل هذا الأحد يرى شيئاً يستحق المناقشة، ولعل مناقشته تساعدني على الوصول إلى صياغة أفضل، أو سؤال أدق، أو تفسير أكثر قدرة على الصمود. ولكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أجعل استمرار بحثي مرهوناً بوصول ذلك القارئ. لأن ثمة قارئاً آخر يرافق كل ما أكتب: أناي التي ستأتي بعدي.
فالذي كتب قبل عشرين عاماً لم يكن يعرف الشخص الذي سيقرأ كتابته اليوم بعقل مختلف، ومعرفة أوسع، وأسئلة لم تكن قد وُلدت لديه بعد. وربما يكون ما أكتبه الآن موجهاً، من حيث لا أشعر، إلى ذلك الإنسان الذي سأكونه بعد أعوام، لكي يعود إليه ويسأل: ما الذي كنت أراه هنا؟ وما الذي غاب عني؟ وما الذي أصبت فيه؟ وما الذي ينبغي أن أتجاوزه؟ وهكذا تصبح الكتابة حواراً ممتداً بين نسخ متعاقبة من الإنسان نفسه.
وربما لهذا السبب لا أرى في تغير أفكاري دليلاً على فشل ما كتبته سابقاً، بل أراه، متى كان التغير قائماً على معرفة وحجة أفضل، دليلاً على أن الكتابة أدت بعض وظيفتها. فالخطر الحقيقي ليس أن أكتشف بعد عشرين عاماً أنني كنت مخطئاً اليوم؛ أنما الخطر أن تمر عشرون عاماً ثم أعود إلى ما كتبت فلا أجد أنني أصبحت أكثر قدرة على رؤية أخطائي. فالمعرفة التي لا تغير صاحبها معرفة لم تستنفد بعد كل ما تستطيع أن تفعله فيه. أما الحقيقة، فإنني لا أزعم أنني امتلكتها، ولا أظن أن أحداً يستطيع أن يطمئن بسهولة إلى أنه أمسك بها كاملة. لكنني أملك سبباً يجعلني أعتقد أن الاقتراب منها ممكن، مؤداه أنني قد اقتربت بالفعل من أشياء لم أكن أعرفها من قبل.
فما تكشَّف لي حتى الآن من أخطاء كنت أعدها صواباً، ومن أسئلة لم أكن أعرف أن عليّ أن أطرحها، ومن روابط لم أكن أراها بين الأشياء، ومن أفكار استطعت أن أطورها أو أتخلى عنها، هو في ذاته برهان كافٍ لي على أن ثمة فرقاً بين أن أعرف أقل وأن أعرف أكثر، وبين تفسير أضعف وتفسير أقوى، وبين تصور بعيد عن الواقع وآخر أكثر اقتراباً منه. وإذا كان الاقتراب قد حدث مرة، فلماذا أتوقف عن محاولة الاقتراب أكثر؟ ولهذا أكتب. أكتب لعل أحداً يقرأ. وأكتب لعل من يقرأ يعترض. وأكتب لعل اعتراضه يكشف لي شيئاً لم أكن أعرفه. وأكتب، حتى إن لم يعترض أحد، لأن الكتابة نفسها تجعلني أرى أفكاري بصورة أفضل. وأكتب لأنني حين أقارن ما أكتبه الآن بما كتبته قبل عشرين عاماً، أعرف أنني لم أظل في المكان نفسه. وأكتب لأنني أريد أن أمنح الإنسان الذي سأكونه بعد أعوام شيئاً يعود إليه، فيرى المسافة التي قطعها، مثلما أرى أنا اليوم المسافة بيني وبين من كنت.
ولهذا، حين يسألني أحد مرة أخرى: “لماذا تكتب إن كان لا أحد يقرأ ما تكتب؟” فلعل جوابي الأدق سيكون: أكتب لعل أحداً يقرأ ما أكتب، ولعل قراءته تجعلني أراه على نحو أفضل. ولكنني أكتب أيضاً لأن الكتابة نفسها واحدة من الطرق التي أتعلم بها كيف أرى. وإذا كنت قد أصبحت اليوم، بفضل ما تعلمت وفكرت وراجعت وكتبت، أقرب إلى الحقيقة مما كنت قبل عشرين عاماً، فإنني سأواصل الكتابة أملاً في أن يكون الإنسان الذي سيقرأ كلماتي بعد عشرين عاماً، حتى لو لم يكن ذلك الإنسان سوى أنا، أقرب إليها مني اليوم.
