
هنالك شيء قد يكون أشد صعوبة على العقل البشري من اكتشاف الحقيقة هو أن يكتشف أن ما اعتقد يوماً أنه الحقيقة لم يكن كذلك! فالإنسان لا يتعامل دائماً مع أفكاره بوصفها فرضيات مؤقتة قابلة للتعديل أو الاستبدال كلما ظهرت معطيات جديدة، وإنما قد تتحول بعض الأفكار، ولا سيما تلك التي ارتبطت بلحظة نجاح فكري استثنائية، إلى جزء من هوية صاحبها المعرفية. وعندئذ لا يعود التخلي عنها مجرد انتقال من فكرة إلى أخرى، وإنما يصبح، بصورة ما، تخلياً عن جزء من السيرة التي صنع الإنسان بها صورته عن نفسه.
ولعل فرانسيس فوكوياما يقدم اليوم مثالاً مثيراً للتأمل في هذه الظاهرة. فبعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور كتابه الأشهر The End of History and the Last Man (نهاية التاريخ والانسان الأخير)، وبعد أن مر العالم بسلسلة هائلة من الأحداث التي كان يمكن النظر إلى كثير منها بوصفها تحدياً لأطروحته الشهيرة، يعود فوكوياما في كتابه الجديد In the Realm of the Last Man (في عالم الانسان الأخير) إلى الرجل الأخير مرة أخرى. وليس الأمر مجرد تشابه في العنوان. فالكتاب الجديد، بحسب ما يقدمه فوكوياما وناشروه، سيرة فكرية وسياسية يستعيد فيها الرجل تطوره عبر نحو خمسة عقود، منذ اقترابه من الدوائر الفكرية المحافظة، مروراً بعمله في المؤسسات الأمريكية، وصولاً إلى مراجعته جملة من الأفكار التي آمن بها في مراحل سابقة، وفي مقدمتها موقفه من المحافظين الجدد والسياسة الخارجية الأمريكية.
وهنا تحديداً تبدأ المفارقة. فمن كان ينتظر من هذه السيرة الفكرية اعترافاً أخيراً بأن صاحب «نهاية التاريخ» قد غادر عالم أطروحته القديمة بالكامل، قد يصاب بشيء من خيبة الأمل. ذلك أن فوكوياما، وإن غيّر كثيراً من مواقفه، لا يبدو أنه غادر البنية العميقة التي جعلت أطروحته الأولى ممكنة.
ينبغي، إنصافاً لفوكوياما، ألا نصوره بوصفه مفكراً جامداً رفض مراجعة أفكاره. فالعكس أقرب إلى الحقيقة. فلقد خاض الرجل واحدة من أشهر الانشقاقات داخل الوسط المحافظ الأمريكي حين انفصل فكرياً عن المحافظين الجدد، ولا سيما على خلفية حرب العراق. وأصبح شديد النقد للاعتقاد بأن القوة العسكرية الأمريكية تستطيع إعادة تشكيل المجتمعات والدول من الخارج، كما أعاد النظر في جوانب من إيمانه السابق بسياسات اقتصادية وسياسية ارتبطت بالمزاج المحافظ الذي نشأ فكرياً في محيطه. وهذا كله يدل على قدرة حقيقية على المراجعة. ولكن المفارقة تكمن في أن الإنسان قد يكون قادراً على مراجعة عشرات المعتقدات المحيطة بفكرته المركزية، من دون أن يكون قادراً بالسهولة نفسها على مراجعة الفكرة المركزية ذاتها! وهذا ما يجعل تجربة فوكوياما مثيرة معرفياً. فالأفكار ليست متساوية في العقل. فهناك أفكار هامشية يمكن التخلص منها من دون أن يتغير شيء جوهري في تصور الإنسان لذاته، وهناك أفكار تحتل مركز الشبكة المعرفية؛ فإذا انهارت لم تسقط وحدها، وإنما اهتز معها تاريخ طويل من الاختيارات والتفسيرات والمواقف.
وكانت «نهاية التاريخ» بالنسبة إلى فوكوياما أكثر من أطروحة سياسية ناجحة. فلقد كانت لحظة الـ Eureka الخاصة به.
توجد لحظات في حياة المفكر يشعر فيها بأنه لم يعثر على إجابة عن سؤال فحسب، وإنما عثر على المفتاح الذي يفسر مجموعة كاملة من الأسئلة. وهذه اللحظات خطيرة بقدر ما هي مبهرة. فالفرح بالاكتشاف قد يتحول، من دون أن يشعر صاحبه، إلى ارتباط نفسي بالاكتشاف. وما كان ينبغي أن يبقى فرضية يصبح بالتدريج معتقداً، وما كان ينبغي أن يظل قابلاً للاختبار يصبح إطاراً يجري من داخله تفسير الاختبارات نفسها. ومن هنا يمكن فهم جانب من الصعوبة التي يواجهها العقل حين يحاول التخلي عن معتقداته القديمة.
فهو لا يقول لنفسه ببساطة: “كنت أعتقد X، وقد أثبتت الوقائع أن X غير صحيح، ولذلك سأستبدله بـ Y”
فالعملية النفسية أكثر تعقيداً، وذلك لأن الاعتراف بخطأ X قد يعني أيضاً الاعتراف بأن سنوات من الدفاع عنه، والمحاضرات التي ألقيت بشأنه، والكتب التي بنيت عليه، والمكانة الفكرية التي تحققت بفضله، ربما كانت بحاجة إلى مراجعة.
وهنا يتحول السؤال من: هل الفكرة صحيحة؟ إلى سؤال آخر أكثر خفاءً: ماذا سيبقى من صورتي عن نفسي إذا لم تكن الفكرة التي صنعت جزءاً كبيراً من مكانتي صحيحة؟
وهنا ينبغي التمييز بين أطروحة فوكوياما كما صاغها وبين النسخة الشعبية المبسطة منها. فلم يكن المقصود بـ«نهاية التاريخ» أن الأحداث سوف تتوقف، أو أن الحروب ستنتهي، أو أن الولايات المتحدة ستصبح إمبراطورية أبدية لا ينازعها أحد. فالأطروحة كانت أعمق من ذلك: أن التطور الأيديولوجي للبشرية ربما وصل، مع الديمقراطية الليبرالية، إلى الشكل السياسي الذي لا يظهر في الأفق بديل أيديولوجي أكثر تقدماً منه وقادراً على ادعاء الكونية.
لكن هذه الصياغة نفسها تنطوي على افتراض ضخم؛ إذ أنها تجعل تجربة تاريخية معينة، الديمقراطية الليبرالية الحديثة كما تبلورت بصورة خاصة في الغرب، مرشحةً لأن تكون الأفق النهائي للتطور السياسي الإنساني. ومن هنا ظلت أمريكا، حتى عندما انتقد فوكوياما سياساتها، تحتل موقعاً خاصاً في خريطته الفكرية؛ لا بوصفها دولة لا تخطئ، وإنما بوصفها واحداً من أكثر التجسدات التاريخية اكتمالاً للنظام الليبرالي الذي يظل، في نظره، الأفق السياسي الأفضل المتاح.
وهذه نقطة بالغة الدلالة المعرفية، وذلك لأن الإنسان يستطيع أن ينتقد تطبيقات معتقده من دون أن ينتقد المعتقد نفسه! فيمكنه أن يقول إن حرب العراق كانت خطأ، وإن المحافظين الجدد أساؤوا استخدام القوة، وإن المؤسسات الأمريكية أصابها الخلل، وإن الديمقراطية الليبرالية تمر بأزمة، ومع ذلك يحتفظ بالمقدمة الأعمق التي مفادها أن الديمقراطية الليبرالية ما تزال الوجهة التاريخية الأكثر عقلانية للبشرية! وعندئذ تكون المراجعة قد حدثت داخل النموذج، لا للنموذج ذاته.
فمنذ ظهور أطروحة «نهاية التاريخ» شهد العالم ما يكفي لإثارة أسئلة لم يكن من السهل تصورها في نشوة نهاية الحرب الباردة. فلقد شهد حروب البلقان، وهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وحربي أفغانستان والعراق، وصعود الصين، وعودة روسيا إلى المواجهة الجيوسياسية، والأزمة المالية العالمية، وتصاعد الشعبوية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، والاستقطاب الحاد داخل الديمقراطيات الغربية نفسها.
وكان يمكن النظر إلى هذه التطورات باعتبارها سلسلة متراكمة من الاختبارات لأطروحة نهاية التاريخ.
لكن العقل البشري يمتلك قدرة مذهلة على حماية أفكاره المركزية. فعندما تخالف الوقائع النظرية، توجد دائماً إمكانية لإعادة تفسير الوقائع بحيث تصبح، وياللتناقض، دليلاً إضافياً عليها. فإذا تعثرت الديمقراطية قيل إن المشكلة في المؤسسات لا في الديمقراطية! وإذا صعد نظام سلطوي قيل إن نجاحه مؤقت! وإذا تراجعت الديمقراطية داخل دولة ليبرالية قيل إن هذا التراجع يثبت قيمة الدفاع عن الليبرالية. وقد تكون كل واحدة من هذه الإجابات صحيحة في حالة بعينها. لكن المشكلة المعرفية تبدأ عندما تصبح النظرية قادرة على استيعاب كل نتيجة ممكنة. فالنظرية التي يثبتها نجاح الديمقراطية، ولا ينفيها فشل الديمقراطية، ويثبتها سقوط خصومها، ولا ينفيها نجاح خصومها، تصبح شديدة المقاومة للتفنيد. وهنا لا نعود أمام سؤال سياسي فحسب، وإنما أمام سؤال إبستمولوجي: متى يعرف الإنسان أن الوقت قد حان للتخلي عن فكرة، وليس لإعادة تفسير العالم لكي تظل الفكرة صحيحة؟
ربما تكشف تجربة فوكوياما شيئاً عاماً في الإنسان. فنحن نميل إلى تصور العقل كما لو كان قاضياً محايداً يستقبل الأدلة ثم يصدر الحكم. لكن العقل كثيراً ما يكون، في القضايا التي استثمر فيها طويلاً، أقرب إلى محامي دفاع. وكلما طال عمر الاعتقاد ازدادت كلفة التخلي عنه. فالاعتقاد الذي اعتنقناه بالأمس يمكن تغييره بسهولة نسبية، أما الاعتقاد الذي دافعنا عنه ثلاثين عاماً فقد تراكم حوله تاريخ شخصي كامل. وهذا ما يجعل الذكاء نفسه غير كافٍ، بل قد يستطيع العقل شديد الذكاء أن يقدم دفاعاً أكثر تعقيداً عن معتقداته من العقل الأقل قدرة؛ لأنه يمتلك أدوات أكبر لإعادة التأويل، وانتقاء الأدلة، وصياغة الاستثناءات، وإعادة تعريف المفاهيم! ولهذا فإن القدرة على التفكير لا تضمن القدرة على تغيير الفكر، والذكاء لا يساوي بالضرورة المرونة المعرفية.
سيكون من الظلم أن نحول هذه المقالة إلى محاكمة لفوكوياما. فالقضية أوسع منه بكثير. إن قيمته هنا تكمن تحديداً في أنه مفكر كبير استطاع بالفعل مراجعة جوانب أساسية من مسيرته. وإذا كان مفكر بهذه القدرة على النقد الذاتي يستطيع أن يبقى متعلقاً بالنواة الأعمق من منظومته الفكرية، فإن ذلك يكشف مقدار الصعوبة التي تواجه الإنسان العادي عندما يطلب منه التخلي عن معتقد عاش معه سنوات طويلة. وهذه الظاهرة نراها في السياسة والدين والفلسفة والعلم والعلاقات الشخصية. فالإنسان نادراً ما يقول: “لقد كنت مخطئاً طوال هذه السنوات”. والأكثر شيوعاً أن يقول: “كنت مصيباً في الجوهر، لكنني أخطأت في بعض التفاصيل”! وقد يكون ذلك صحيحاً أحياناً، لكن الخطورة تبدأ حين تتحول هذه العبارة إلى الآلية الدائمة التي نحمي بها أفكارنا من كل احتمال لأن تكون خاطئة.
فعظمة المفكر هي ليست في ألا يخطئ. فالمفكر الذي لا يخطئ لا وجود له. ولعل تاريخ المعرفة نفسه لم يتقدم إلا لأن أفكاراً عظيمة تبين لاحقاً أنها ناقصة أو خاطئة أو محدودة الصلاحية. فالعظمة الحقيقية تكمن في امتلاك القدرة على النظر إلى الفكرة التي صنعت شهرتنا والقول: لقد كانت فكرة عظيمة في وقتها، وربما ساعدتنا على رؤية أشياء لم نكن نراها، لكنها لم تعد قادرة على تفسير العالم الذي أصبحنا نعيش فيه. وهذه الجملة من أصعب الجمل التي يستطيع عقل بشري أن يقولها. لأن الإنسان حين يتخلى عن فكرة صغيرة يخسر فكرة. أما حين يتخلى عن الفكرة التي صنعت جزءاً من هويته، فإنه يشعر كما لو أنه يخسر جزءاً من نفسه. ومن هنا قد تكون الدلالة الأعمق التي يمكن أن نستخلصها من عودة فرانسيس فوكوياما، بعد أكثر من ثلاثة عقود، إلى «الإنسان الأخير» ليست سياسية بقدر ما هي إنسانية. فقد يكون In the Realm of the Last Man، بصرف النظر عن القيمة الفكرية التي سيحكم عليها القراء بعد صدوره، مناسبة لطرح سؤال يتجاوز فوكوياما نفسه: لماذا يستطيع العقل البشري أن يكتشف خطأ الآخرين بسهولة تفوق كثيراً قدرته على اكتشاف خطئه هو؟ ولماذا نستطيع تعديل أطراف منظومتنا الفكرية مراراً، بينما نظل ندور حول نواتها الأولى؟ ربما لأن بعض الأفكار لا تبقى أفكاراً، بل تتحول بمرور الزمن إلى ذكريات، ومكانة، وهوية، وسيرة ذاتية، وإلى تلك اللحظة القديمة التي صاح فيها العقل، ولو بصمت: Eureka ..وجدتها!
وحين يحدث ذلك، لا يعود المطلوب من الإنسان لكي يتخلى عنها مجرد دليل أقوى.
إنه يحتاج إلى شيء أصعب بكثير: أن يمتلك الشجاعة المعرفية التي تجعله قادراً على الاعتراف بأن أعظم لحظات الـ Eureka في حياته ربما كانت، هي الأخرى، بحاجة إلى مراجعة.
