موت الميثولوجيات الكلاسيكية… كيوبيد يكشف عن وجهه الحقيقي

لعل واحدة من أعظم التحولات التي أحدثتها العلوم الحديثة في وعينا لم تكن أنها زودتنا بمعلومات جديدة عن العالم فحسب، وإنما أنها نزعت عن كثير من الظواهر أقنعتها الميثولوجية القديمة. فما كان الإنسان عاجزاً عن تفسيره، أو حتى عن تصور الآلية التي يمكن أن تكون قد أنتجته، كان يجد له كائناً خفياً، أو قوة غامضة، أو إرادة فوق طبيعية تقوم بالمهمة التفسيرية نيابة عنه. وهكذا امتلأت الميثولوجيات القديمة بالآلهة والأرواح والكائنات التي لم تكن، في جانب مهم منها، سوى أسماء أطلقها الإنسان على الأسباب التي لم يكن قد اكتشفها بعد.
غير أن البايولوجيا التطورية، ثم ما يمكن أن نعدّه وجهاً أكثر حداثة واتساعاً في دراسة الإنسان، أي الميتابايولوجيا، تتيحان لنا اليوم أن نعود إلى بعض تلك الأساطير، لا لكي نسخر منها، وإنما لكي نسأل سؤالاً أكثر إثارة: ما الظاهرة الحقيقية التي كان الإنسان القديم يحاول التعبير عنها حين ابتكر هذه الأسطورة؟
ولعل كيوبيد يقدم واحداً من أجمل الأمثلة. فالصورة الكلاسيكية معروفة تتمثل في كائن صغير مجنح يحمل قوساً وسهماً، وما إن يصيب بسهمه إنساناً حتى يقع هذا الإنسان في الحب. وقد تبدو الحكاية، بالنسبة إلى عقل حديث، مجرد صورة شعرية لطيفة ابتكرها الخيال القديم. ولكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا احتاج الإنسان أصلاً إلى كيوبيد؟ ولماذا كان الحب، دون كثير من الحالات النفسية الأخرى، بحاجة إلى سهم يأتي من الخارج ويصيب الإنسان على حين غرة؟ ربما لأن الإنسان القديم لاحظ شيئاً حقيقياً للغاية، لكنه لم يكن يمتلك الأدوات المعرفية اللازمة لتفسيره.
فالإنسان القديم قد لاحظ أن الحب لا يأتي دائماً بالطريقة التي تأتي بها قراراتنا الواعية. فنحن لا نجلس عادة لكي نقرر، بعد موازنة عقلانية للمزايا والعيوب، أن نحب إنساناً بعينه. وقد نعرف شخصاً زمناً طويلاً دون أن يحدث شيء، ثم يحدث تحول ما يجعل وجوده يكتسب فجأة معنى مختلفاً تماماً! وقد نكون مقتنعين بأننا نعرف أنفسنا، وما نريد، ومن نريد، ثم يظهر شخص واحد فيعيد ترتيب أشياء كثيرة كنا نظن أنها مستقرة في داخلنا. فالحب، تجربة تشبه، من منظور الوعي، الإصابة بشيء قادم من مكان آخر.
وهنا يصبح سهم كيوبيد مفهوماً. فالأسطورة لم تكن بالضرورة وصفاً ساذجاً للحب بقدر ما كانت استعارة شديدة الذكاء عن فجائيته واستقلاله النسبي عن الإرادة الواعية. فالإنسان القديم لم يعرف الشبكات العصبية، ولا الانتقاء الجنسي، ولا دوائر المكافأة، ولا الكيمياء العصبية المرتبطة بالتعلق والانجذاب، ولا التاريخ التطوري الطويل الذي صاغ الآليات المسؤولة عن الاقتران والتعلق والغيرة والرغبة. ولذلك وضع كل هذه السببية المجهولة في يد كائن صغير يحمل قوساً. وكان السهم، بعبارة أخرى، اسماً ميثولوجياً لسبب لم يكن قد أصبح مرئياً بعد.
لقد غيرت البايولوجيا التطورية السؤال جذرياً. فبدلاً من أن نسأل: من الذي جعل هذا الإنسان يحب ذاك؟ أصبح بوسعنا أن نسأل: ما الذي جعل كائناً بايولوجياً كإنساننا قابلاً أصلاً لأن يقع في حالة نسميها الحب؟ وهنا تبدأ رحلة طويلة إلى الوراء.
فالإنسان لم يخترع من الصفر منظومات الانجذاب والتزاوج والتعلق. فهي تمتد بجذورها إلى تاريخ بايولوجي أقدم بكثير من الإنسان نفسه. والانتقاء الطبيعي والجنسي، ورعاية النسل، والتعلق، والروابط الاجتماعية، وآليات المكافأة، كلها تساعدنا على فهم البنية التطورية التي أصبح الحب الإنساني ممكناً في إطارها. ولكن البايولوجيا، على قيمتها المعرفية، قد لا تكون وحدها كافية لفهم الحب الإنساني كما يختبره الإنسان. فهنا يأتي السؤال الميتابايولوجي. ذلك أن الإنسان لا ينجذب إلى الآخر بوصفه جسماً فحسب، وإنما يستطيع أن يبني له في وعيه تمثلاً يتجاوز كثيراً ما تقدمه المعطيات الحسية المباشرة. فهو لا يرى الشخص الموجود أمامه فحسب، بل يرى الشخص كما أصبح موجوداً في عالمه الداخلي المتمثل في صورته، ومعناه، والذكريات المرتبطة به، والآمال التي أسقطها عليه، والمستقبل الذي تخيله معه، بل وربما الصفات التي لم توجد فيه أصلاً إلا بالقدر الذي صنعها الوعي المتعلق به.
ومن هنا يمكن لفائض التمثل أن ينقل الحب من آلية بايولوجية ذات وظيفة تطورية مفهومة إلى تجربة إنسانية هائلة الاتساع. فالإنسان لا يحب الآخر وحده، لكنه يستطيع أن يحب تمثله للآخر أيضاً! وقد يكون الفرق بين الاثنين هو المفتاح الذي يفسر كثيراً من غرابة الحب الإنساني.
غير أن أعجب ما في الحب هو ليس مجرد أننا نقع فيه، وإنما ما يمكن أن يفعله بنا بعد ذلك. فالحب، في بعض صوره الأكثر شدة، لا يضيف شخصاً جديداً إلى حياتنا فحسب، وإنما يعيد تنظيم الحياة نفسها! فأشياء كانت مهمة تتراجع، وأشياء لم تكن ذات شأن تصبح مركزية. فتتغير الأولويات، وتُعاد قراءة الذكريات، وتظهر مخاوف جديدة، وآمال جديدة، وصورة جديدة للمستقبل. بل إن الإنسان قد يفاجأ بأنه أصبح قادراً على أفعال لم يكن يتصور نفسه قادراً عليها. فشخص كان شديد الاستقلال قد يصبح شديد التعلق. وشخص كان يستهزئ بالعاطفة قد يجد نفسه غارقاً فيها. وشخص كان يعتقد أن مستقبله مرسوم بصورة نهائية قد يعيد بناء خططه كلها من أجل إنسان لم يكن موجوداً في تلك الخطط قبل أشهر قليلة.
وهنا يكشف “كيوبيد” عن وجهه الحقيقي. فالسهم ليس ذلك السهم الصغير الذي رسمه الفنانون عبر القرون، وإنما هو لحظة إعادة تنظيم مفاجئة لمنظومة التمثل والدافع والأولوية داخل الإنسان. ولذلك كانت صورة الإصابة بالسهم موفقة على نحو مدهش: لأن الإنسان قد يشعر بالفعل بأن شيئاً قد حدث له، لا بأنه قام هو بصنعه بالكامل.
وقد تبلغ قوة هذه العملية حداً يجعل الحب أشبه بحدث فاصل بين هويتين. فنحن نحب أن نتخيل أن الشخصية شيء ثابت نسبياً، وأن هناك «أنا» متماسكة تنتقل معنا عبر الزمن. غير أن الحب يكشف هشاشة هذا التصور. فقد يدخل إنسان حياتنا فيجعلنا نكتشف أن كثيراً مما كنا نعدّه جزءاً ثابتاً من شخصيتنا لم يكن ثابتاً كما اعتقدنا؛ إذ أننا لا نضيف الحب دائماً إلى الهوية القديمة، بل قد نضطر بسببه إلى إعادة بناء الهوية نفسها! وهنا تظهر إحدى أكثر خصائص التجربة الإنسانية إثارة: قدرة الإنسان على أن يصبح غريباً حتى عن ذاته السابقة! فقد ينظر إلى نفسه بعد الحب ويتساءل: كيف استطاع ذلك الشخص الذي كنته أن يعيش بهذه الطريقة؟ وكيف أصبحت الأشياء التي لم تكن تعني لي شيئاً بالأمس قادرة اليوم على أن تحدد مزاجي، وقراراتي، ومستقبلي؟ فالمحب لا يتعرف إلى الآخر فقط، بل يتعرف إلى نسخة جديدة من نفسه صنعها وجود الآخر! ولهذا قد نكون، نحن أنفسنا، أول المتفاجئين بالشخصية التي يخلقها الحب فينا.
ولكن هذا كله يدعونا إلى أن نكون أكثر إنصافاً تجاه الميثولوجيات القديمة. فموت التفسير الميثولوجي لا يعني بالضرورة أن الأسطورة كانت بلا قيمة. وربما كانت الأسطورة، في كثير من الأحيان، محاولة الإنسان الأولى لحفظ ملاحظته الصحيحة حين لم يكن يمتلك تفسيرها الصحيح بعد. فلقد أخطأ الإنسان القديم حين افترض وجود “كيوبيد”، لكنه لم يخطئ حين لاحظ “سهمه”. فلاحظ أن الحب فجائي. ولاحظ أنه لا يخضع تماماً للإرادة. ولاحظ أنه قادر على اختراق دفاعات الشخصية. ولاحظ أنه يستطيع إعادة ترتيب سلم القيم والأولويات. ولاحظ، قبل كل شيء، أن الإنسان بعد الحب قد لا يبقى الإنسان نفسه الذي كان قبله. ولأنه لم يكن يمتلك البايولوجيا التطورية أو علوم الدماغ أو علم النفس الحديث، فقد جمع كل هذه الملاحظات في صورة واحدة تتمثل في طفل مجنح يحمل قوساً ويطلق سهماً. فلقد كانت الصورة خاطئة، لكن السؤال الكامن خلفها كان حقيقياً.
وإذا كانت البايولوجيا التطورية قد نزعت عن الحب جانباً مهماً من غموضه، فإن الميتابايولوجيا تستطيع أن تدفع السؤال خطوة أبعد: لماذا تجاوز الحب عند الإنسان حدوده البايولوجية المباشرة ليصبح قادراً على إنتاج الشعر، والأسطورة، والغيرة المفرطة، والتضحية، والرغبة في التملك، والانهيار النفسي، وإعادة تشكيل الهوية؟
وهنا يصبح “فائض التمثل” عنصراً مركزياً. فالحيوان قد يتعلق، وقد يختار شريكاً، وقد تظهر لديه روابط اجتماعية وعاطفية معقدة؛ لكن الإنسان يضيف إلى ذلك عالماً تمثلياً يستطيع فيه المحبوب أن يصبح أكثر من شخص. فقد يصبح معنىً للحياة، أو صورة للكمال، أو شرطاً للسعادة، أو تجسيداً للمستقبل، أو حتى جزءاً من تعريف الإنسان لنفسه. وعندما يحدث ذلك، لا يعود فقد المحبوب مجرد فقد لشخص، بل قد يصبح انهياراً لبنية كاملة من التمثلات التي بُنيت حول ذلك الشخص. ومن هنا نفهم لماذا يستطيع الحب الإنساني أن يبلغ درجات تبدو، إذا قيست بمبدأ اقتصاد الطبيعة وحده، أكبر بكثير مما تتطلبه الوظيفة البايولوجية الأصلية. فهو، مرة أخرى، أحد المواضع التي يمكن أن نرى فيها كيف تبدأ البايولوجيا القصة، ثم تدخل الميتابايولوجيا لكي تفسر ما حدث عندما تجاوز الإنسان حدود الوظيفة الأصلية للآلية البايولوجية.
ولذلك قد يكون عنوان «موت الميثولوجيات الكلاسيكية» خادعاً بعض الشيء. فـ “كيوبيد” لم يمت تماماً، لكن الذي مات هو حاجتنا إلى وجوده بوصفه “سبباً” للحب. أما “كيوبيد” بوصفه استعارة عن شيء حقيقي يحدث داخل الإنسان، فربما لم يصبح مفهوماً إلا الآن.
فلقد سقط القناع فحسب. فـ “كيوبيد” لم يكن وراءه طفل مجنح يحمل سهماً، وإنما تاريخ تطوري عمره ملايين السنين، ودماغ شديد التعقيد، ومنظومات عصبية وهرمونية، وآليات انجذاب وتعلق، ثم، فوق ذلك كله، ذلك العالم التمثلي الهائل الذي يستطيع الإنسان أن يبنيه حول إنسان آخر.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة. فكلما تقدمت المعرفة، فإننا لا نكتشف بالضرورة أن الأساطير القديمة كانت تتحدث عن أشياء لم توجد قط؛ بل نكتشف أحياناً أنها كانت تحاول، بلغتها الخاصة، أن تتحدث عن أشياء حقيقية لم يكن الإنسان يعرف بعد كيف يسميها. و “كيوبيد” هو واحدٌ منها. فلقد كان الإنسان يرى أثر السهم، لكنه لم يكن يرى الرامي!
واليوم، وبعد آلاف السنين، تكشف البايولوجيا التطورية والميتابايولوجيا شيئاً من هوية ذلك الرامي: تاريخ بايولوجي طويل صنع قابلية الحب، ووعي تمثلي بالغ القوة حوّل تلك القابلية إلى واحدة من أكثر التجارب الإنسانية قدرة على إعادة تشكيل الإنسان.
وعندئذ لا يعود السؤال: هل أصابنا “سهم كيوبيد”؟ بل يصبح السؤال الأكثر إثارة: ما الذي يحدث في أعماق الكائن البشري حتى يستطيع إنسان آخر، بمجرد دخوله عالم تمثلاته، أن يمحق جانباً من هويته القديمة ويجبره على أن يولد، أمام نفسه، إنساناً جديداً؟ فربما كان هذا هو الوجه الحقيقي لـ “كيوبيد” الذي انتظرنا آلاف السنين كي يكون بمقدورنا أن نراه.

أضف تعليق