
لعل من أكثر الافتراضات رسوخاً في بعض القراءات التطورية للإنسان أن تاريخه يمكن أن يُقرأ بوصفه خطاً متصلاً يبدأ من الماضي البايولوجي السحيق وينتهي عند الإنسان المعاصر، من غير أن تقع في هذا الخط قطيعة حقيقية تغيّر طبيعة الكائن نفسه أو تضيف إليه ما لا يمكن تفسيره بمجرد استكمال الآليات التي كانت تعمل في أسلافه الحيوانيين. ووفق هذه الرؤية، لا تكون الظواهر الإنسانية، مهما بدت استثنائية، إلا صوراً أكثر تعقيداً لميول وسلوكيات كانت موجودة، بصورة أولية، في العالم الحيواني.
غير أن ثمة ظواهر تجعل هذا الافتراض أكثر صعوبة مما يبدو. ولعل الرغبة في الانتقام واحدة من أكثرها إثارة للأسئلة. فالقول إن الحيوان ينتقم لأننا رأيناه يلاحق من اعتدى عليه قد يكون ناتجاً، في جانب منه، عن إسقاط مفردات النفس البشرية على سلوك لا نملك دليلاً كافياً على أنه يصدر عن التجربة النفسية ذاتها. صحيح أن بعض الحيوانات، ومنها الفيلة وبعض الرئيسيات وأنواع أخرى، تستطيع تذكّر أفراد سبق أن مثّلوا خطراً عليها، وقد تتعامل معهم لاحقاً بعدائية أو حذر. ولكن التشابه السلوكي الخارجي لا يكفي وحده لإثبات التطابق النفسي الداخلي.
وهنا ينبغي أن نميز بين أمرين كثيراً ما يجري الخلط بينهما: تحييد الخطر، والانتقام للإساءة. فإذا تعرّف الحيوان إلى كائن سبق أن اعتدى عليه، ثم تجنبه أو هاجمه أو طارده، فمن الممكن فهم ذلك ضمن منطق بايولوجي مباشر. فالكائن الذي مثّل خطراً في الماضي قد يمثل خطراً في المستقبل، ومن ثم فإن الاحتفاظ بمعلومة عنه والاستجابة له استجابة مختلفة قد يمنح الحيوان ميزة بقائية واضحة. فالذاكرة هنا لا تحتاج إلى أن تكون «حقداً»، والعدوان اللاحق لا يحتاج إلى أن يكون «انتقاماً». فيكفي أن يكونا جزءاً من منظومة للتعرف إلى الأخطار وتجنبها أو تحييدها.
بل إن هذا التفسير أكثر انسجاماً مع اقتصاد الطبيعة؛ لأن السلوك، بمقتضاه، يؤدي وظيفة راهنة تتمثل في حماية الفرد أو الجماعة أو النوع من خطر يمكن أن يتكرر.
أما الانتقام البشري فيستطيع أن ينفصل انفصالاً مدهشاً عن هذه الوظيفة. فالإنسان لا ينتقم دائماً لأنه يخشى أن يكرر المعتدي اعتداءه، ولا لأنه يريد أن يحمي نفسه أو جماعته من خطر مستقبلي، فهو يرغب في الانتقام لأن شيئاً حدث له هو في الماضي، حتى لو زال الخطر تماماً، وحتى لو تغيّر الشخص الذي أساء إليه، وحتى لو أصبح تكرار الإساءة مستبعداً، بل وحتى لو لم يعد الانتقام قادراً على استعادة شيء مما فُقد.
وهنا تحديداً تظهر المشكلة التي ينبغي أن تواجهها القراءة التي تريد ردّ الظاهرة الإنسانية بأكملها إلى امتداد مباشر للبايولوجيا الحيوانية.
فلنتخيل إنساناً أُسيء إليه قبل عشرين عاماً. كان المسيء آنذاك عدوانياً أو متكبراً أو ظالماً، ولكنه تغيّر خلال السنوات التالية تغيراً جذرياً، ولم يعد يصدر عنه شيء يشبه السلوك القديم. وفق منطق تحييد الأخطار، يفترض أن تفقد الاستجابة القديمة جانباً كبيراً من وظيفتها؛ فالخطر الذي كان ينبغي الاحتراز منه لم يعد قائماً بالصورة نفسها. ولكن ماذا لو ظل الإنسان الأول يقول بعد عشرين عاماً: لن أصطلح معه أبداً؟ وما الذي يعنيه أن يصر على استحضار الإساءة كلما لاحت إمكانية للمصالحة؟ وما الذي يعنيه أن يصبح نسيان الحادثة، في نظره، نوعاً من الخيانة لنفسه القديمة؟ بل ما الذي يعنيه أن يحتاج أحياناً إلى إعادة رواية الإساءة لنفسه وللآخرين لكي يحتفظ بالغضب الذي كان مبرراً في لحظة وقوع تلك الاساءة؟
فنحن هنا أمام شيء يتجاوز مجرد الذاكرة البايولوجية للخطر. فالذاكرة الوقائية تحتاج إلى الماضي بقدر ما يساعدها على التعامل مع المستقبل، أما الانتقام البشري فقد يحتاج إلى الماضي لكي يمنعه من أن يصبح ماضياً!
وهذه مفارقة بالغة الدلالة. فالمنتقم قد يعمل، من حيث لا يشعر، ضد النسيان؛ لأنه إذا نسي الإساءة أو أعاد تفسيرها أو أقر بأن صاحبها قد تغير، فقد يفقد المبرر النفسي الذي يسمح له بالاستمرار في كراهيته! ولذلك لا تصبح الذاكرة مجرد سجل للحادثة، وإنما تتحول إلى آلية لإدامة الحالة النفسية التي أنتجتها الحادثة. فالإنسان المدمن على الانتقام لا يتذكر لأنه ما يزال معرضاً للخطر بالضرورة، وإنما قد يتمسك بالخطر القديم لكي تبقى الاستجابة القديمة قابلة للحياة.
وهنا يظهر الفارق بين “لقد آذاني، ولذلك يجب أن أحذر منه” و”لقد آذاني، ولذلك يجب أن يدفع ثمن ما فعله بي”. فالجملة الأولى مستقبلية في بنيتها، أما الثانية فماضوية. والأولى تسأل: ماذا يمكن أن يفعل؟ والثانية تسأل: ماذا فعل بي؟ والأولى يمكن أن تنتهي عندما يزول الخطر، أما الثانية فقد تستمر حتى بعد زواله، لأنها ترتبط بشيء جديد لم يعد موجوداً في الواقعة الخارجية نفسها، وإنما في تمثل الذات لما وقع عليها. ومن هنا يمكن النظر إلى الانتقام بوصفه إحدى الظواهر التي تكشف قيمة ما يمكن تسميته بـ فائض التمثل في تفسير الإنسان. فالإنسان لا يحتفظ بالواقعة وحدها، بل يحتفظ بمعناها، ولا يستعيد الفعل وحده، بل يستعيد صورة نفسه وهو يتعرض للفعل. لقد أُهنتُ «أنا»، وظُلمت «أنا»، وانتُقص مني «أنا». ومن ثم تستطيع الواقعة المنتهية زمنياً أن تظل حاضرة نفسياً لأن الوعي يعيد تمثلها مرة بعد أخرى.
وهذا ما قد يفسر ظاهرة يصعب فهمها بمنطق المنفعة البايولوجية المباشرة: أن يشعر الإنسان بالألم من حادثة لم تعد موجودة، تجاه شخص لم يعد كما كان، وأن يرغب في إيقاع ألم جديد به جزاءً على ألم قديم. فالماضي هنا لم يعد معلومة تساعد على البقاء بل أصبح واقعاً نفسياً قابلاً لإعادة الإنتاج.
ولذلك يستطيع الإنسان أن يغضب اليوم بسبب شيء وقع قبل عشرين سنة، لا لأن الحدث ما يزال يقع، وإنما لأنه يمتلك قدرة على إعادة بنائه ذهنياً بحيث يستعيد شيئاً من حضوره الانفعالي. وربما كانت هذه القدرة نفسها أحد المفاتيح لفهم الانتقام البشري: فالإنسان لا يحتاج إلى استمرار المؤثر الخارجي لكي تستمر استجابته له؛ إذ يستطيع فائض التمثل أن يقوم مقام المؤثر الغائب!
وهذا يفسر أيضاً لماذا قد تكون المصالحة أصعب من مجرد زوال أسباب النزاع. فلو كانت المشكلة هي الخطر وحده، لانتهت بزواله. أما إذا أصبحت الإساءة جزءاً من السردية التي يبني بها الإنسان تصوراً عن نفسه وعن الآخر، فإن المصالحة تستلزم شيئاً أشد تعقيداً، ألا وهو إعادة كتابة معنى الماضي نفسه!
وقد يشعر بعض الناس بأن ذلك تنازل لا يستطيعون احتماله. فإذا سامح، فماذا يفعل بصورة نفسه مظلوماً؟ وإذا تغير خصمه، فماذا يفعل بصورة خصمه التي عاش سنوات وهو يكرهها؟ وإذا انتهت الخصومة، فأين يذهب بكل ذلك البناء النفسي الذي شيّده حولها؟
ولهذا قد يصل فائض التمثل بالإنسان إلى مفارقة عجيبة مفادها أن يصبح محتاجاً إلى بقاء عدوه عدواً! بل قد يرفض الأدلة التي تشير إلى تغيره، لأن تغير الآخر يهدد التفسير الذي عاش عليه سنوات. وهكذا لا تعود المسألة متعلقة بما إذا كان الآخر خطراً بالفعل، وإنما بما إذا كانت الذات مستعدة للتخلي عن الصورة التي صنعتها له. ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن كل رفض للمصالحة هو انتقام، أو أن الإنسان ملزمٌ أخلاقياً بالعودة إلى علاقة آذته لمجرد أن سنوات قد مرت عليها. فمن حق الفرد أن يحمي نفسه وأن يحتفظ بمسافة آمنة ممن لا يثق بهم. لكن الفارق المعرفي الحاسم يقع بين الامتناع عن العلاقة اتقاءً لضرر محتمل وبين الرغبة في استمرار ألم الآخر عقاباً له على ضرر مضى. ففي الثانية يظهر الانتقام بمعناه الإنساني الأشد وضوحاً.
ولعل ذلك هو ما يجعل الانتقام مهماً في إعادة التفكير في التاريخ التطوري للإنسان. فالمشكلة ليست في إنكار أن الإنسان يحمل داخله تاريخاً بايولوجياً عميقاً ضارباً في القدم؛ فهذا مما يصعب الشك فيه. وإنما المشكلة في تحويل هذا التاريخ إلى خط متصل لا يسمح بظهور مستويات جديدة من التنظيم النفسي لا يمكن اختزالها بسهولة إلى وظائف أسلافها.
فقد تكون للعدوان جذور بايولوجية، وللذاكرة جذور بايولوجية، وللتعرف إلى المعتدي جذور بايولوجية، ولتجنب الأخطار جذور بايولوجية؛ ولكن اجتماع هذه العناصر في الإنسان داخل ذات قادرة على تمثل ماضيها، وإعادة إنتاج الإهانة ذهنياً، وبناء هوية حول كونها قد ظُلمت، ثم الرغبة في إيلام شخص آخر لأنه أوقع بها ألماً قبل عقود، يمثل ظاهرة ينبغي ألا نفترض مسبقاً أن تفسير أجزائها يساوي تفسيرها هي!
وهنا تقع واحدة من المغالطات التي يمكن أن يقع فيها التفكير الاختزالي والمتمثلة في أن نعرف التاريخ التطوري للمكونات، فنظن أننا عرفنا بذلك تاريخ الظاهرة التي نشأت من اجتماعها.
لكن الماء ليس مجرد قائمة بخصائص الهيدروجين والأوكسجين، والإنسان، بالمعنى نفسه، قد لا يكون مجرد قائمة مطولة بخصائص أسلافه.
ومن هنا فإن الرغبة في الانتقام قد تضع أمامنا سؤالاً أوسع بكثير من الانتقام نفسه: هل تاريخ الإنسان استمرار بايولوجي فحسب، أم أنه استمرار تخللته انقطاعات ظهرت معها خصائص لم يعد ممكناً تفسيرها بالكامل بقوانين المستوى السابق؟
في القراءة الميتابايولوجية، يصبح هذا السؤال محورياً. فالإنسان لم يتوقف عن كونه كائناً بايولوجياً، ولكنه قد يكون تجاوز، في لحظة ما من تاريخه، حدود التنظيم البايولوجي الصرف. وحين ظهر فائض التمثل، لم تعد الذاكرة مجرد أداة لتخزين ما يفيد الكائن في المستقبل، وإنما أصبحت قادرة على إعادة إحياء ما انتهى؛ ولم يعد العدوان مجرد وسيلة لدفع الخطر، وإنما أصبح قابلاً لأن يُستدعى لخدمة معنى نفسي؛ ولم يعد الألم مجرد إشارة إلى ضرر ينبغي تجنبه، وإنما أصبح قصة تستطيع الذات أن ترويها لنفسها سنوات طويلة.
عندئذ يمكن أن نفهم الانتقام بوصفه نقطة التقاء بين فائض التمثل وفائض العدوان. فالأول يبقي الإساءة حية بعد انقضاء زمانها، والثاني يمنح الذات إمكانية تحويل هذا الحضور النفسي المستمر إلى رغبة في إيقاع الضرر. وما كان ينبغي للطبيعة، وفق منطق الاقتصاد البايولوجي، أن تحتفظ به إلا بمقدار فائدته في المستقبل، يستطيع الإنسان أن يحتفظ به لأنه أصبح جزءاً من معنى ذاته!
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأكثر إثارة هو: لماذا ينتقم الإنسان؟ بل: لماذا يستطيع الإنسان أن يرفض انتهاء حادثة انتهت بالفعل؟ إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف شيئاً بالغ الدلالة عن التاريخ التطورية للإنسان. فقد يكون الانتقام واحداً من تلك الشقوق الصغيرة التي نستطيع، إذا أمعنا النظر فيها، أن نرى من خلالها حدود التفسير القائم على الاستمرارية التطورية الخالصة.
فالذي يطارد خطراً ما يزال ممكناً قد يكون أسير ضرورة بايولوجية مفهومة. أما الذي يطارد، بعد عشرين عاماً، معنى إساءة لم تعد موجودة إلا في ذاكرته، ويقاوم نسيانها كيلا تنطفئ رغبته في الاقتصاص ممن تسبب بها، فقد دخل عالماً آخر: عالم الكائن الذي لم يعد يعيش ما يحدث له فحسب، بل يعيش أيضاً تمثله لما حدث له. ولعل المسافة بين هذين العالَمين هي بعض ما ينبغي أن نبحث فيه إذا أردنا أن نعرف أين تنتهي البايولوجيا، وأين تبدأ الميتابايولوجيا.
