
لعل واحدة من أكثر المفارقات إثارة للتأمل في تاريخ الإنسان أن هذا الكائن، الذي استطاع أن يتخلى عن عدد هائل من الخرافات التي صنعها في بدايات تشكّل وعيه بالعالم، ما يزال شديد التمسك بخرافات أخرى لا تقل عنها افتقاراً إلى السند العلمي، لا لشيء إلا لأنها التصقت بوعيه العاطفي، وتحولت، عبر الأدب والشعر والأسطورة، إلى ما يشبه الحقائق التي لا يجوز مساءلتها. ومن أبرز هذه الخرافات ما يمكن تسميته “خرافة الحب الوحيد”.
فمنذ متى كان في الطبيعة ما يلزم الإنسان بأن يحب شخصاً واحداً حباً لا يمكن أن يتكرر؟ وأين هو القانون البايولوجي الذي يقول إن تجربة عاطفية بعينها تستطيع أن تستنفد، مرة واحدة وإلى الأبد، قابلية الدماغ والنفس لتكوين ارتباط عاطفي جديد؟ وعن أي «حب وحيد» نتحدث إذا كان الإنسان نفسه كائناً متغيراً، تتغير خبراته وذاكرته وشخصيته وظروفه واحتياجاته وتفضيلاته، بل وتتغير الطريقة التي يرى بها ذاته والآخرين والعالم؟
ربما تكمن المشكلة في أننا لم نكتفِ بأن نحب، وإنما أخذنا، بفعل فائض التمثّل، ننسج حول الحب منظومة هائلة من المعاني التي لا يقتضيها الحب نفسه. فالحب لم يعد، في وعينا الثقافي، مجرد ارتباط عاطفي بالغ القوة بشخص آخر، وإنما صار قدراً، ونصفاً مفقوداً، وروحاً واحدة انقسمت إلى جسدين، وشخصاً كُتب لنا منذ الأزل، وحباً لا يحدث إلا مرة واحدة، وإن ضاع منا فقد ضاعت معه إمكانية العثور على حب حقيقي آخر!
وهنا تحديداً يبدأ فائض التمثّل عمله. فالإنسان لا يعيش التجربة كما هي فحسب، وإنما يتمثّلها في وعيه، ثم يعيد تمثلها، ويحمّلها من المعاني ما يتجاوز بكثير حدودها الواقعية. وإذا كانت التجربة قوية بما يكفي، فإن التمثّل قد يصبح أقوى من التجربة نفسها! فلا يعود الإنسان متعلقاً بالشخص الذي أحبّه بقدر تعلقه بالصورة التي صنعها لذلك الشخص، ولا يعود أسيراً لعلاقة انتهت بقدر ما يصبح أسيراً للمعنى الذي أقنع نفسه بأن تلك العلاقة كانت تُمثله. وهكذا يمكن لإنسان أن يمضي سنوات وهو يعتقد أنه لم يتجاوز «حب حياته»، مع أن ما لم يتجاوزه في الحقيقة قد لا يكون ذلك الإنسان نفسه، وإنما التمثّل الذي صنعه له.
ولعل البايولوجيا التطورية تجعلنا أكثر حذراً إزاء هذه الصورة الرومانسية المطلقة. فالارتباط العاطفي لم يظهر في تاريخ الحياة لكي ينتج القصائد والروايات والأساطير، وإنما تشكل ضمن تاريخ تطوري طويل كان فيه للانجذاب والارتباط والتزاوج والرعاية والتعاون وظائف مرتبطة بالبقاء والتناسل وبناء الروابط الاجتماعية. وهذا لا ينتقص من الحب ولا يحوله إلى شيء تافه؛ وإنما يعيده من السماء الميثولوجية التي رفعناه إليها إلى التاريخ الطبيعي الذي خرج منه.
أما الميتابايولوجيا فتتيح لنا الذهاب خطوة أخرى إلى الأمام. فإذا كانت البايولوجيا تستطيع أن تساعدنا على فهم البنية التطورية للانجذاب والارتباط، فإن الميتابايولوجيا تستطيع أن تسأل: ماذا فعل الإنسان بهذه البنية بعدما أخضعها لفائض التمثّل؟
هنا تبدأ المسافة بين الحب بوصفه ظاهرة والحب بوصفه أسطورة. فالطبيعة زودتنا بالقدرة على الارتباط، ولكن الإنسان هو الذي صنع من بعض صور الارتباط قدراً أبدياً. والطبيعة زودتنا بالذاكرة، ولكن الإنسان هو الذي جعل من عدم النسيان فضيلة أخلاقية. والطبيعة أتاحت لنا أن نحزن على فقد من نحب، ولكن فائض التمثّل هو الذي يستطيع أن يقنعنا بأن انتهاء الحب الأول أو الكبير ينبغي أن يعني، بطريقة ما، انتهاء قدرتنا على الحب.
وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج هذه الخرافة؛ حيث أنها تستطيع أن تحوّل الوفاء لذكرى تجربة سابقة إلى واجب تجاه المستقبل. فيصبح الإنسان مذنباً لأنه أحب مرة أخرى. وقد يشعر أن ارتباطه بشخص جديد خيانة لشخص غادر حياته منذ سنوات. وقد يقارن كل إنسان يلتقيه بصورة مثالية صنعتها الذاكرة لشخص سابق، ناسياً أن الذاكرة نفسها ليست آلة تصوير تحفظ الماضي كما كان، وإنما تعيد بناءه في كل مرة نستحضره فيها. والأغرب أننا قد نصف هذا كله بأنه دليل على “صدق الحب”!
ولكن لماذا يكون العجز عن التغير دليلاً على الصدق؟ ولماذا يصبح استمرار الشعور هو الفضيلة، بينما يصبح تغيره نوعاً من الخيانة؟ فنحن لا نطالب الإنسان بأن يحتفظ طوال حياته بالأفكار نفسها التي كان يؤمن بها في سن العشرين، ولا بالأذواق نفسها، ولا بالأصدقاء أنفسهم، ولا بالطموحات نفسها، بل أننا نعد القدرة على مراجعة كثير من ذلك علامة على النضج. ولكننا حين نصل إلى الحب نتوقف فجأة، وكأن العاطفة قد مُنحت حصانة استثنائية من القانون الذي يحكم بقية الشخصية الإنسانية، ألا وهو قانون التغير.
ومن منظور قانون اقتصاد الطبيعة تصبح المسألة أكثر إثارة للتساؤل. فالمنظومات الحية لا تمتلك موارد غير محدودة، فالوقت مورد، والطاقة مورد، والانتباه مورد، والجهد النفسي مورد. ولهذا كان من غير المعقول، من منظور اقتصادي بايولوجي صرف، أن يكون الأصل في الكائن أن يستهلك سنوات وربما عقوداً من عمره في المحافظة على ارتباط لم يعد موجوداً في واقعه، وأن يعطل إمكانات جديدة في حياته من أجل حماية صورة ذهنية لتجربة انتهت. فالطبيعة لا تعرف «الحب الوحيد» بهذا المعنى الأسطوري؛ فهي تعرف الارتباط والانفصال، والتكيف وإعادة التكيف، والفقد وتكوين روابط جديدة. أما تحويل إحدى هذه الروابط إلى حقيقة ميتافيزيقية لا يمكن أن تتكرر، فذلك يبدو أقرب إلى صناعة فائض التمثّل منه إلى مقتضيات البايولوجيا.
بل لعل المفارقة الكبرى أن فائض التمثّل يستطيع هنا أن يعمل ضد قانون اقتصاد الطبيعة. فبدلاً من أن تسمح المنظومة النفسية للإنسان بإعادة توزيع موارده بعد انتهاء علاقة ما، يستطيع التمثّل أن يبقي تلك الموارد محتجزة في الماضي؛ الأمر الذي يقتضي ساعات من التفكير، وعمليات لا تنتهي من استعادة الذكريات، ومقارنات متكررة، وانتظار، وندم، وتخيلات عن احتمالات لم تقع، ومحاولات لإعادة بناء عالم لم يعد موجوداً! وكل ذلك من أجل ماذا؟ من أجل المحافظة على فكرة تقول إن هناك شخصاً واحداً فقط كان ينبغي أن نحبه. ولكن السؤال الذي ربما ينبغي أن نطرحه هو ليس: هل يمكن للإنسان أن يحب أكثر من مرة؟ فالتاريخ الإنساني اليومي يكاد يجعل الإجابة عن ذلك بديهية.
السؤال الأهم هو: لماذا احتجنا أصلاً إلى اختراع فكرة تقول إنه لا يستطيع؟ وهنا تصبح خرافة الحب الوحيد أكثر من مجرد تصور رومانسي؛ حيث أنها تتحول إلى نافذة يمكن أن نطل منها على طبيعة العقل البشري نفسه.
فالإنسان يبدو شديد الميل إلى تحويل النسبي إلى مطلق، والمؤقت إلى أبدي، والتجربة إلى قدر، والاحتمال إلى ضرورة. وحين تكون التجربة مشحونة بانفعال قوي، تتضاعف قدرة فائض التمثّل على القيام بهذه المهمة. ولذلك لم يقل الإنسان ببساطة: “لقد أحببت شخصاً حباً شديداً”، وإنما قال: “هذا هو الإنسان الوحيد الذي خُلقت لأحبه”. والفرق بين الجملتين هو، في جانب كبير منه، الفرق بين التجربة وتمثّل التجربة. فالأولى تصف ما حدث، أما الثانية فتبني ميثولوجيا كاملة حول ما حدث. وليس المقصود من هذا كله الحط من قيمة الحب، ولا اختزاله إلى سلسلة من التفاعلات البايولوجية، ولا إنكار أن بعض العلاقات يمكن أن تكون استثنائية إلى درجة يصعب معها تعويضها. فالإنسان قد يلتقي شخصاً يترك فيه أثراً لا يشبه أثر أي شخص آخر، وقد تبقى ذكرى علاقة معينة حاضرة طوال العمر. ولكن شيئاً من ذلك لا يبرر القفزة من القول إن حباً ما كان استثنائياً إلى القول إنه الحب الوحيد الممكن! فالاستثنائية شيء، والوحدانية شيء آخر تماماً.
ولعل تحرير الحب من هذه الخرافة لا يقلل من قيمته، وإنما يعيده إلى حجمه الإنساني الحقيقي. فنحن نستطيع أن نحب إنساناً بعمق من دون أن نزعم أن الكون خلقه خصيصاً لنا! ونستطيع أن نحزن على انتهاء علاقة من دون أن نحكم على ما تبقى من أعمارنا بالعقم العاطفي! ونستطيع أن نحفظ للذين أحببناهم مكانتهم في تاريخنا من دون أن نمنحهم حق احتلال مستقبلنا أيضاً!
وهذا ربما هو أحد الدروس التي يمكن للميتابايولوجيا أن تقدمها في فهم الإنسان، والمتمثل في أن جزءاً كبيراً من تعقيد حياتنا لا يأتي دائماً من صعوبة الواقع نفسه، وإنما من فائض المعنى الذي نضيفه نحن إليه.
فنحن لا نعاني من الفقد وحده، وإنما من المعاني التي نصنعها للفقد. ولا نعاني من انتهاء الحب وحده، وإنما من اعتقادنا أن الحب الذي انتهى كان ينبغي ألا ينتهي. ولا نعاني لأن شخصاً رحل فحسب، وإنما لأننا أقنعنا أنفسنا بأنه كان الشخص الوحيد الذي لا يجوز له أن يرحل. ولولا فائض التمثّل، لربما كانت حياة الإنسان أقل تعقيداً بكثير مما أصبحت عليه.
غير أن المطلوب ليس أن نتخلص من التمثّل؛ فهذا قد يكون مستحيلاً، وربما كان التمثّل نفسه جزءاً أساسياً مما جعل الإنسان إنساناً. فالمطلوب أن نتعلم التمييز بين ما يأتي به الواقع وما نأتي به نحن إلى الواقع، بين الحب والأسطورة التي نصنعها نحن منه، بين قوة التجربة والادعاء بأنها قدر أبدي!
وعندئذ ربما يحين الوقت لكي نسأل، بعد آلاف السنين من الشعر والأساطير والوعود الأبدية: عن أي «حب وحيد» نتحدث؟ فإذا كان الإنسان نفسه ليس إنساناً واحداً ثابتاً طوال حياته، وإذا كانت شخصيته واحتياجاته وتمثلاته تتغير، وإذا كان الدماغ قادراً على إعادة تشكيل روابطه واستجاباته، وإذا كانت الحياة نفسها لا تتوقف عن تقديم ظروف وأشخاص وتجارب جديدة، فمن أين جاءت الضرورة التي تقول إن القلب ينبغي أن يُغلق أبوابه بعد تجربة واحدة؟ فربما لم تأتِ من الطبيعة أصلاً، وربما نحن الذين اخترعناها، وربما يكون قد حان الوقت، ونحن نتخلى تباعاً عن خرافات كثيرة صنعها أسلافنا لتفسير عالم لم يكونوا يعرفونه جيداً، أن نبدأ أيضاً بالتخلي عن بعض الخرافات التي صنعناها لتفسير أنفسنا حين لم نكن نعرف أنفسنا جيداً.
ولعل «الحب الوحيد» واحدة منها.
