فائض التمثّل وصناعة الأسطورة… لماذا لا تكفي الواقعة لإغراء العقل البشري؟

لعل واحدة من أكثر خصائص العقل البشري إثارة للتأمل أنه لا يبدو مكتفياً بالوقائع كما حدثت، ولا بالأشياء كما هي. فالواقعة، حين تبقى محكومة بحدود الممكن والمألوف والمعقول، قد تستوقف الإنسان لبعض الوقت، لكنها قلما تمتلك تلك القدرة الهائلة على الاستحواذ على خياله التي تمتلكها الواقعة بعد أن تمر بمختبر الأسطرة. وكأن الإنسان لا يريد أن يعرف ما حدث فحسب، وإنما يريد لما حدث أن يكون أكبر مما حدث فعلاً.
ومن هنا ربما كان علينا أن نعيد النظر في الأسطورة، فلا نتعامل معها باعتبارها مجرد نتاج لجهل الإنسان القديم بالطبيعة والعالم. فالأسطورة قد تكون، في جانب مهم منها، استجابة لحاجة أعمق في العقل البشري نفسه: حاجته إلى تضخيم الواقع حتى يصبح أكثر قابلية للإثارة والدهشة والانفعال.
فالحدث الواقعي له حدود. أما الأسطورة فلا حدود لها. ففي الواقع يستطيع الإنسان أن يكون شجاعاً، أما في الأسطورة فيستطيع أن يكون بطلاً لا يُقهر. وفي الواقع يمكن أن يكون البحر خطراً، أما في الأسطورة فيمكن أن تمتلئ أعماقه بالوحوش والآلهة والقوى الخفية. وفي الواقع قد يضل المسافر طريق العودة سنوات، أما في الأسطورة فإن رحلة العودة نفسها تستطيع أن تتحول إلى مواجهة كونية بين الإنسان والقدر والآلهة والموت والمجهول.
وهنا يبدأ فائض التمثّل عمله. فالإنسان لا يكتفي، وفق هذا التصور، بتمثل الواقعة في ذهنه تمثلاً مطابقاً لما حدث، وإنما يضيف إليها من مخزونه النفسي والثقافي والتخيلي ما يجعل صورتها الذهنية أوسع من حدودها الواقعية. وإذا تراكمت هذه الإضافات، وانتقلت من فرد إلى آخر ومن جيل إلى آخر، فقد لا يبقى الحدث حدثاً؛ بل يتحول إلى أسطورة!
ولعل النجاح الثقافي الاستثنائي الذي حققه فيلم The Odyssey لكريستوفر نولان يقدم مثالاً معاصراً بالغ الدلالة على هذه النزعة القديمة في العقل البشري. فالفيلم لم يدفع الملايين إلى مشاهدة قصة أوديسيوس فحسب، وإنما أعاد إحياء الاهتمام بهوميروس والأدب الإغريقي والأساطير واللغة اليونانية نفسها. وقد أظهرت البيانات المنشورة بعد عرض الفيلم ارتفاعاً هائلاً في عمليات البحث عن تعلم اليونانية، بالتزامن مع زيادة ملحوظة في مبيعات نسخ «الأوديسة» والطلب عليها.
والسؤال الذي يستحق التأمل هنا هو ليس: لماذا أعجب الناس بالفيلم؟ فنجاح فيلم ضخم لمخرج مثل كريستوفر نولان ليس في ذاته ظاهرة تحتاج إلى تفسير فلسفي، بل السؤال الأكثر إثارة هو: لماذا استطاعت الحكاية الأسطورية أن تدفع بعض مشاهديها إلى محاولة الاقتراب من الثقافة التي أنتجتها، بل وحتى من لغتها؟ ولكي ندرك قيمة هذا السؤال يمكن أن نقارن ذلك، بحذر، بما حدث مع فيلم شهير آخر قدّم ثقافة مختلفة في صورة آسرة هو The Last Samurai “الساموراي الأخير”. فلقد قدم ذلك الفيلم عالم الساموراي بما فيه من انضباط وشجاعة وتضحية وشرف وتقاليد وطقوس، ونجح في جعل كثير من المشاهدين مفتونين بتلك الثقافة. ولكنه لم يتحول، فيما نعرف، إلى ظاهرة جماهيرية مماثلة تدفع الاهتمام باللغة اليابانية إلى قفزة يمكن مقارنتها بما حدث لليونانية عقب The Odyssey.
وليس المقصود من هذه المقارنة إثبات علاقة سببية قاطعة بين «الأسطورة» وتعلم اللغات؛ فهناك عوامل كثيرة تتدخل في نجاح الأفلام وتأثيرها، ابتداءً من شهرة المخرج والتسويق والنجوم وحجم الإنتاج، وصولاً إلى اختلاف البيئة الإعلامية بين عام 2003، حين صدر The Last Samurai، وعام 2026 الذي صدر فيه فيلم The Odyssey.
لكن المقارنة تظل مثيرة لسؤال معرفي مهم.
فـ The Last Samurai، رغم كل ما فيه من معالجة سينمائية ورومانسية ومبالغات، يظل مربوطاً بعالم يمكن للعقل أن يتعامل معه باعتباره قريباً من التاريخ الممكن: بشر يقاتلون بشراً، مجتمع يتغير، طبقة محاربة تواجه نهاية عصرها، وتقاليد تحاول مقاومة الحداثة.
أما The Odyssey فتفتح الباب على عالم مختلف تماماً: عالم تتداخل فيه رحلة الإنسان مع الآلهة والوحوش والنبوءات والعالم السفلي والقوى الخارقة.
أي إننا ننتقل من واقعة يمكن تضخيمها إلى عالم تأسس أصلاً على التضخيم الأسطوري للواقعة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالواقعة، كلما احتفظت بواقعيتها، فرضت قيوداً على فائض التمثّل؛ فهي تقول للعقل، بصورة أو بأخرى، هذا ما حدث، وهذه حدوده. أما الأسطورة فتقول له: لك ان تتخيّل ما تشاء. ولهذا ربما تكون الأسطورة أكثر توافقاً مع بنية فائض التمثّل من التاريخ نفسه. فالتاريخ يضع حدوداً للمخيلة، بينما تمنحها الأسطورة فضاءً يكاد يكون بلا حدود!
ولعل ذلك يساعدنا على فهم ظاهرة أوسع بكثير من نجاح فيلم سينمائي. فلماذا أحب البشر، عبر تاريخهم، تحويل المحاربين إلى أبطال خارقين، والحكام إلى شخصيات شبه مقدسة، والمعارك إلى ملاحم، والرحلات إلى أسفار أسطورية، والعشاق إلى نماذج للحب الأبدي؟ ولماذا لا يكفي أن نقول إن رجلاً كان شجاعاً، بل نحتاج إلى أن نجعله أشجع الرجال؟ ولا يكفينا أن تكون امرأة جميلة، بل تصبح أجمل نساء الأرض؟ ولا يكفي أن تكون معركة كبيرة، بل ينبغي أن تصبح المعركة التي غيرت مصير العالم؟!
إن اللغة البشرية نفسها تكشف مقدار افتتاننا بالتفضيل والمبالغة والتعظيم: الأعظم، والأجمل، والأشجع، والأندر، والأخطر، والأكثر استثنائية. وكأن الواقعة لا تكتمل في الوعي البشري إلا حين نضيف إليها شيئاً لم يكن فيها.
وهنا يصبح من الممكن النظر إلى الأسطورة باعتبارها التجسيد الثقافي لفائض التمثّل. فالأسطورة ليست كذباً بالضرورة بالمعنى البسيط للكلمة؛ إذ قد تكون لها نواة واقعية، وقد تستند إلى أشخاص أو حروب أو هجرات أو كوارث حدث شيء يشبهها بالفعل. لكن ما يفعله فائض التمثّل هو أنه يرفض ترك تلك النواة على حالها. يضيف إليها، ويضخمها، ويعيد ترتيبها، ويمنحها غايات ودلالات وقوى وشخصيات استثنائية، حتى تصبح النسخة المتمثلة في الوعي أكثر جاذبية من الواقعة التي انطلقت منها.
وربما كان هذا هو أحد الأسباب التي جعلت الأساطير أكثر قدرة على البقاء من عدد لا يحصى من الوقائع التاريخية. فكم من أحداث حقيقية وقعت ثم اختفت من الذاكرة البشرية؟ وكم من أشخاص عاشوا بالفعل ثم لم يبق لهم أثر؟ وفي المقابل، ما زلنا بعد ما يقرب من ثلاثة آلاف عام نعرف أوديسيوس، ونستعيد رحلته، ونروي عن السيرينات والسيكلوب وبوسيدون، ونعيد إنتاج الحكاية في الكتب والمسرح والسينما. فلقد انتصرت الأسطورة، بهذا المعنى، في معركة البقاء داخل الذاكرة، ليس لأنها كانت أكثر حقيقة من الوقائع التي نُسيت، وإنما ربما لأنها كانت أكثر ملاءمة للعقل الذي كان عليه أن يتذكرها.
وهذه نقطة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً.
فقد نكون أخطأنا حين افترضنا أن الذاكرة الثقافية للبشرية تعمل وفق مبدأ معرفي بسيط يقول إن المهم يبقى وغير المهم يختفي. ربما تعمل، جزئياً على الأقل، وفق مبدأ آخر: الأكثر قابلية للتمثّل هو الأكثر قابلية للبقاء.
وإذا صح ذلك، فإن تاريخ الثقافة البشرية لا يكون تاريخ ما حدث فحسب، وإنما تاريخ ما استطاع العقل البشري أن يحوله إلى قصة تستحق أن تُروى.
ومن هنا أيضاً يمكن أن نفهم لماذا لا تموت الأسطورة عندما يتقدم العلم. فلقد كان من المفترض، وفق تصور ساذج عن التقدم المعرفي، أن تختفي الأسطورة كلما ازداد الإنسان معرفة بالعالم. ولكن ما حدث هو العكس تقريباً: لقد تراجعت قدرتنا على التصديق الحرفي بكثير من الأساطير، بينما لم تتراجع رغبتنا في استهلاكها!
فلم نعد بالضرورة نعتقد أن بوسيدون يغضب فيهيج البحر، لكننا ما زلنا ندفع ثمن التذكرة لكي نشاهد بوسيدون وهو يفعل ذلك!
وهذا فارق بالغ الدلالة. فالعلم يستطيع أن يسلب الأسطورة وظيفتها التفسيرية، لكنه قد لا يستطيع أن يسلبها وظيفتها النفسية والتمثّلية. والإنسان الحديث قد يعرف جيداً الفرق بين الحقيقة والخيال، لكنه لا يعني بذلك أنه أصبح أقل افتتاناً بالخيال. وربما أصبح أكثر افتتاناً به، لأن السينما والتقنيات الرقمية والمؤثرات البصرية أتاحت لفائض التمثّل أن يرى، لأول مرة تقريباً، عوالمه الداخلية مجسدة أمام عينيه بالصوت والصورة.
ولذلك فإن ظاهرة The Odyssey قد تكون أكثر من مجرد نجاح سينمائي عابر. فحين تدفع أسطورة عمرها قرابة ثلاثة آلاف سنة إنسان القرن الحادي والعشرين إلى شراء كتاب هوميروس، والبحث عن الميثولوجيا الإغريقية، بل والتفكير في تعلم اللغة التي كُتبت بها تلك الحكايات، فنحن أمام شهادة مدهشة على قوة الأسطورة في العقل البشري.
لكنها قد تكون أيضاً شهادة على شيء أعمق: أن الإنسان لا يبحث دائماً عن العالم كما هو؛ وإنما ينجذب، بصورة قد تكون أشد، إلى العالم بعد أن يعيد فائض التمثّل صياغته كما يتمنى أن يكون. ولعلنا لذلك لم نتوقف عن صناعة الأساطير. فنحن غيّرنا المصانع التي تنتجها فحسب. فبعد أن كانت تُروى حول النار، ثم تُنشد في الملاحم، ثم تُكتب في الكتب، أصبحت اليوم تُعرض على شاشات عملاقة. أما العقل الذي يحتاج إليها، فربما لم يتغير بالقدر الذي نتصوره.

أضف تعليق