ربما لم يكن فساد المعرفة البشرية ناشئاً دائماً عن نقص المعلومات، ولا عن ضعف أدوات البحث والاستدلال، ولا حتى عن تعمد الكذب والتضليل. فثمة مصدر آخر للفساد المعرفي قد يكون أكثر خفاءً وأشد قدرة على الاستمرار، لأنه يقع داخل اللغة التي نفكر بها نفسها: الاجتراء على الحدود الدلالية للمصطلحات.
فنحن ننحت مصطلحاً لكي يدل على معنى محدد، ثم لا نلبث، مع كثرة الاستعمال وتعدد السياقات، أن نسمح له بالتمدد خارج الحدود التي اكتسب بها هويته الاصطلاحية. وبعد أجيال من هذا التمدد، يصبح المصطلح الواحد حاملاً لمعانٍ شديدة الاختلاف، وربما متناقضة، ثم نرتكب الخطأ الأخطر حين ننقل الأحكام التي تصح على أحد هذه المعاني إلى المعاني الأخرى.
وهنا لا نعود أمام مشكلة لغوية فحسب، وإنما أمام مصنع حقيقي للأباطيل. وذلك أن المصطلح ليس مجرد كلمة؛ إذ أنه أداة لتقسيم الواقع وتصنيفه والتفكير فيه. وحين تختل الأداة التي نصنف بها الأشياء، يختل تبعاً لذلك جانب من المعرفة التي نبنيها بواسطتها. ولذلك فإن الفوضى الضاربة بجذورها عميقاً في التاريخ الدلالي لكثير من مصطلحاتنا الفكرية والفلسفية والسياسية والدينية والعلمية لم تكن بلا ثمن؛ إذ كان لا بد أن تنتقل آثارها من اللغة إلى الفكر، ومن الفكر إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الكيفية التي نفهم بها العالم.
ولنأخذ مصطلح “المعجزة” مثالاً. فإذا أردنا استعمال هذا المصطلح استعمالاً معرفياً صارماً، كان علينا أولاً أن نسأل: ما الحد الدلالي الذي يجعل الحدث معجزة، ويفصله عن كل ما ليس بمعجزة؟ فيمكن اقتراح التعريف الآتي: إن المعجزة هي فعل لا يمكن لغير الله أن يكون علة حدوثه، ولا يستطيع مخلوق أن يأتي به أو بمثله، ولا يمكن تفسيره، من حيث هو معجزة، تفسيراً طبيعياً يكشف عن آلية سببية كانت مجهولة لنا.
وليست القيمة المعرفية لهذا التعريف في كلماته، وإنما في الحدود التي يرسمها. فما إن نقبل بهذه الحدود حتى تترتب عليها نتائج بالغة الدلالة. فإذا كان بمقدور الإنسان أن يصنع الشيء، فهو ليس معجزة. وإذا كان بمقدور الطبيعة، وفق قوانينها وآلياتها، أن تنتجه، فهو ليس معجزة. وإذا كانت الظاهرة غامضة اليوم ولكن يمكن، من حيث المبدأ، أن يأتي العلم غداً فيكشف أسبابها وآلياتها، فإن جهلنا الحالي بها لا يحولها إلى معجزة. ذلك أن العجز عن التفسير ليس هو استحالة التفسير.
وهذه التفرقة وحدها كفيلة بإزالة قدر هائل من الالتباس الذي رافق استعمال هذا المصطلح. فقد عجز الإنسان في مراحل مختلفة من تاريخه عن تفسير ظواهر لا حصر لها، ثم استطاع لاحقاً تفسيرها. ولو كان العجز المعرفي المؤقت كافياً لإثبات المعجزة، لاضطررنا إلى القول إن تاريخ العلم ليس إلا تاريخاً لتحويل المعجزات إلى ظواهر طبيعية، وهو تناقض يكشف خطأ التعريف منذ البداية.
فالمعجزة، بهذا المعنى الصارم، ليست اسماً لما لم نفسره بعد، وإنما لما لا يكون تفسيره الطبيعي المنتظر هو الذي جعله معجزة أصلاً!
ومن هنا تظهر المشكلة الكامنة في تعبيرات من قبيل The Secret Science Behind Miracles أو “العلم السري وراء المعجزات”. فالجمع بين «المعجزة»، بالمعنى الذي حددناه، وبين «العلم الذي يقف وراءها» ينطوي على اضطراب مفهومي؛ لأن اكتشاف آلية طبيعية قابلة للدراسة والتكرار والاختبار لا يفسر لنا كيف تحدث المعجزة، وإنما يخبرنا أن الظاهرة التي كنا نسميها معجزة لم تكن معجزة بهذا المعنى منذ البداية!
فالذي يمتلك تفسيراً علمياً ليس خارقاً للانتظام الطبيعي بالمعنى المقصود هنا، والذي يستطيع الإنسان تعلم آليته وإعادة إنتاجه ليس فعلاً ممتنعاً على المخلوق. ومن ثم فإن الحديث عن «الأسباب العلمية للمعجزات» قد يصبح، عند أخذ المصطلحين بمعناهما الصارم، شبيهاً بالبحث عن القوانين الطبيعية التي تجعل الظاهرة غير الطبيعية غير طبيعية! وهذه واحدة من النتائج الغريبة التي يصل إليها التفكير حين نسمح للمصطلحات بأن تغادر حدودها، ثم نحاول بعد ذلك بناء الاستدلالات على المعاني الهجينة التي صنعناها!
ومن أخطر مظاهر هذا الخلط تحويل كلمة «المعجزة» إلى عنوان مؤقت لجهلنا. فنرى ظاهرة لا نستطيع تفسيرها فنقول: معجزة! نشهد شفاءً لا نعرف علته فنقول: معجزة! ونصادف حدثاً نادر الاحتمال فنقول: معجزة! ونقف أمام واقعة تبدو لنا شديدة الغرابة فنقول: لا يمكن أن يكون هذا إلا معجزة! ولكن أياً من هذه الأوصاف لا يكفي وحده. فندرة الحدث لا تجعله معجزة، وغرابته لا تجعله معجزة، وعجزنا الحالي عن تفسيره لا يجعله معجزة. فأقصى ما يحق لنا معرفياً أن نقوله عن ظاهرة لا نعرف أسبابها هو: إننا لا نعرف أسبابها “بعد”. وتبدو كلمة «بعد» هنا صغيرة، لكنها تمثل واحداً من أهم أشكال التواضع المعرفي؛ لأنها تترك الباب مفتوحاً أمام معرفة مستقبلية قد تغير فهمنا للظاهرة بالكامل. أما أن نملأ مساحة جهلنا بكلمة «معجزة»، فإننا لا نكون قد قدمنا تفسيراً، بل نكون قد منحنا جهلنا اسماً يوهمنا بأننا فسرناه!
وتزداد المشكلة وضوحاً في تعبير “المعجزة العلمية (Scientific miracle)”. فإذا كان المقصود به إنجازاً علمياً بالغ الروعة، كاكتشاف دواء استثنائي، أو إرسال مركبة إلى جرم بعيد، أو تطوير تقنية كانت تبدو مستحيلة قبل عقود، فنحن أمام استعمال مجازي لكلمة المعجزة، لا أمام معجزة بالمعنى الاصطلاحي الصارم.
فالعلم لا يصنع المعجزات بهذا المعنى؛ فالعلم يكتشف إمكانات الواقع وقوانينه ويستثمرها.
وإذا استطاع العلم أن يفعل شيئاً، فإن مجرد استطاعته فعله تنقله إلى مجال الممكن الطبيعي أو التقني، مهما بدا ذلك الشيء مدهشاً لمن عاش قبل اكتشافه.
ولذلك فإن عبارة «معجزة علمية» قد تكون مقبولة بلاغياً، مثلما نقول عن لاعب استثنائي إنه «ساحر» من غير أن نزعم أنه يمارس السحر فعلاً. ولكن الخطأ يبدأ حين ينتقل المجاز من الأدب إلى المعرفة محتفظاً بالسلطة الدلالية للمصطلح الأصلي. وهنا ينبغي أن نفرق دائماً بين حق اللغة في المجاز وواجب المعرفة في الدقة.
نستعمل كلمة «معجزة» كذلك لوصف أحداث في حياتنا اليومية: نجاة شخص من حادث مروع، بقاء طفل حياً في ظروف شديدة القسوة، نجاح عملية جراحية بالغة التعقيد، أو تحقق أمر كانت احتمالات وقوعه ضئيلة للغاية. وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها أن لا مشكلة هناك على الاطلاق في مثل هذا الاستعمال ما دمنا نعرف أنه استعمال بلاغي أو وجداني. ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الانفعال النفسي أمام ضخامة الحدث إلى تصنيف معرفي لطبيعته!
فالقول إن النجاة كانت «معجزة» لأن احتمالها كان واحداً في المليون لا يثبت أنها معجزة. فالأحداث ذات الاحتمالات الضئيلة تقع، بل إن وجود الاحتمال، مهما كان ضئيلاً، يعني أن وقوع الحدث داخل النظام الطبيعي ممكن. وهكذا ينبغي ألا نخلط بين المدهش والمستحيل، وبين النادر والخارق، وبين المجهول وغير القابل للتفسير. وما أكثر الأباطيل التي نشأت تاريخياً من محو الحدود بين هذه الثنائيات.
وهنا نصل إلى لب المشكلة. فليس الخطر في أن يستعمل الناس المصطلحات استعمالاً مجازياً. فاللغة لا تستطيع الحياة من دون المجاز، والاستعارة، والتوسع الدلالي. وإنما الخطر في أن نستعير المصطلح مجازياً، ثم ننسى أننا استعرناه، فنستخرج من استعماله المجازي نتائج لا تصح إلا لو كان استعماله حرفياً.
وعند هذه النقطة يولد الباطل. فالحدث المدهش يصبح «معجزة»، ثم تتحول كلمة «معجزة» من وصف انفعالي إلى تقرير عن طبيعة الحدث، ثم يبدأ البحث عن «القوة الخارقة» التي أنتجته! وهكذا تكون البداية مجرد استعارة لغوية، بينما تصبح النهاية اعتقاداً معرفياً كاملاً!
وهذه الآلية لا تخص المعجزة وحدها، فهي تعمل في مساحات واسعة من تفكيرنا. فنحن نأخذ مصطلحات سياسية وفلسفية واقتصادية ونفسية واجتماعية، ثم نوسعها حتى تكاد تفقد حدودها، ونظل مع ذلك نستعملها كما لو كانت وحدات معرفية منضبطة.
فنصف أشياء مختلفة بالمصطلح نفسه، ثم نستغرب لماذا تختلف أحكامنا بشأنها. ونطلق أسماء مختلفة على ظاهرة واحدة، ثم نتصور أن اختلاف الأسماء هو دليل على اختلاف الحقائق! وننقل المصطلح من سياق إلى سياق آخر من دون أن ننقل معه شروط استعماله، ثم نبني على ذلك المقارنات والاستنتاجات والنظريات.
وبذلك تتحول اللغة، التي كان يفترض أن تساعدنا على ضبط الواقع، إلى واحدة من الأدوات التي تزيده التباساً في وعينا!
لعلنا نحتاج، لذلك، إلى قاعدة معرفية يمكن تسميتها مبدأ “السياج الدلالي للمصطلح”، فكل مصطلح معرفي ينبغي أن يمتلك حداً أدنى من الشروط الدلالية التي لا يبقى المصطلح هو نفسه إذا جرى تجاوزها.
فالمرونة اللغوية شيء، وانهيار الهوية الاصطلاحية شيء آخر.
والمشكلة ليست في تطور المصطلحات أيضاً؛ إذ يمكن للمعرفة أن تعيد تعريف مصطلح قديم أو تضيق معناه أو توسعه. ولكن عليها، عندما تفعل ذلك، أن تعلن التعريف الجديد وتلتزم بنتائجه. أما أن يتحرك المصطلح خفية بين تعريفات متعددة داخل الحجة الواحدة، فذلك يفتح الباب أمام واحدة من أقدم المغالطات: أن تبدأ البرهنة بكلمة تحمل معنى، وتنتهي بالكلمة نفسها بعد أن أصبحت تحمل معنى آخر!
وهذا بالضبط ما يجعل ضبط المصطلحات شرطاً سابقاً على كثير من مناقشاتنا الفكرية. فربما لا يكون المختلفون مختلفين دائماً بشأن الحقيقة نفسها؛ وربما يكون بعض اختلافهم ناشئاً عن أنهم يستعملون الكلمة نفسها للإشارة إلى أشياء مختلفة، أو كلمات مختلفة للإشارة إلى الشيء نفسه.
ومن هنا يمكن إعادة النظر في جزء مهم من تاريخ المعرفة البشرية. فليست كل الأباطيل أفكاراً اخترعها إنسان ثم صدقها الآخرون. فبعضها ربما نشأ بصورة أكثر بساطة وخطورة: كلمة خرجت قليلاً عن حدودها، ثم خرجت أكثر، ثم نسي الناس أين كانت حدودها الأولى! وبعد قرون يصبح الناتج منظومة كاملة من الأفكار التي تبدو متماسكة ما دمنا لا نعود إلى السؤال الأول: ماذا يعني هذا المصطلح تحديداً؟ وماذا لا يعني؟ وما الشروط التي إذا انتفت لم يعد من الجائز إطلاقه على الظاهرة؟
وهنا تصبح العودة إلى الدلالة عملاً معرفياً وليس لغوياً فحسب. فإذا كانت «المعجزة» فعلاً لا يستطيع أي مخلوق الإتيان به أو بمثله، ولا يكون مجرد نتيجة لآلية طبيعية مجهولة نكتشفها لاحقاً، فإن أشياء كثيرة سميناها معجزات ينبغي إخراجها فوراً من هذا التصنيف.
وإذا اكتشفنا للظاهرة «علماً سرياً» يفسر كيفية حدوثها، فإننا لم نكتشف العلم الذي يصنع المعجزات، بل اكتشفنا، على الأرجح، أن ما أسميناه معجزة لم يكن معجزة وفق التعريف الذي بدأنا منه. وإذا استطاع الإنسان إعادة إنتاج الحدث، فإن السؤال لا يعود: كيف استطاع الإنسان صناعة المعجزة؟ وإنما: لماذا سمينا هذا الحدث معجزة أصلاً؟! وهذا التحول في صياغة السؤال بالغ الدلالة المعرفية؛ لأنه ينقل المشكلة من العالم الخارجي إلى جهازنا المفاهيمي نحن.
ربما يكون جانب من الفوضى التي تعج بها فضاءاتنا المعرفية والفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية ناتجاً، في النهاية، عن أننا لم نتعلم بما يكفي احترام الحدود الدلالية للكلمات التي نفكر بها. فاللغة تمنحنا حرية واسعة في الاستعارة، لكن المعرفة تفرض علينا انضباطاً أشد. وليس مطلوباً أن نحرم الإنسان من أن يقول عن حدث مدهش إنه «معجزة»، أو عن إنجاز علمي مذهل إنه «معجزة علمية»، ما دام السياق بلاغياً ومجازياً، وإنما المطلوب ألا نهرب بالاستعارة إلى داخل البرهان، ثم نقدم ما ولد منها باعتباره حقيقة!
لذلك ربما ينبغي أن يسبق كثيراً من أسئلتنا سؤال أكثر تواضعاً وأبلغ قيمة معرفية: ما الذي نعنيه تحديداً بالكلمة التي نستعملها؟ فقد نكتشف عندئذ أن بعض خلافاتنا لم تكن خلافات على الواقع، بل على الأسماء التي أطلقناها عليه. وقد نكتشف ما هو أخطر من ذلك: أن بعض «الحقائق» التي تداولناها طويلاً لم تكن حقائق ثبتت بالأدلة، وإنما أباطيل ولدت يوم تجرأنا على الحدود الدلالية لمصطلح، ثم نسينا أننا نحن الذين تجاوزناها!.
