
ربما اعتدنا أن نضع العلم في الجهة المقابلة تماماً للهروب من الواقع. فالهروب، في تصورنا الشائع، هو أن يغادر الإنسان عالم الحقيقة إلى الحلم والأسطورة والرواية والمخدر والعالم الافتراضي، أما العلم فهو أن يعود إلى الواقع، وأن يراه كما هو، مجرداً قدر الإمكان من الأوهام والرغبات والتمنيات. ولكن ماذا لو كان هذا التقابل نفسه بحاجة إلى مراجعة؟ ماذا لو كان العلم، منذ بداياته الفلسفية الأولى وحتى مختبرات عصرنا الأكثر تطوراً، واحداً من أعظم مشاريع الإنسان للهروب من الواقع؛ لا بمعنى إنكاره أو تزييفه، وإنما بمعنى رفض القبول به كما هو؟
فالإنسان هو الكائن الذي لا يبدو قادراً على الاكتفاء بالعالم الذي وُضع فيه. يؤلمه المرض، فيبحث عن الدواء. يرهقه الجوع، فيطور الزراعة. يخيفه الظلام، فيصنع الضوء. تقيده المسافة، فيخترع وسائل النقل والاتصال. يعجز جسده عن الطيران، فيصنع الطائرة. لا يستطيع العيش تحت الماء، فيصنع الغواصة. تضيق به الأرض، فيرسل مركباته إلى الفضاء. يشيخ، فيدرس الشيخوخة. ويموت، فلا يكتفي حتى بالموت بوصفه نهاية بايولوجية لا شأن له بها، وإنما يحوله إلى مشكلة بحثية يسأل إن كان ممكناً تأخيرها أو تخفيف أسبابها أو توسيع العمر الصحي الذي يسبقها.!
فهل العلم، بهذا المعنى، هو معرفة بالواقع فحسب، أم أنه أيضاً احتجاج مستمر عليه؟
فمنذ أن رفع الإنسان رأسه إلى السماء وسأل ممَّ تتكون الأشياء، ولماذا تحدث الظواهر، وما الذي يحكم حركة الأجرام، كان يفعل شيئاً يتجاوز الفضول البسيط. فلقد كان يرفض أن يظل سجيناً للمشهد الذي تقدمه له حواسه. فالسماء تقول له إن الشمس تتحرك فوق رأسه، ولكنه لم يكتف بما تقوله السماء. والأرض تبدو ثابتة تحت قدميه، لكنه لم يكتف بما تخبره به قدماه. والمرض يبدو لعنة غامضة تنزل بالجسد، لكنه لم يكتف باللعنة تفسيراً. والصاعقة تبدو غضباً سماوياً، لكنه أراد أن يعرف كيف تتولد.
ومن هنا يمكن النظر إلى البدايات الفلسفية للعلم باعتبارها اللحظة التي اكتشف فيها الإنسان أن هنالك طريقة أخرى للهروب من الواقع غير تخيله بصورة مختلفة، وذلك بأن يفهمه بما يكفي لكي يستطيع تغييره.
وهنا يقع الفارق الهائل بين العلم وغيره من مهارب الإنسان.
فالأسطورة تغير الواقع في المخيلة، والرواية تمنحنا واقعاً بديلاً نقيم فيه لبعض الوقت، والحلم يعطل اتصالنا المؤقت بالعالم، والمخدر يستطيع أن يغير خبرتنا الذاتية به؛ أما العلم فيحاول أن يجعل الواقع نفسه أقل شبهاً بالواقع الذي أردنا الهروب منه.!
إنه المهرب الوحيد تقريباً الذي لا يَعِد الإنسان بعالم آخر، وإنما يعده، ولو جزئياً، بأن يجعل هذا العالم نفسه عالماً آخر.
ولعل التاريخ العلمي كله يمكن أن يُقرأ، من زاوية ما، بوصفه رفضاً متواصلاً لعبارة شديدة القدم: هكذا هي الحياة (C’est la vie). يمرض الإنسان؟ هكذا هي الحياة. يموت الأطفال بالعدوى؟ هكذا هي الحياة. تفتك الأوبئة بالمدن؟ هكذا هي الحياة. يحتاج السفر بين مكانين إلى شهور؟ هكذا هي الحياة. يموت الإنسان إذا تعطلت بعض أعضائه؟ هكذا هي الحياة. لكن العلم لم يتوقف طويلاً أمام هذه العبارة. ففي كل مرة كان الواقع يضع حداً أمام الإنسان، كان العقل العلمي يسأل: وهل هذا الحد نهائي حقاً؟ ولهذا لم يكن اكتشاف اللقاح، أو المضاد الحيوي، أو التخدير، أو الكهرباء، أو المحرك، أو الطائرة، أو الحاسوب مجرد إضافة تقنية إلى حياة بقيت في جوهرها كما كانت. فلقد كان كل واحد منها اقتطاعاً لمساحة صغيرة من مملكة الضرورة التي حكمت الإنسان وأسلافه ملايين السنين.
فالإنسان الذي كان ينبغي له أن يخضع للبرد صنع التدفئة، والذي كان ينبغي له أن يخضع للحر صنع التبريد، والذي كان ينبغي له أن يموت من عدوى بسيطة صنع المضادات الحيوية، والذي كانت عيناه لا تستطيعان رؤية البعيد صنع التلسكوب، والذي لا تستطيع حواسه رؤية العالم المجهري صنع المجهر.
وكأن تاريخ العلم يمكن اختزاله في جملة واحدة: كلما قالت الطبيعة للإنسان: هذا هو الحد الذي ينبغي لك أن تتوقف عنده، حاول أن يسألها: ولماذا؟
وهنا يصبح من المشروع أن نطرح سؤالاً أكثر جرأة: ما الصورة النهائية الكامنة خلف هذا المشروع كله؟
وما العالم الذي يريد الإنسان، في أعماقه، أن يصنعه حين يعالج المرض، ويقاوم الألم، ويطيل العمر، ويضاعف الغذاء، ويختصر المسافات، ويستبدل العمل الشاق بالآلة، ويسعى إلى السيطرة على الكوارث، ويحاول أن يجعل بيئته أكثر أمناً وراحة؟ فإذا جمعنا هذه الرغبات المتفرقة في صورة واحدة، فقد نحصل على شيء شديد الشبه بتلك الصورة القديمة التي حملها الإنسان عن الجنة. مكان لا جوع فيه، ولا عري، ولا عطش، ولا معاناة، ولا خوف، ولا مرض، وربما لا موت. وهذه هي عين الصفات التي وصف بها الله تعالى في قرآنه العظيم الجنة التي أسكن آدم وزوجه فيها: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)} سورة طه.
ولعل المفارقة هنا عميقة للغاية: فما بحث عنه الإنسان في الأسطورة والدين والحلم بوصفه عالماً مفقوداً أو موعوداً، بدأ يبحث عنه العلم بطريقته الخاصة بوصفه مشروعاً قابلاً، ولو جزئياً، للهندسة والتحقق.
فالعلم، بطبيعة الحال، لا يقول إن غايته صناعة الجنة، ولا يعمل بمفردات الخلاص الديني، ولا يجوز الخلط بين المجالين. ولكنه، حين ننظر إلى اتجاه الحركة الحضارية التي صنعها، يبدو وكأنه يحاول باستمرار تقليص المسافة بين العالم الموجود والعالم الذي كان الإنسان يتمنى لو أنه وُجد فيه.
وهنا ربما حدث واحد من أعظم التحولات في تاريخ الهروب البشري. فالإنسان القديم، حين ضاق بواقعه، كان يستطيع أن يحلم بعالم آخر. وكان يستطيع أن يملأ ذلك العالم بآلهة وأبطال وجنان وأرواح وقوى خارقة، وأن يجد في الأسطورة تعويضاً رمزياً عن عجزه في العالم الحقيقي.
لكن شيئاً بالغ الدلالة حدث عندما بدأ العلم ينجح. فلم يعد الإنسان مضطراً دائماً إلى الانتقال بخياله إلى العالم البديل، لأن جزءاً من العالم البديل أصبح قابلاً للاستقدام إلى الواقع نفسه. فكان يحلم بالطيران، ثم طار. وكان يحلم بمخاطبة البعيد، ثم أصبح يتحدث إلى من يقيم في الجانب الآخر من الأرض. وكان يتخيل رؤية ما وراء قدرة العين، ثم رأى المجرات البعيدة والخلايا والجزيئات. وكان يحلم بآلات تؤدي العمل عنه، ثم صنعها. وكان يتخيل كائنات أو أدوات تجيبه وتخاطبه وتعينه في التفكير، فإذا بالذكاء الاصطناعي يجعل جانباً من هذا الخيال تجربة يومية. وكأن الإنسان قد انتقل، مع العلم، من الهروب إلى عالم متخيل إلى محاولة تصنيع العالم الذي كان يتخيله.! وهذا فارق يستحق التأمل.
ولذلك قد تكون التكنولوجيا الوجه الأكثر وضوحاً لهذه الوظيفة النفسية والحضارية للعلم. فالعلم يفهم القيود، بينما تحاول التكنولوجيا الالتفاف عليها. فلقد أُعطينا سرعة محدودة، فصنعنا السيارة والطائرة والصاروخ. وأُعطينا ذاكرة محدودة، فصنعنا الكتاب ثم الحاسوب ثم المخازن الرقمية. وأُعطينا قدرة محدودة على الحساب، فصنعنا الآلات الحاسبة والحواسيب والذكاء الاصطناعي. وأُعطينا أجساداً لا تستطيع احتمال كثير من البيئات، فصنعنا الملابس والمساكن والمركبات والغواصات ومحطات الفضاء.
وبذلك أصبحت الحضارة، في جانب مهم منها، طبقة اصطناعية هائلة وضعها الإنسان بين جسده وبين الواقع. فنحن لم نعد نعيش في الطبيعة بالمعنى الذي عاش فيه أسلافنا، وإنما نعيش داخل واقع أعاد العقل البشري تصميم أجزاء متزايدة منه لكي تصبح أكثر ملاءمة لرغباتنا وأقل إخضاعاً لنا لشروط الطبيعة الخام.
وبهذا المعنى، أليست الحضارة، هي أكبر مشروع هروب جماعي عرفه الإنسان؟ لكنها ليست هروباً من الواقع عن طريق مغادرته، وإنما هروب من شروطه عن طريق إعادة تشكيله.
ولعل أكثر ما يكشف طبيعة هذا المشروع هو أن العلم لم يتوقف عند حدود المرض والألم، وإنما أخذ يقترب من الحد الأكبر: الشيخوخة والموت. فمجرد أن تتحول الشيخوخة إلى موضوع يمكن تحليل آلياته الخلوية والجزيئية، وأن يصبح إطالة العمر الصحي مجالاً للبحث، فإن تحولاً فلسفياً بالغ الدلالة يكون قد حدث. فالإنسان لم يعد يسأل: كيف نتقبل الفناء؟ فحسب، بل أصبح يسأل أيضاً: ما الذي يجعل الجسد يشيخ أصلاً؟ وأي أجزاء من هذه العملية يمكن إبطاؤها أو تعديلها؟ ولا يعني ذلك أن العلم قادر على إلغاء الموت، ولا أن هذا الوعد قريب أو ممكن بالضرورة. ولكن الدلالة الأعمق تكمن في جرأة السؤال نفسه. فحتى أكثر حدود الواقع صلابة لم يعد الإنسان مستعداً لقبوله قبل أن يختبر إمكان تجاوزه.
وقد يكون هذا كله متصلاً بخاصية أعمق تميز الإنسان: قدرته الاستثنائية على تمثّل ما ليس موجوداً.
فالإنسان لا يرى العالم الموجود فحسب، وإنما يستطيع أن يرى، في ذهنه، العالم الممكن. فيرى المريض ويتخيل إنساناً معافى. ويرى المسافة ويتخيل الوصول الفوري. ويرى الليل ويتخيل الضوء. ويرى الأرض ويتخيل نفسه خارجها. ويرى حدود ذكائه ويتخيل ذكاءً يتجاوزها. وهذه المسافة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون قد تكون واحدة من أهم منابع العلم نفسه. فلولا قدرة الإنسان على تمثّل حالة لم توجد بعد، لما كان هنالك اختراع؛ لأن الاختراع يبدأ، في كثير من الأحيان، بوجود شيء في الذهن قبل وجوده في العالم.
وهكذا يصبح فائض التمثّل، الذي يستطيع أن يصنع الأسطورة والوهم والحلم، قادراً في الوقت نفسه على صناعة الفرضية والنموذج والاختراع. فالأداة واحدة تقريباً، وإن اختلفت النتائج: القدرة على عدم الاكتفاء بما هو موجود.
وربما لا ينبغي لنا، في هذا السياق، أن نفهم «الجنة المفقودة» بوصفها مكاناً جغرافياً أو حتى بوصفها مفهوماً دينياً حصراً، وإنما يمكن أن نستعيرها بوصفها صورة مكثفة لذلك العالم الذي يتمنى الإنسان أن يتحرر فيه من القيود التي تثقل وجوده. فالإنسان، منذ أن وعى هشاشته، يبدو وكأنه يتحرك باتجاه عالم أقل ألماً، وأقل مرضاً، وأقل خوفاً، وأقل جهلاً، وأقل خضوعاً للمصادفة. وهو حين لم يستطع الوصول إليه واقعياً، صنعه في الأساطير. وحين لم يستطع الإقامة فيه، زاره في الأحلام. وحين أراد أن يعيشه من دون أن ينتظر تحققه، صنع الروايات والمسرح والسينما والعوالم الافتراضية. أما حين أراد أن ينتزع أجزاء منه انتزاعاً من الواقع نفسه، فقد صنع العلم.
ولذلك ربما لا يكون الفرق بين الحلم والعلم أن أحدهما هروب والآخر مواجهة، وإنما أن كليهما يبدأ من الجملة الإنسانية ذاتها: لا أريد للعالم أن يبقى كما هو. لكن الحلم يغير العالم داخل الوعي، بينما يحاول العلم تغيير العالم خارج الوعي.
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة. فلقد اخترع الإنسان مهارب كثيرة من واقعه، ولكن العلم قد يكون أغربها جميعاً؛ لأنه المهرب الذي لا يسمح له بمغادرة الواقع، بل على العكس تماماً: يشترط عليه أن يقترب منه أكثر من أي وقت مضى. فلكي يهرب الإنسان من المرض، عليه أن يعرف المرض بدقة. ولكي يهرب من الجوع، عليه أن يفهم النبات والتربة والمناخ. ولكي يهرب من الجاذبية، عليه أن يفهم قوانين الحركة. ولكي يهرب من حدود جسمه، عليه أن يفهم الجسم. ولكي يهرب من جهله، عليه أولاً أن يعترف بأنه جاهل. فهو، بهذا المعنى، هروب لا يتحقق إلا بالمواجهة. وكلما أراد الإنسان أن يبتعد عن الواقع الذي لا يرضيه، اضطر إلى الاقتراب أكثر من حقيقته.
ولعل هذا ما يجعل العلم مختلفاً عن سائر مهاربنا؛ فهو لا يمنحنا جنة نهرب إليها، وإنما يمنحنا أدوات نحاول بها أن نستعيد، قطعة بعد قطعة، شيئاً من الجنة التي نظل نتخيل أننا فقدناها.
وربما لهذا السبب لن ينتهي المشروع العلمي مادام الإنسان إنساناً، وذلك لأن نهايته لا تتطلب أن نعرف كل شيء فحسب، وإنما أن يأتي يوم ينظر فيه الإنسان إلى واقعه فلا يجد فيه شيئاً يتمنى الهروب منه. وذلك، على الأرجح، هو الحلم الأبعد من العلم نفسه.
