
لعل واحدة من أغرب خصائص الإنسان أنه الكائن الذي يعيش في الواقع، لكنه لا يبدو قادراً على الاكتفاء به. فهو لا يكتفي بما يراه ويسمعه ويلمسـه، ولا بما يتيحه له عالمه المباشر من أشياء وأحداث وعلاقات، وإنما يمتلك قدرة استثنائية على مغادرته ذهنياً إلى عوالم أخرى يصنعها بنفسه، ثم يقضي فيها من وقته وانفعاله وطاقته ما قد يفوق أحياناً ما يقضيه في التعامل مع العالم الذي يوجد فيه جسده فعلاً.
فالإنسان يحلم يقظة حلماً بمحض ارادته، ويكتب الروايات ويقرأها، ويبتكر المسرحيات ويشاهدها، ويصنع الأفلام والمسلسلات ثم يندمج في شخصياتها وأحداثها، ويبكي على أناس لم يوجدوا قط، ويخاف من أخطار يعلم أنها لم تقع، ويفرح بانتصارات شخصيات لا وجود لها خارج الشاشة أو الورق. ثم جاءت التكنولوجيا الحديثة لتمنحه إمكاناً أشد إثارة: أن يدخل عوالم افتراضية كاملة، فيصنع لنفسه شخصية أخرى، واسماً آخر، وجسداً آخر، ومكاناً آخر، وربما حياة أخرى، ويقضي الساعات في عالم يعرف، في الوقت نفسه، أنه من صنع البرمجيات والخيال! بل إن بعض أشد أشكال الإدمان تدميراً للإنسان يمكن النظر إليها، من زاوية معينة، باعتبارها صورة قصوى من صور هذا الهروب. فالمخدر لا يغيّر الحالة الكيميائية للدماغ فحسب، وإنما قد يمنح المتعاطي، بصورة مضللة ومدمرة، إمكانية الانفصال المؤقت عن عالم لا يريد البقاء داخله، والدخول في حالة إدراكية أو شعورية بديلة. وهنا يصبح الثمن البايولوجي للهروب هائلاً: صحة ووقت وطاقة وعلاقات وقدرة على البقاء نفسه، مقابل ساعات أو لحظات من الابتعاد عن الواقع.
وليس المقصود بالطبع أن القراءة والخيال والفن والألعاب الإلكترونية والمخدرات ظواهر متكافئة أخلاقياً أو نفسياً أو بايولوجياً؛ فالفارق بينها هائل. وإنما يجمعها، عند المستوى التجريدي الذي يعنينا هنا، شيء واحد مثير للتأمل: قدرة الإنسان على أن يجعل واقعاً غير واقعه المباشر يستحوذ على وعيه، وأن يجد في هذا الانتقال نفسه قيمة تستحق إنفاق الوقت والطاقة من أجلها.
وهنا يبدأ السؤال: لماذا لا يستطيع الإنسان أن يكتفي بالواقع؟ فالحيوان، في المقابل، يبدو شديد الارتباط بعالمه المباشر. فيبحث عن الطعام، ويتجنب المفترس، ويتزاوج، ويتنافس، ويرعى صغاره، ويستكشف محيطه، ويلعب أحياناً، وينام. وقد يمتلك كثير من الحيوانات الذاكرة والتوقع والتخطيط والتمثلات الذهنية، وربما أشكالاً من التخيل أبعد مما كنا نعتقد سابقاً؛ ولذلك لا يصح أن نقيم بين الإنسان والحيوان قطيعة معرفية ساذجة. ولكن حجم العالم غير الواقعي الذي يستطيع الإنسان بناءه، والمدة التي يستطيع قضاءها داخله، والقيمة الانفعالية التي يمنحها له، تبدو أموراً ذات رتبة مختلفة تماماً.
فالإنسان يستطيع أن يقضي ثلاث ساعات يشاهد فيلماً عن مجرة لم يزرها أحد، أو سنوات يقرأ سلسلة روائية عن عالم لم يوجد، أو آلاف الساعات داخل لعبة إلكترونية يعرف أن مدنها وحروبها وممالكها وأبطالها محض بيانات رقمية. والأغرب من ذلك أن جسده نفسه قد يستجيب لما يحدث هناك: تتسارع ضربات قلبه، ويتوتر، ويفرح، ويغضب، ويحزن، وربما يبكي. أي أن الإنسان لم يعد يحتاج إلى وجود الشيء لكي يتفاعل معه؛ يكفيه أن يتمثله.
ولعلنا هنا نقترب من واحدة من النتائج الأكثر إثارة لما يمكن تسميته فائض التمثّل. فالتمثل الذهني الذي يُفترض، في حدوده البايولوجية، أن يساعد الكائن على التعامل مع الواقع، تجاوز عند الإنسان هذه الوظيفة حتى أصبح قادراً على إنشاء واقع منافس للواقع. فلم يعد العقل يرسم خريطة للعالم فقط؛ لقد أصبح قادراً على رسم عالم لا وجود له، ثم الدخول فيه.
ليس في هذا ما يبطل البايولوجيا التطورية بطبيعة الحال. فالقدرة على المحاكاة الذهنية، والتخطيط، وتوقع المستقبل، والتعلم الاجتماعي، واللعب، وبناء السيناريوهات الممكنة يمكن أن تمنح الكائن مزايا تطورية واضحة. كما أن كثيراً مما نسميه اليوم فناً وخيالاً قد يكون امتداداً ثقافياً لقدرات معرفية ظهرت أصلاً لوظائف أخرى. ولكن السؤال الأصعب يبدأ عندما يتجاوز الإنسان استعمال العالم المتخيل لخدمة الواقع، ويبدأ باستعماله للهروب من الواقع!
فإذا كانت الوظيفة الأصلية للتمثل هي زيادة كفاءة تعامل الكائن مع بيئته، فكيف انتهى الأمر بالإنسان إلى استثمار قدرته التمثلية في الانصراف عن تلك البيئة نفسها؟ وكيف أصبح الكائن الذي يفترض أن تكون موارده المحدودة من وقت وطاقة وانتباه خاضعة لضغوط الانتخاب واقتصاد الطبيعة مستعداً لإنفاق ساعات هائلة في متابعة مصائر أشخاص لا وجود لهم، أو بناء إمبراطوريات افتراضية لن تنتج له طعاماً، ولن تحمي جسده من برد أو مفترس، ولن تمنحه بالضرورة ميزة تناسلية مباشرة؟! إن الجواب بأن هذه الظواهر منتجات جانبية لقدرات تطورية أخرى ممكن بالتأكيد. ولكنه، حتى إن صح، لا يلغي غرابة النتيجة. فنحن أمام منتج جانبي أصبح من الضخامة بحيث تحولت صناعات الترفيه والرواية والسينما والألعاب والعوالم الافتراضية إلى أجزاء مركزية من الحضارة البشرية. فلقد طوّر الإنسان، بعبارة أخرى، صناعة كاملة وظيفتها أن تساعده على أن يكون في “مكان آخر” وهو باقٍ في مكانه! ولكن… لماذا «مكان آخر» دائماً؟ هنا يمكن قلب السؤال بطريقة أكثر إثارة. ربما لا تكمن غرابة الإنسان في قدرته على صناعة العوالم المتخيلة فحسب، وإنما في رغبته الدائمة في الانتقال إليها. فالإنسان لا يقول دائماً: أريد أن أعرف الواقع أكثر، بل كثيراً ما يقول، من حيث يدري أو لا يدري: أريد واقعاً آخر!
ولهذا ربما كانت المدينة الفاضلة، والفردوس المفقود، والجزيرة المثالية، والعصر الذهبي، والحبيب الكامل، والمجتمع الكامل، والعالم السحري، والكوكب الآخر، والحياة الأخرى، من أكثر الصور تكراراً في المخيال البشري.
فالأسماء تختلف، لكن البنية العميقة واحدة تقريباً: هذا العالم لا يكفيني.!
ومن هنا يصبح السؤال أكثر جرأة: لماذا يحمل الإنسان هذا الشعور أصلاً؟ ولماذا يبدو كائناً غير متصالح تماماً مع البيئة التي يفترض أن ملايين السنين من التاريخ التطوري قد صاغته للتكيف معها؟ وماذا لو كان الإنسان يبحث عن شيء فقده؟
وعند هذه النقطة يمكن إدخال النص الديني لا بوصفه بديلاً سهلاً عن العلم، وإنما بوصفه مصدراً لفرضية أنثروبولوجية مختلفة. ففي النص القرآني لا يبدأ التاريخ الإنساني على الأرض باعتباره وجوداً طبيعياً بسيطاً داخل البيئة الأرضية، وإنما يسبقه وجود في الجنة، ثم تقع حادثة تغير مسار ذلك الوجود: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾. فنحن عادة نقرأ «الهبوط» باعتباره حدثاً دينياً متعلقاً بالخطيئة والتكليف والاختبار. ولكن ماذا لو كان يحمل أيضاً مفتاحاً لقراءة شيء في الطبيعة الإنسانية نفسها؟ ماذا لو لم يخرج الإنسان من الجنة بجسده فقط، وإنما خرج منها وهو يحمل في بنيته الجديدة أثراً لما كان عليه قبلها؟ عندئذ يمكن أن نطرح، في إطار ما نسميه الميتابايولوجيا، فرضية شديدة الجرأة مفادها أن الإنسان ليس كائناً أرضياً مكتفياً بالأرض بالمعنى الذي تكون به بقية الكائنات مكتفية ببيئاتها، لأنه مرّ، وفقاً للنص القرآني، بانعطافة لم يعد بعدها كائناً بايولوجياً بالتمام والكلية. فلقد دخل الواقع الأرضي، ولكن شيئاً فيه ظل يقاوم الاكتفاء به.
واللافت أن الصورة القرآنية للجنة تكاد تمثل النقيض البنيوي لأهم مصادر الضيق في الواقع الأرضي. فهنا تعب، وهناك لا تعب. وهنا نقص، وهناك وفرة. وهنا مرض وشيخوخة وفقد، وهناك سلام من ذلك كله. وهنا ينبغي أن تعمل لكي تحصل، وتخاطر لكي تبقى، وتنافس لكي تفوز، وتفقد ما تحب مهما حاولت الاحتفاظ به؛ أما الجنة فإنها، وفقاً للنص القرآني، عالم لا يخضع بهذه الصورة القاسية لقانون الندرة.
فماذا لو ظل الإنسان، منذ خروجه، يحاول إعادة إنتاج بنية الجنة وإن كان قد نسي الجنة نفسها؟! فقد لا يتذكر الإنسان مكاناً بعينه، ولا يمكننا علمياً أن نزعم وجود «ذاكرة عصبية» للجنة، لكن الفرضية الميتابايولوجية لا تحتاج إلى هذا الادعاء الحرفي. فيكفي أن نتساءل عما إذا كان التحول الذي يصفه النص القرآني قد أنتج كائناً أصبحت فيه القدرة على تجاوز الواقع جزءاً من هويته.
وعندئذ تبدو أشياء كثيرة بطريقة مختلفة. فالحلم عالم مؤقت. والرواية عالم لغوي. والمسرح عالم ممثل. والسينما عالم بصري. واللعبة الإلكترونية عالم تفاعلي. والواقع الافتراضي محاولة تكنولوجية لجعل العالم المصنوع أكثر قدرة على منافسة العالم الحقيقي. وكأن تاريخ الحضارة، من زاوية شديدة الاختزال، يمكن أن يُقرأ باعتباره تاريخ التحسن المتواصل في تقنيات مغادرة الواقع من دون مغادرة الجسد!.
كان الإنسان القديم يجلس حول النار ويستمع إلى قصة، فيغادر واقعه عبر الكلمات. ثم جاء المسرح، فأصبح العالم الآخر مرئياً أمامه. ثم جاءت الرواية، فصار بإمكان الفرد أن يحمل العالم المتخيل معه أينما ذهب. ثم جاءت السينما، فأصبح الوهم أكثر حسية. ثم التلفزيون، فأدخل العوالم البديلة إلى المنزل. ثم الألعاب الإلكترونية، حيث لم يعد الإنسان مشاهداً للعالم الآخر، وإنما أصبح فاعلاً داخله. ثم الواقع الافتراضي، الذي يحاول أن يزيل حتى المسافة الحسية المتبقية بين الإنسان والعالم المصنوع. وقد يكون القادم أشد إثارة: عوالم اصطناعية تستطيع أن تتكيف لحظة بلحظة مع رغبات الفرد، فتصنع لكل إنسان واقعاً خاصاً به.
وهنا قد تبلغ المفارقة ذروتها. فالكائن الذي قضى تاريخه البايولوجي الطويل في التكيف مع الواقع أصبح، في مرحلة متأخرة من تاريخه، يستخدم التكنولوجيا لكي يجعل الواقع هو الذي يتكيف معه!
ولعل هذا يسمح لنا بإعادة النظر في فائض التمثّل نفسه. فربما لم تكن المشكلة أن الإنسان يمتلك خيالاً أكثر مما يحتاج فحسب؛ ربما كان هذا الخيال هو الأداة التي يستخدمها باستمرار لسد المسافة بين العالم الذي يعيش فيه والعالم الذي يريد أن يعيش فيه. إنه حنين غريب لا يحتاج إلى ذاكرة واعية. حنين إلى شيء لا يستطيع الإنسان أن يسميه، ولذلك يسميه كل مرة باسم مختلف: الحب الكامل، الوطن المثالي، المدينة الفاضلة، العصر الذهبي، الجنة الأرضية، العالم السحري، المستقبل اليوتوبي، الواقع الافتراضي. فهي مشاريع مختلفة، لكن سؤالاً واحداً يختبئ خلفها جميعاً: ألا يوجد مكان أفضل من هنا؟ وربما كانت هذه العبارة، أكثر من أي شيء آخر، هي العبارة التي تميز الإنسان عن الحيوان المكتفي بعالمه البايولوجي.
ليس المطلوب من هذه القراءة أن ننكر قدرة البايولوجيا التطورية على تفسير نشوء الخيال، ولا أن نحول النص الديني إلى نظرية علمية تجريبية. بل المطلوب هو شيء أكثر تواضعاً، وربما أكثر دلالة معرفية : أن نعترف بأن بعض الظواهر الإنسانية قد تسمح بأكثر من مستوى للتفسير. فالبايولوجيا تستطيع أن تسأل: كيف ظهرت القدرة العصبية على التخيل؟ ويستطيع علم النفس أن يسأل: لماذا يلجأ الفرد إلى الهروب من واقعه؟ ويستطيع علم الاجتماع أن يسأل: لماذا تنتج المجتمعات صناعات ضخمة للترفيه؟
لكن يبقى سؤال آخر: لماذا أصبح الإنسان، دون سائر الكائنات التي نعرفها، قادراً على بناء حياة كاملة تقريباً خارج الواقع المباشر؟
وهنا تبدأ الميتابايولوجيا. فهي لا تقول إن الإنسان لا ينتمي إلى الطبيعة، وإنما تتساءل عما إذا كان كل ما فيه قابلاً للاختزال إلى التاريخ البايولوجي الذي سبق ظهوره الإنساني.
ومن هذا المنظور يمكن أن نقرأ قصة الجنة والهبوط قراءة مختلفة. فالجنة هي ليست مجرد مكان غادره أبوان بعيدان، وإنما ربما كانت رمزاً، أو وفق الإيمان الديني، حقيقة سابقة، لانعطافة تركت الإنسان كائناً لا يستطيع أن يجعل الواقع الأرضي نهاية أفقه. ومنذ ذلك الحين وهو يبني البدائل: “جنة” بالكلمات. و”جنة” بالصور. و”جنة” على خشبة المسرح. و”جنة” على شاشة السينما. و”جنة” داخل لعبة. و”جنة” كيميائية زائفة ومدمرة قد يبحث عنها المدمن. و”جنة” رقمية يعده بها الواقع الافتراضي. وفي كل مرة يكتشف، بعد انتهاء الرواية، وانطفاء الشاشة، وخلع نظارة الواقع الافتراضي، وزوال أثر المادة المخدرة، أن العالم الذي حاول مغادرته ما يزال هناك ينتظره.
ولعل المأساة الإنسانية تكمن في هذه العودة المتكررة. فنحن الكائن البايولوجي الوحيد الذي نعرفه القادر على أن يكون جسده هنا وعقله في مكان آخر؛ الكائن الذي يستطيع أن يصنع عالَماً لأنه لا يحتمل أحياناً العالم؛ والكائن الذي لم يكتفِ، طوال تاريخه، بتغيير واقعه، وإنما أصر أيضاً على اختراع واقع بديل عنه.
وربما لم يكن سؤال الإنسان الأبدي “كيف أعيش في هذا العالم؟” فحسب، بل ربما كان ثمة سؤال أقدم وأعمق يرافقه منذ البداية: كيف أعود إلى عالم أفضل منه؟ وإذا كان النص الديني يقول إن تاريخنا الأرضي بدأ بالخروج من الجنة، فلعل تاريخ فائض التمثّل كله يمكن أن يُقرأ، من هذه الزاوية، باعتباره محاولة طويلة لم تنته بعد: بحثاً عن جنة أبوينا التي أُخرجا منها.
