ما الذي يعنيه أننا لم نستطع حتى هذا اليوم أن نتجاوز لحظة “واو!” (Wow!) في بحثنا عن الحياة خارج الأرض؟

ربما كان من أغرب المفارقات في تاريخ بحث الإنسان عن الحياة خارج الأرض أن اتساع معرفتنا بالكون لم يصاحبه، حتى الآن، اتساع مماثل في معرفتنا بالحياة فيه. فنحن نعرف اليوم عن النجوم والمجرات والكواكب خارج المجموعة الشمسية أكثر بكثير مما عرفه أي جيل سابق، وقد اكتشفنا آلاف الكواكب التي تدور حول نجوم أخرى، وأصبح في مقدورنا تحليل بعض أغلفتها الجوية، ورصد جزيئات بعيدة، والاستماع إلى السماء بأجهزة لم يكن من الممكن تخيل حساسيتها قبل عقود قليلة. ومع ذلك كله، ما زال السؤال القديم قائماً تقريباً في النقطة نفسها: أين الحياة؟
بل إن من المثير للتأمل أن واحدة من أشهر اللحظات في تاريخ البحث عن ذكاء خارج الأرض ما تزال إشارة “واو!” (Wow! signal) التي رُصدت سنة 1977، حين سجّل تلسكوب Big Ear الراديوي إشارة ضيقة النطاق وقوية استمرت نحو 72 ثانية، فكتب الفلكي جيري إيمان إلى جانبها كلمة  “Wow!”.  ولم تتكرر الإشارة على نحو يسمح بإثبات أنها جاءت من حضارة خارج الأرض، ولم تصبح دليلاً على وجود ذكاء فضائي. ومع ذلك بقيت حاضرة في المخيلة العلمية والشعبية لأنها جسدت، ربما أكثر من أي شيء آخر، مقدار ما كنا نأمل في العثور عليه، ومقدار ما لم نعثر عليه حتى الآن.
وهنا ربما ينبغي أن يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل باستمرار: لماذا لم نجدهم بعد؟ قد يكون علينا أن نسأل: لماذا افترضنا أصلاً أن هناك عدداً كبيراً منهم ينبغي أن نجده؟ ذلك أن جانباً مهماً من التفكير في الحياة خارج الأرض تأسس على حدس يبدو شديد المعقولية مفاده ان الكون هائل، وعدد النجوم هائل، والكواكب كثيرة، ولذلك ينبغي أن تكون الحياة منتشرة في أماكن منه كثيرة أيضاً. ومن هذا الحدس اكتسبت معادلة دريك قيمتها؛ فهي تحاول تفكيك احتمال وجود حضارات قابلة للاتصال في مجرتنا إلى مجموعة من العوامل: معدل تشكل النجوم، ونسبة النجوم التي تمتلك كواكب، وعدد الكواكب الملائمة للحياة، واحتمال ظهور الحياة عليها، ثم احتمال تطور الذكاء والتكنولوجيا واستمرار الحضارة زمناً يسمح برصدها.
فالمشكلة ليست في المعادلة بوصفها أداة لتنظيم الأسئلة؛ فقد كانت، ولا تزال، ذات قيمة فكرية كبيرة، بل تبدأ المشكلة عندما تتحول المتغيرات المجهولة داخلها، بصورة غير محسوسة، إلى افتراضات متفائلة. فنحن نعرف اليوم الكثير عن النجوم والكواكب، ولكننا لا نملك حتى الآن إلا مثالاً واحداً مؤكداً للحياة: الأرض. والأسوأ معرفياً أننا لا نعرف من هذا المثال الواحد مقدار ما فيه من القاعدة ومقدار ما فيه من الاستثناء. فاكتشاف أن الكواكب كثيرة لا يعني بالضرورة أن الحياة منتشرة فيها بالضرورة. واكتشاف أن الماء موجود في مواضع عديدة لا يعني أن الحياة تنشأ بسهولة حيث يوجد الماء. والعثور على مركبات عضوية لا يعني أن الطريق من الكيمياء إلى الخلية قصير أو مألوف. بل إن وجود كوكب في «المنطقة الصالحة للسكن» لا يعني أنه مسكون، تماماً كما أن وجود جميع مواد البناء في مكان ما لا يعني أن مدينة ستنشأ هناك تلقائياً!
وهنا تستعيد مفارقة فيرمي قوتها: إذا كان الكون، أو حتى مجرتنا وحدها، يتيح عدداً هائلاً من الفرص لنشوء الحياة والحضارات التقنية، فأين آثارها؟ أين الإشارات؟ أين البصمات التقنية؟ أين ذلك الشيء الذي نستطيع أن نقول عنه، من غير سلسلة طويلة من التحفظات: هذا لم تصنعه الطبيعة غير الحية؟ فلقد طُرحت عشرات الإجابات: ربما تكون المسافات أكبر من أن تسمح بالاتصال العملي، وربما الحضارات قصيرة العمر، وربما تستخدم تقنيات اتصال لا نعرفها، وربما لا ترغب في التواصل، وربما نبحث بالكيفية الخطأ، وربما لا تتزامن الحضارات زمنياً، وربما توجد «مرشحات كبرى» تجعل الانتقال من مرحلة إلى أخرى شديد الصعوبة.
وكل هذه احتمالات مشروعة. ولكن ثمة احتمالاً أبسط يستحق أن نمنحه وزناً أكبر مما منحناه إياه طويلاً: ماذا لو كانت الحياة البايولوجية نفسها نادرة بصورة استثنائية؟
ليس المقصود أن نعلن أن الأرض هي الكوكب الحي الوحيد في الكون؛ فذلك ادعاء لا نملك دليلاً عليه. ولكن المقصود أن نتخلى عن الاعتقاد المعاكس أيضاً: أن ضخامة الكون تجعل وفرة الحياة نتيجة شبه ضرورية.
فالحجم ليس برهاناً على التكرار. فقد يحتوي الكون على عدد يكاد يتعذر تصوره من النجوم والكواكب، ومع ذلك تكون السلسلة الدقيقة من الشروط التي تنقل المادة من الكيمياء إلى الحياة نادرة إلى درجة تجعل المسافات بين حالات تحققها هائلة. بل قد تكون بعض الانتقالات اللاحقة أشد ندرة: من الحياة البسيطة إلى الخلية المعقدة، ومنها إلى تعدد الخلايا، ثم إلى أجهزة عصبية متطورة، ثم إلى ذكاء قادر على بناء حضارة تقنية، ثم إلى حضارة تستمر مدة كافية وتنتج آثاراً يمكن رصدها من مسافات فلكية.
وهنا ربما تكمن المشكلة الأعمق في بعض الصيغ التي حكمت خيالنا حول الحياة الكونية؛ حيث أننا بدأنا من الأعداد الكبيرة، بينما كان ينبغي أن نبدأ من الاحتمالات الصغيرة جداً.
فإذا كان لدينا مئة مليار فرصة لوقوع حدث، ولكن احتمال وقوع الحدث في كل فرصة بالغ الصغر إلى درجة غير متخيلة، فلا يجوز للأعداد الكبيرة وحدها أن تجعلنا واثقين من أن الحدث سيتكرر كثيراً. لذلك ما نحتاج إليه ليس مجرد تحسين الأرقام التي نضعها في معادلة دريك، وإنما التفكير في نماذج احتمالية جديدة تجعل الندرة فرضية ابتدائية جادة، بدلاً من التعامل معها بوصفها الاحتمال الذي لا نلجأ إليه إلا بعد فشل البحث.
وقد نحتاج، بهذا المعنى، إلى الانتقال من سؤال من قبيل: «كم حضارة ينبغي أن توجد؟» إلى سؤال أكثر جذرية: “ما عدد المصادفات أو العتبات النادرة التي ينبغي اجتيازها قبل أن يصبح الكوكب قادراً على إنتاج مراقب يسأل هذا السؤال أصلاً؟”!
فالفرق بين السؤالين كبير. فالأول ينظر إلى الكون من الخارج، ويرى مليارات النجوم والكواكب، فيغريه العدد باستنتاج الوفرة. أما الثاني فينظر إلى الطريق الذي انتهى بنا نحن إلى الوجود، ويسأل عن احتمال كل منعطف فيه: نشوء الجزيئات القادرة على التضاعف، ظهور الخلية، استقرار العمليات الأيضية، ظهور الخلايا حقيقية النواة، تعدد الخلايا، الأجهزة العصبية، الإدراك المعقد، اللغة، الذكاء الرمزي، التكنولوجيا، ثم بقاء الحضارة.
وإذا كان واحد فقط من هذه التحولات نادراً للغاية، فقد تتغير الحسابات كلها! وربما ينبغي هنا أن نتحدث عن شيء يشبه “معادلة الندرة” بدلاً من الاكتفاء بـ “معادلة الوفرة”. معادلة لا تسأل فقط عن عدد الكواكب الملائمة، وإنما تضرب هذا العدد في احتمالات العبور عبر سلسلة من الحواجز البايولوجية والتطورية والتاريخية، مع الاعتراف الصريح بأن بعض هذه الاحتمالات قد تكون صغيرة إلى حد يجعل ضخامة الكون عاجزة عن ضمان العدد الذي تخيله الإنسان للحضارات الأخرى.
وهذه النقلة لا تعني التخلي عن البحث عن الحياة خارج الأرض. بل العكس تماماً؛ فإنها تمنحه قيمة أكبر. فإذا كانت الحياة شائعة، فإن العثور عليها سيكشف أن البايولوجيا ظاهرة كونية تتكرر متى توافرت شروط معينة. أما إذا بحثنا طويلاً، واتسعت قدرتنا على الرصد، وفحصنا أعداداً متزايدة من البيئات الملائمة ولم نجد شيئاً، فإن الصمت نفسه يبدأ تدريجياً باكتساب قيمة معرفية. ليس بوصفه برهاناً نهائياً على غياب الحياة، وإنما بوصفه معطى ينبغي أن يؤثر في تقديراتنا السابقة لاحتمال وفرتها.
وهنا تحديداً قد تكون لحظة «واو!» أكثر دلالة مما تبدو عليه!
فالمثير ليس أننا التقطنا سنة 1977 إشارة غامضة واحدة ثم عجزنا عن إثبات أصل اصطناعي لها؛ المثير أن الحضارة البشرية، بعد عقود إضافية من التقدم الهائل في الرصد والحوسبة والفلك ودراسة الكواكب الخارجية، ما تزال تبحث عن أول دليل لا لبس فيه على وجود حياة خارج الأرض!
ولعلنا بالغنا في تفسير هذا الصمت بوصفه مشكلة تحتاج إلى تفسير، بدلاً من التفكير في احتمال أن يكون الصمت نفسه جزءاً من الإجابة.
لقد سأل فيرمي، في الصياغة التي ارتبطت باسمه: أين الجميع؟ وربما آن لنا أن نضيف سؤالاً أكثر جرأة: وماذا لو لم يكن هناك «جميع» أصلاً؟! ليس بمعنى أنه لا توجد حياة أخرى في الكون قطعاً، وإنما بمعنى أن مفهوم «الجميع» نفسه ربما كان ثمرة توقع بشري أكثر منه نتيجة علمية. وربما تكون الحياة موزعة في الكون على نحو شديد الندرة؛ جزراً بايولوجية صغيرة تفصل بينها محيطات من المادة غير الحية، بحيث تستطيع حضارة أن تظهر وتفكر وترصد السماء آلاف السنين من غير أن تجد حضارة أخرى قريبة بما يكفي لتعلن عن نفسها.
عندئذ ستتغير دلالة الأرض نفسها. فلن تعود مجرد كوكب عادي يدور حول نجم عادي في مجرة من مليارات المجرات، بالمعنى الذي استخدمناه أحياناً لتقليص شعور الإنسان بالمركزية؛ بل قد تكون الأرض عادية فلكياً واستثنائية بايولوجياً في الوقت نفسه. فلا تناقض بين أن تكون مادتها مألوفة، ونجمها غير استثنائي، وموقعها غير مركزي، وبين أن يكون الحدث الذي وقع فوق سطحها نادراً إلى درجة هائلة.
ولذلك فإن المرحلة القادمة في البحث عن الحياة خارج الأرض قد تحتاج إلى تحول فلسفي يوازي التحول التقني: أن نبحث بشغف، ولكن من غير أن نفرض على الكون النتيجة التي نريد العثور عليها، وأن نستمر في الإصغاء، ونستمر في فحص الغلاف الجوي للكواكب البعيدة، وأن نبحث عن البصمات الحيوية والتقنية. ولكن أن نكون مستعدين أيضاً لنتيجة ربما تكون أكثر إثارة للرهبة من اكتشاف حضارة أخرى: أن نكتشف، شيئاً فشيئاً، أن الحياة ليست الكيفية المعتادة التي تنتظم بها المادة في الكون، وإنما هي واحدة من أندر كيفيات انتظامها. وعندئذ لن يكون السؤال الأكبر: لماذا لم نتجاوز حتى اليوم لحظة «واو!»؟ بل: ماذا لو كان عجزنا عن تجاوزها حتى الآن يدعونا إلى إعادة النظر في اعتقادنا بأن الكون، لمجرد أنه شاسع، ينبغي أن يكون مزدحماً بالحياة؟ فربما كان الخطأ كامناً منذ البداية في معادلة ذهنية أبسط من معادلة دريك نفسها:
كون شاسع = حياة منتشرة.
وهي معادلة تبدو بديهية، لكنها ليست قانوناً من قوانين الطبيعة. وربما تكون الخطوة العلمية الأكثر نضجاً الآن هي أن نضع إلى جانب احتمالية الكون المزدحم بالحياة احتمالاً آخر لا يقل عنه مشروعية: كون بالغ الاتساع، بالغ الثراء بالكواكب والماء والكيمياء العضوية، ومع ذلك بالغ الفقر بالحياة.
وحينها فقط قد نكون تجاوزنا لحظة «واو!» فعلاً؛ لا بالعثور على الإشارة التالية، وإنما بتجاوز التوقعات التي جعلتنا طوال عقود نعتقد أن الإشارة التالية لابد أن تأتي.

أضف تعليق