الإنسان… القاسم المشترك الأعظم بين كل ما كتبت



حين أنظر اليوم إلى مئات المقالات التي كتبتها خلال العامين الماضيين، قد يبدو للوهلة الأولى أنني كنت أتنقل بينها من موضوع إلى آخر بلا ناظم ينتظمها. فكتبت عن الدين والقرآن، وعن التطور والبيولوجيا، وعن الفلسفة والتاريخ، وعن الحضارات والأساطير، وعن الحب والجنس والعدوان، وعن العلم والعلماء، وعن الذكاء الاصطناعي، وعن البحث عن الحياة خارج الأرض، وعن الأوهام التي يصنعها العقل، وعن اللغة والمصطلحات، وعن المستقبل الذي ينتظرنا. وقد يبدو هذا كله أشبه برحلة طويلة في أرخبيل من الجزر المعرفية المتباعدة. ولكنني كلما ابتعدت قليلاً عن هذه المقالات ونظرت إليها من علٍ، اكتشفت أنني لم أكن أكتب، في الحقيقة، عن كل هذه الأشياء. فلقد كنت أكتب عن شيء واحد فحسب ألا وهو الإنسان؛ إذ كان الإنسان هو القاسم المشترك الأعظم بينها جميعاً، الحاضر حتى حين لا يظهر اسمه في العنوان، والمختبئ خلف كل سؤال ظننت أنني أطرحه عن شيء آخر.
فحين كتبت عن الدين، لم يكن الدين وحده هو موضوعي، وإنما الإنسان الذي يحتاج إلى الدين، والإنسان الذي يؤمن، والإنسان الذي يشك، والإنسان الذي يفسر النصوص، ثم يعيد تشكيلها أحياناً على صورة ما يريد أن يكون عليه العالم.
وحين كتبت عن العلم، لم يكن العلم في ذاته هو القضية، وإنما الإنسان الذي يصنع العلم، ثم قد يقع في وهم أن نجاحه في تفسير جانب من العالم يمنحه الحق في تفسير العالم كله؛ ذلك الإنسان الذي يستطيع أن يكون شديد الصرامة في مختبره، ثم يعود خارج المختبر محملاً بتحيزاته وأهوائه ومسلماته القديمة.
وحين كتبت عن الحضارات، لم تكن الآثار والإمبراطوريات والتواريخ هي غايتي الأخيرة، وإنما الإنسان الذي ينتقي من ماضيه ما يريد أن يتذكره، ويضع جانباً ما لا ينسجم مع الصورة التي يريد أن يصنعها لنفسه، فيحتفظ بالمعابد والقصور والفلسفة والفنون، وينسى الدماء والسجون والعبيد والحروب والمذابح.
وحين كتبت عن الأسطورة، فإنني لم أكن أبحث عن الآلهة القديمة بقدر ما كنت أبحث عن الإنسان الذي صنعها؛ ذلك الكائن الذي لا تكفيه الواقعة كما حدثت، فيضيف إليها من فائض تمثله حتى تصبح أكبر وأعجب وأكثر إثارة مما كانت عليه.
وحتى حين كتبت عن الذكاء الاصطناعي، ربما لم يكن الذكاء الاصطناعي هو بطلي الحقيقي، بل كان الإنسان أيضاً. فالذكاء الاصطناعي لم يكن في كثير مما كتبت عنه سوى مرآة جديدة وضعتها أمام الإنسان لكي أرى ما الذي سيظهر فيها حين يقارن نفسه لأول مرة بذكاء لا ينتمي إلى نوعه؛ كيف سيدافع عن تفرده، وكيف سيعيد تعريف الذكاء والإبداع والوعي كلما شعر بأن امتيازاً كان يظنه حكراً عليه أصبح موضع سؤال، وكيف يمكن لظهور ذكاء آخر أن يكشف مقدار ما تختبئ خلف تصوراتنا عن «الإنسان» من مركزية بشرية لم نكن نلاحظها لأنها ظلت، طوال تاريخنا، بلا منافس. وهكذا تغيرت الأسئلة، لكن الكائن الذي كنت أطارده بقي هو نفسه.
ولعلني أستطيع الآن أن أقول إن ما كنت أفعله طوال هذين العامين لم يكن محاولة لتعظيم الإنسان، ولا محاولة للحط منه، وإنما محاولة لرؤيته. وهذه مهمة أصعب مما تبدو. فالإنسان ربما يكون الكائن الوحيد الذي لم يكتف بأن يكون شيئاً، بل احتاج دائماً إلى أن يصنع رواية عما هو عليه. ولقد كانت هذه الرواية، في أغلب الأحيان، أجمل من صاحبها. فوصف الإنسان نفسه بأنه الكائن العاقل، والأخلاقي، والمتحضر، والمحِب، والرحيم، والباحث عن الحقيقة. وأقام حول ذاته منظومة كاملة من المفاهيم التي جعلته يبدو وكأنه الاستثناء النبيل في الطبيعة؛ فهو الكائن الذي تجاوز الحيوان، وضبط غرائزه، وأقام الحضارة، واكتشف الحقيقة، وأنتج الأخلاق والفن والعلم.
وليس شيء من ذلك باطلاً بالضرورة. لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هذه الصفات الصورة كلها. فإلى جانب الإنسان الذي يحب، هناك الإنسان الذي يكره. وإلى جانب الذي يرحم، هناك الذي يتلذذ أحياناً بعذاب خصمه. وإلى جانب الذي يبحث عن الحقيقة، فهناك الذي يبحث عن الأدلة التي تؤكد ما يريد أن يكون حقيقة. وإلى جانب الإنسان الذي يبني الحضارة، فهناك الإنسان نفسه الذي يستعمر ويستعبد ويقتل ويهدم. وإلى جانب العقل الذي يصنع النظريات، هناك العقل الذي يصنع الأساطير والأوهام والمبررات. وإلى جانب الكائن الذي يريد أن يعرف نفسه، هناك كائن ربما أمضى جزءاً كبيراً من تاريخه وهو يحاول، من دون أن يدري، ألا يعرف نفسه كاملة.
ومن هنا ربما كان السؤال الذي تسلل إلى معظم ما كتبت، بصور مختلفة، هو: ماذا يتبقى من صورة الإنسان إذا رفعنا عنها كل ما أضافه الإنسان نفسه إليها؟
لقد حاولت الاقتراب من هذا السؤال من أبواب كثيرة، لأنني لم أعد أعتقد أن باباً معرفياً واحداً يستطيع أن يقودنا إلى الإنسان كله. فالبيولوجيا تستطيع أن تخبرنا بالكثير عن جسمه وغرائزه وتاريخه التطوري، لكنها قد لا تكفي وحدها لتفسير كل ما يفعله. وعلم النفس يستطيع أن يكشف بعض آليات ذهنه ودوافعه، لكنه لا يستطيع أن يستنفد ظاهرة الإنسان. والتاريخ يرينا ما فعله الإنسان حين امتلك القوة، وحين خاف، وحين جاع، وحين انتصر، وحين هُزم. والأنثروبولوجيا تكشف تعدد الصور التي صنع بها البشر عوالمهم. والفلسفة تكشف الأسئلة التي ظل الإنسان يطرحها على وجوده. والدين يكشف جانباً آخر من تصور الإنسان لنفسه ومصيره وموقعه في الكون. والأدب والأسطورة يكشفان ربما ما لا يقوله الإنسان عن نفسه حين يتحدث بلغة الوقائع. أما الذكاء الاصطناعي فقد أضاف في عصرنا نافذة جديدة بالغة الدلالة، لأنه أتاح لنا للمرة الأولى أن نقارن بعض ما كنا نظنه خصائص إنسانية خالصة بنمط آخر من الذكاء.
ولذلك كنت أنتقل بين هذه الحقول لا لأنني كنت أبحث عن التنوع في ذاته، وإنما لأن موضوعي كان أكبر من أن يُرى من نافذة واحدة. فلقد كنت أدور حول الإنسان كما يدور المرء حول جسم غريب يريد أن يراه من جميع الجهات. وكلما انتقلت إلى زاوية جديدة، ظهر وجه آخر.
ولكن الوجوه التي استوقفتني أكثر لم تكن دائماً تلك التي يحب الإنسان أن يراها في المرآة! فلقد استوقفني فائض العدوان لديه؛ تلك القدرة التي تجعل الأذى أحياناً يتجاوز تحييد الخطر إلى الانتقام والإذلال والتنكيل والتشفي. واستوقفني فائض التمثل، والذي يتجلى في قدرة العقل الهائلة على أن يضيف إلى العالم ما ليس فيه، ثم يتعامل أحياناً مع إضافاته الذهنية كما لو أنها كانت أجزاء من العالم نفسه. واستوقفني ميل الإنسان إلى الأسطرة، وإلى صناعة الكيانات المجردة، وإلى تحويل الوقائع إلى روايات، والروايات إلى حقائق، ثم نسيان المسافة التي تفصل إحداها عن الأخرى. واستوقفتني قدرته المذهلة على التحيز، ليس فقط ضد الآخرين، وإنما لمصلحة الصورة التي كوّنها سابقاً عن نفسه والعالم. واستوقفني الحب، لا بوصفه القصيدة التي كتبها الإنسان عنه، وإنما بوصفه ظاهرة ينبغي أن نسأل عما يوجد تحت طبقات الشعر والأسطورة والمثاليات التي تراكمت فوقها. واستوقفتني الحضارة نفسها: كيف يستطيع الكائن الذي يبني الكولوسيوم أن يكون هو نفسه الذي يجعل البشر يتقاتلون داخله للفرجة؟ وكيف يستطيع الذي يكتب أعظم النصوص في الأخلاق أن ينتمي إلى مجتمع يمارس العبودية؟ وكيف يمكن للجمال والوحشية أن يسكنا الكائن نفسه من غير أن يلغي أحدهما الآخر؟
وهنا بدأت الصورة التي كنت أبحث عنها تتضح شيئاً فشيئاً. فلعل الخطأ لم يكن في أننا وصفنا الإنسان بصفات جميلة، وإنما في أننا تصورنا أن صفاته الجميلة تنفي صفاته الأخرى. فالإنسان ليس “ملاكاً” أخطأ أحياناً، ولا “وحشاً” تصادف أن أحسن أحياناً، بل هو الكائن القادر على الاثنين. وحرف الـ«واو» الذي يجمع بينهما ربما يكون أهم كلمة في تعريفه.
ولهذا لم يكن هدفي من الكشف عن الوجوه التي حاول الإنسان إخفاءها أن أقدم لائحة اتهام ضد الجنس البشري. فالإنسان الذي أنتقده هو نفسه الإنسان الذي أكتب بفضله، وبالعقل الذي منحني إياه انتمائي إليه، وباللغة التي صنعها، وبالمعرفة التي راكمها آلاف السنين. ولست أقف خارج البشرية لكي أحاكمها، فأنا واحد منها. وكل عيب أبحث عنه في الإنسان ينبغي أن أقبل، من حيث المبدأ، احتمال وجود جذوره فيّ أنا أيضاً.
وهنا تصبح الكتابة عن الإنسان مختلفة تماماً؛ لأنها لا تعود تشريحاً لـ«هم»، وإنما تشريحاً لـ “نحن”.
فحين أكتب عن التحيز، فأنا أبحث عن تحيزي أيضاً. وحين أكتب عن فائض التمثل، فلا يمكنني أن أفترض أن عقلي مستثنى منه. وحين أنتقد صناعة الأساطير، فينبغي أن أسأل عن الأساطير التي ربما أصنعها أنا من دون أن أدري. وحين أنتقد الإنسان لأنه يجد صعوبة في الاعتراف بخطئه، يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً: هل أستطيع أنا الاعتراف بخطئي حين يأتي الدليل الذي يناقض ما قضيت سنوات في الدفاع عنه؟
وعند هذه النقطة تتحول دراسة الإنسان من معرفة إلى امتحان.
وربما لهذا أيضاً لم أصل بعد مئات المقالات إلى «الإنسان» الذي أبحث عنه. ولعلني لن أصل إليه أبداً.
فكلما ظننت أنني أمسكت بخيط يقود إلى تفسيره، ظهر خيط آخر. وكلما بدا لي أن ظاهرة ما يمكن تفسيرها بيولوجياً، ظهر فيها ما يدعوني إلى تجاوز ذلك التفسير. وكلما اعتقدت أن العقل هو مفتاح الإنسان، ظهرت العاطفة. وحين تبدو العاطفة هي المفتاح، تظهر الثقافة. وحين تبدو الثقافة كافية، يطل التاريخ التطوري من الخلف. وحين نعود إلى التطور، تظهر اللغة والدين والأسطورة والوعي والموت والخيال لتعيد فتح السؤال.
كأن الإنسان لا يسمح لنا بأن نختصره. وربما كان هذا، في ذاته، أحد أهم الدروس التي خرجت بها من هذه الرحلة. فالإنسان ليس تعريفاً، بل هو مشكلة معرفية مفتوحة.
ولهذا، إذا سألني أحد اليوم: ما موضوع مئات المقالات التي كتبتها؟ فلن أحتاج إلى سرد عناوينها. فلن أقول إن بعضها كان في الدين، وبعضها في التطور، وبعضها في الفلسفة، وبعضها في الذكاء الاصطناعي، وبعضها في الحب، وبعضها في الأسطورة، وبعضها في التاريخ والحضارة. ولكن سأقول ببساطة: كنت أكتب عن الإنسان. فلقد كنت أحاول أن أراه حين يحب وحين يكره، حين يؤمن وحين يشك، حين يعرف وحين يتوهم أنه يعرف، حين يصنع الحضارة وحين يدمرها، حين يبحث عن الحقيقة وحين يهرب منها، حين يضع الأسطورة فوق الواقع، وحين يستخدم العلم لكي ينزع الأسطورة عنه، وحين يصنع ذكاءً اصطناعياً ثم يكتشف، من خلال مواجهته له، أشياء لم يكن يعرفها عن ذكائه هو.
فلقد تغيرت المرايا، لكن الوجه الذي كنت أضعه أمامها ظل واحداً ألا وهو وجه الإنسان؛ ذلك الكائن الذي أمضى آلاف السنين وهو يسأل الكون: من أنا؟ ثم أجاب عن السؤال مرات لا تحصى. وربما كانت المشكلة أن معظم إجاباته لم تكن وصفاً لما هو عليه بقدر ما كانت وصفاً لما يحب أن يكونه. أما ما حاولت فعله في هذه المقالات، فلم يكن البحث عن إجابة أجمل، بل البحث، ما استطعت، عن مرآة أقل مجاملة.

أضف تعليق