
لعل واحدة من أغرب قدرات العقل البشري هي قدرته على صناعة كيانات ذهنية لا وجود لها في الواقع بالصورة التي يتصورها بها، ثم نسيان أنه هو الذي صنعها، والتعامل معها بعد ذلك كما لو أنها أشياء قائمة بذاتها في العالم. فنحن نفعل ذلك حين نتحدث عن «الشرق» و«الغرب»، وعن «العصور الذهبية» و«عصور الانحطاط»، وعن أمم وشعوب وثقافات كما لو كانت كائنات متجانسة تمتلك شخصية واحدة وإرادة واحدة وتاريخاً واحداً. ولعلنا نمارس العملية الذهنية نفسها حين نتحدث عن شيء نسميه “الحضارة الرومانية”.
فما الذي نعنيه، في الحقيقة، حين نقول: الحضارة الرومانية؟
سرعان ما تستدعي العبارة إلى الذهن صورة روما العظيمة: الكولوسيوم، والبانثيون، والقنوات المائية، والطرق المرصوفة، والجسور، والتماثيل الرخامية، والفسيفساء، والمدن المنظمة، والقانون الروماني، والجيوش المنضبطة، والمنشآت الهندسية التي بقي بعضها قائماً إلى يومنا هذا متحدياً ألفي عام من الزمن. وحين ننظر إلى هذه الأشياء مجتمعة نقول، بإعجاب يكاد يكون تلقائياً: يا لها من حضارة!
لكن ماذا لو كانت المشكلة كامنة في عملية الجمع هذه نفسها؟ ماذا لو كنا قد جمعنا بعناية كل ما يثير الإعجاب من التاريخ الروماني، وأبعدنا بالقدر نفسه كل ما يعكر صفو الصورة، ثم أطلقنا على الناتج المنتقى اسم «الحضارة الرومانية»؟
فالإنسان لا يتذكر الماضي كما وقع بالضرورة، وإنما يعيد بناءه. وهو حين يعيد بناءه لا يحمل معه كل شيء؛ لأن الذاكرة الثقافية، شأنها شأن الذاكرة الفردية، تنتقي. فهي تضع بعض الوقائع في واجهة المشهد، وتدفع بوقائع أخرى إلى الخلف، حتى يصبح الجزء المرئي من الماضي بديلاً عن الماضي كله.
ومن هنا ربما كان علينا، في المرة المقبلة التي نقف فيها أمام الكولوسيوم منبهرين بعظمة بنائه، وأن نحاول للحظات أن ننظر إليه بعيون أولئك الذين لم يكن هذا المبنى يمثل لهم تحفة معمارية. فلقد كان مبنى الكولوسيوم يمثل لكثيرين ممن دخلوا ساحته مكاناً يمكن أن تنتهي فيه حياتهم أمام جمهور جاء ليتسلى بمشهد الدم!
وهنا تنقلب زاوية الرؤية بالكامل. فالشيء نفسه الذي يمثل لنا اليوم شاهداً على «عظمة الحضارة الرومانية» يستطيع أن يمثل، إذا نظرنا إليه من موقع الضحية، شاهداً على شيء مختلف تماماً: قدرة مجتمع بشري متقدم في الهندسة والإدارة والتنظيم على تحويل عذاب الإنسان إلى فرجة عامة.
وليس المقصود من ذلك محاكمة الرومان بمعايير القرن الحادي والعشرين، ولا الادعاء بأن روما لم تنتج شيئاً ذا قيمة. فتلك إجابة سهلة عن سؤال أصعب بكثير. فالسؤال الحقيقي هو: لماذا جعلنا المنجز جزءاً من تعريف الحضارة، بينما جعلنا الضحية مجرد هامش في تاريخها؟ لماذا تدخل القناة المائية في حساب الحضارة، ولا يدخل العبد الذي حُرم حريته في الحساب نفسه؟ ولماذا يدخل القصر والحمام العام والمعبد والمدرج والتمثال والطريق في رصيد روما الحضاري، بينما لا يدخل في الرصيد المقابل كل أولئك الذين سُحقوا في الحروب، واستُعبدوا، وأُخضعوا بالقوة، ودفعوا الضرائب، وعاشوا على هامش الثراء الإمبراطوري؟ وكأن لدينا دفترين مختلفين تماماً: نسجل في الأول منجزات الإمبراطوريات، ونطلق عليه اسم «تاريخ الحضارة»، ونسجل في الثاني ضحاياها، ونطلق عليه أسماء أخرى: الحروب، والفتوحات، والتمرد، والعقوبات، والعبودية، والاضطرابات الاجتماعية. ثم لا نسأل لماذا لا يكون الدفتران دفتراً واحداً.
فلقد بنت روما شبكة مذهلة من الطرق، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار. وكانت لهذه الطرق وظائف عسكرية وإدارية وتجارية واتصالية أساسية. ولكن الصورة تتغير حين نتذكر أن الطريق الذي نراه اليوم إنجازاً هندسياً كان يستطيع في زمانه أن يكون أيضاً الشريان الذي يتحرك عبره الفيلق الروماني بسرعة أكبر إلى إقليم ينبغي إخضاعه أو إلى تمرد ينبغي سحقه. ولكن، هل يصبح الطريق أقل إتقاناً بسبب من ذلك؟ بالطبع لا. لكن هل ينبغي أن يصبح إعجابنا بإتقانه أقل براءة؟ ربما نعم.
وهنا نصل إلى المشكلة الأعمق في مفهوم «الحضارة» نفسه. فنحن نميل إلى قياس الحضارة بما استطاع مجتمع ما أن يبنيه، لا بما امتنع عن فعله بالإنسان. فنقيسها بارتفاع الأعمدة، واتساع الطرق، ودقة القوانين، وجمال المنحوتات، وتعقيد الإدارة، وقوة الجيش، وضخامة المدن، ولا نكاد نسأل بالجدية نفسها: كم كانت قيمة الفرد في هذه المنظومة؟ وماذا كان يحدث للضعيف؟ وماذا كان يحدث للأسير؟ وماذا كان يحدث للعبد؟ وماذا كان يحدث للإنسان حين يقف بينه وبين مصلحة الدولة أو متعة الجمهور أو امتياز الطبقة المهيمنة؟
وقد يكون الصَّلب واحداً من أكثر الأمثلة قسوة على هذا التناقض. فالصَّلب لم يكن مجرد وسيلة لإنهاء حياة إنسان، وإنما عقوبة علنية طويلة ومهينة، يتداخل فيها الألم الجسدي مع الإذلال الاجتماعي واستعراض سلطة الدولة. وحين يستطيع مجتمع أن يطور القانون والهندسة والإدارة إلى مستويات بالغة التعقيد، ثم يستطيع في الوقت نفسه أن يجعل جسد الإنسان ميداناً لاستعراض العقوبة، يصبح السؤال عن معنى «التقدم» نفسه سؤالاً مشروعاً. فالقدرة التقنية ليست هي القدرة الأخلاقية. والتقدم الهندسي لا يستلزم التقدم الإنساني. وقد يستطيع المجتمع أن يكون بالغ التقدم في كيفية بناء الجسر، وبدائياً بصورة مرعبة في تحديد مَن يستحق العبور عليه حُراً ومَن يعبره مقيداً بالسلاسل!
بل لعل الكولوسيوم يجسد هذه المفارقة أكثر من أي مبنى آخر. فعبقريته الهندسية لا يمكن إنكارها، ولكن هذه العبقرية نفسها تجعل المفارقة أشد إيلاماً: فلقد احتاج الأمر إلى مجتمع شديد التنظيم والثراء والخبرة لكي يبني منشأة هائلة تستطيع أن تجمع عشرات الآلاف من المتفرجين حول مشاهد للعنف والموت.
وهكذا لا يعود الكولوسيوم دليلاً بسيطاً على الحضارة أو دليلاً بسيطاً على الوحشية، بل هو دليل على إمكان اجتماعهما. وهذه ربما هي الحقيقة التي لا نحب مواجهتها. فالوحشية لا تعيش دائماً في مقابل الحضارة. وقد لا تكون البربرية نقيضاً خارجياً للحضارة كما أحببنا أن نتصور، بل قد تستطيع أن تستوطن قلب أكثر المجتمعات تنظيماً وتقدماً وفناً. فيمكن للإنسان أن ينحت الرخام في الصباح، ويتأمل الشعر والفلسفة بعد الظهر، ثم يذهب في اليوم التالي لمشاهدة إنسان آخر يموت من أجل الترفيه. وليس في ذلك تناقض من وجهة نظر التاريخ؛ فالتناقض موجود في مفهومنا نحن عن الحضارة. ذلك لأننا صنعنا مفهوماً نقياً أكثر مما ينبغي، ثم حاولنا إجبار التاريخ، وهو شديد الاختلاط، على الدخول فيه.
ومن هنا ربما كانت «الحضارة الرومانية» كينونة ذهنية أكثر مما كانت شيئاً موجوداً في التاريخ بتلك الصورة المتجانسة التي تحملها العبارة اليوم. فكان هناك رومان كثيرون، وطبقات مختلفة، وفترات تاريخية متباينة، وأباطرة وسياسيون وفلاسفة وجنود وفلاحون وتجار وعبيد وأسرى وشعوب خاضعة للإمبراطورية، وكانت تجارب هؤلاء مع «روما» مختلفة إلى حد يستحيل معه اختزالها جميعاً في صورة واحدة. فروما التي رآها أحد أثريائها من داخل فيلته ليست روما التي عرفها عبد في منجم. وروما التي رآها عضو في مجلس الشيوخ ليست روما التي عرفها أسير حرب. وروما التي نراها نحن اليوم ونحن نسير بين أطلالها المبهرة ليست بالضرورة روما التي عاشها إنسان اقتيد إلى صليب أو إلى ساحة قتال أو إلى سوق للعبيد.
فأي واحدة من هذه هي «الحضارة الرومانية»؟ ربما لا توجد واحدة منها وحدها. وربما كان ما نسميه الحضارة الرومانية تركيباً ذهنياً صنعناه نحن من أجزاء منتقاة من واقع كان أكثر تعقيداً وتناقضاً وقسوة. وهذه المسألة لا تخص روما وحدها. فلو طبقنا المعيار نفسه على الحضارات الأخرى، قد نكتشف أن كثيراً مما نسميه «حضارات عظيمة» وصل إلينا بعد عملية تنقية تاريخية طويلة؛ حيث بقيت المعابد واختفى العمال الذين بنوها، وبقيت القصور وغاب الخدم والعبيد، وبقيت انتصارات الملوك وتلاشت صرخات المهزومين، وبقيت الطرق والجسور والأسوار بينما تحول الذين دفعوا أثمانها من دمائهم إلى أرقام أو إلى أسماء مجهولة. فالمنتصر لا يبني الإمبراطورية فحسب؛ إذ أنه يساعد أيضاً في بناء الصورة التي ستتذكر بها الأجيال إمبراطوريته. ثم تأتي السياحة الحديثة لتضيف طبقة أخرى من التجريد. فنحن نقف أمام الأطلال، نلتقط الصور، ونقرأ لوحات تخبرنا بتاريخ البناء وارتفاعه وسعته وطرازه المعماري، لكن الحجر لا يخبرنا وحده بما شعر به البشر الذين مروا من هنا. فنحن نرى ما بقي، لا ما حدث، والذي يبقى عادة هو الحجر، أما الألم فلا يترك أطلالاً. ولهذا يمتلك القصر ميزة هائلة على الضحية في كتابة التاريخ: القصر يستطيع البقاء ألفي سنة، أما الصرخة فلا تبقى إلا ثواني.
ومن هنا فقد يكون واجب المؤرخ والفيلسوف والقارئ المعاصر أن يعيد إلى الماضي ما انتزعه الزمن منه ألا وهو الصوت البشري، وأن ينظر إلى المبنى ويسأل عمن بناه، وإلى الإمبراطورية ويسأل عمن أخضعته، وإلى الثروة ويسأل عمن أنتجها، وإلى النصر ويسأل عمن دفع ثمنه، وإلى «الحضارة» ويسأل قبل أن ينبهر بها: حضارة مِن منظور مَن؟
إن إعادة قراءة روما بهذه الطريقة لا تعني أن نهدم تماثيلها ذهنياً، ولا أن ننكر قانونها وهندستها وفنونها وآدابها وتنظيمها السياسي والإداري. بل تعني شيئاً أصعب وأكثر عدلاً: أن نرفض فصل هذه الأشياء عن النظام البشري الذي أنتجها. فالحضارة التي تستحق هذا الاسم ربما لا ينبغي أن تقاس فقط بمقدار ما يستطيع الإنسان أن يفعله بالمادة، وإنما أيضاً بمقدار ما يرفض أن يفعله بالإنسان.
فالمسألة إذاً هي ليست: هل استطاع الرومان بناء طرق عظيمة؟ فلقد استطاعوا.
ولا: هل استطاعوا بناء مدن ومنشآت مدهشة؟ فلقد استطاعوا.
ولا: هل تركوا أثراً عميقاً في القانون والسياسة واللغة والهندسة والثقافة؟ فلا شك في ذلك.
لكن السؤال الذي ينبغي إضافته إلى هذه الأسئلة كلها هو: ما الكلفة البشرية التي دُفعت لكي تصبح هذه الإنجازات ممكنة، ولماذا لا نضع تلك الكلفة داخل تعريفنا للحضارة نفسها؟ وعندها فقط يصبح السؤال الوارد في عنوان هذه المقالة أكثر إزعاجاً مما يبدو: هل كانت الحضارة الرومانية حضارة حقاً؟ وربما تكون الإجابة الأعمق أن الخطأ موجود في السؤال نفسه؛ لأننا افترضنا أن «الحضارة الرومانية» شيء واحد يمكن الحكم عليه بصفة واحدة.
ربما لم تكن هناك في التاريخ تلك الكينونة النقية المتماسكة التي نتخيلها حين ننطق عبارة “الحضارة الرومانية”. فلقد كان هناك مجتمع بشري هائل، مذهل في بعض إنجازاته، ومروّع في بعض ممارساته، متقدم في بعض المجالات وقاسياً إلى حدود يصعب علينا تصورها في مجالات أخرى. ثم جاء العقل البشري، بقدرته العجيبة على الانتقاء والتجريد، فجمع الجانب الذي يريد تذكره، ومنحه اسماً جميلاً: “الحضارة الرومانية”.
ولذلك فإن المطلوب هو ليس محو روما من تاريخ الحضارة، بل إعادة ضحايا روما إلى تاريخ روما، وأن نقف أمام الكولوسيوم ونراه كاملاً للمرة الأولى: حجراً وعبقريةً هندسيةً ودماءً في الوقت نفسه، وأن ننظر إلى الطريق الروماني فنرى إبداع المهندس، والمسافر والتاجر، ولكن نرى أيضاً وقع أقدام الفيالق الرومانية التي سارت فوقه، وأن ننظر إلى القصر فلا نرى زخارفه وحدها، وإنما نسأل عن العالم الاجتماعي الذي جعل ترف القلة ممكناً وسط حرمان الكثيرين. عندئذ لن تكون قراءة التاريخ أقل إنصافاً للرومان فحسب، بل ستكون أكثر إنصافاً للإنسان.
ولعلنا سنكتشف أخيراً أن السؤال الصحيح الذي ينبغي أن نوجهه إلى جميع الحضارات هو ليس: ماذا بنيتم؟ ولكن: ماذا بنيتم، ومَن دفع ثمن ما بنيتم، وماذا فعلتم بالإنسان وأنتم تبنون؟
فربما كانت الحضارة الحقيقية لا تبدأ حين يتعلم الإنسان كيف يشيد بناءً يبقى ألفي عام، وإنما حين يتعلم أن حياة إنسان واحد لا ينبغي أن تكون حجراً آخر في أساس ذلك البناء.
