
ربما كان من الممكن أن ننظر إلى العالم كله بوصفه رقعة شطرنج هائلة، غير مرئية، تمتد بامتداده طولاً وعرضاً، وتتحرك فوقها الأمم والحضارات والأفكار والقوى والأفراد، فيما يظن كل جيل أنه يرى من الرقعة أكثر مما رآه الجيل الذي سبقه، وأنه بات، تبعاً لذلك، أقرب إلى فهم اللعبة والسيطرة على مسارها.!
غير أن الإنسان المعاصر لم يعد يكتفي بأن يكون اللاعب الأكثر براعة على هذه الرقعة؛ فهو يكاد يتصرف كما لو أنه أصبح مالك الرقعة نفسها.!
فلقد قطع الإنسان شوطاً بعيداً جداً منذ ذلك الإنسان القديم الذي كان يرفع رأسه إلى السماء مرتجفاً من الرعد، خائفاً من المرض، عاجزاً أمام الجوع والموت والطبيعة. حيث انه قام بترويض كثير من قوى العالم، وشق الجبال، وحوّل مجاري الأنهار، وأضاء الليل، وغادر الأرض إلى الفضاء، وفك شيفرات الحياة، وتدخل في الجينات، وصنع آلات تنافسه في بعض قدراته العقلية، وامتلك من أدوات التدمير ما يكفي لأن يجعل مصير أجزاء واسعة من الحضارة متعلقاً بقرارات بشرية قد تُتخذ في دقائق. وكلما ازدادت قدرته، تقلصت في تصوره المساحة التي كان يتركها لله تعالى.
فإذا كان المرض يُعالج، والمطر يُتنبأ به، والصاعقة تُفسر، والسماء تُخترق، والجين يُعدل، والآلة تفكر، والطبيعة تُسخّر، فلماذا يحتاج الإنسان إلى إله يخبره بما ينبغي له أن يفعل وما ينبغي له ألا يفعل؟
ربما كان هذا هو السؤال غير المعلن الذي تقف خلفه مساحة واسعة من تجربة الحداثة: هو ليس السؤال عما إذا كان الله موجوداً فحسب، وإنما عما إذا كان الإنسان ما يزال بحاجة إليه.
وهنا تحديداً تبدأ مفارقة الرقعة.
فالإنسان لم يستخدم القوة التي اكتسبها لكي يبرهن على أنه يستطيع الاستغناء عن الوصاية الإلهية بقدر ما استخدمها، من حيث لا يدري، لكي يعيد إنتاج السبب الذي يجعل تلك الوصاية ضرورية. فلقد أراد أن يقول: دعوني وشأني، فأنا أعرف كيف أدير العالم، ثم أدار العالم، فماذا فعل به؟
إن تاريخ الإنسان الحديث لا يسمح لنا بالنظر إلى ازدياد القدرة بوصفها مرادفة لازدياد الحكمة. فالقرن الذي بلغ فيه العلم والتقنية مستويات لم تعرفها البشرية من قبل كان هو نفسه قادراً على ابتكار أشد وسائل القتل الجماعي كفاءة، وتحويل الحرب إلى صناعة، والإنسان إلى رقم، والطبيعة إلى مورد قابل للاستنزاف، والمعلومة إلى أداة مراقبة، والاقتصاد إلى قوة تستطيع أن تستهلك الإنسان كما تستهلك المادة. والأكثر إثارة للمفارقة أن الإنسان كلما أصبح أكثر قدرة على تغيير العالم، أصبح أكثر قدرة على إفساده.
وكأن المشكلة لم تكن يوماً في عجزه! بل ربما كانت المشكلة الحقيقية كامنة في ما يمكن أن يفعله عندما لا يعود عاجزاً. وهنا يصبح التصوير القرآني للخليفة أكثر إثارة للتأمل. فعندما قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، لم يكن السؤال متعلقاً بكائن ضعيف لا يستطيع التأثير في الأرض، وإنما بكائن سوف يمتلك من القدرة ما يجعل فساده نفسه حدثاً ذا شأن.
ولعل الإنسان المعاصر هو الصورة الأكثر اكتمالاً حتى الآن لذلك الكائن.!
فالفساد الذي كان يستطيع الإنسان القديم إحداثه كان محدوداً بحدود عضلاته وأدواته ومساحة حركته. أما الإنسان الحديث فقد صار قادراً على أن يكون فساده كوكبياً، فيستطيع تلويث البحار، وتغيير الأنظمة البيئية، وإفناء أنواع، وتسخير الذرة للقتل، وإعادة تشكيل الحياة، وربما إنشاء ذكاء لا يعرف على وجه اليقين إلى أين يمكن أن يقوده. وهكذا بلغ الإنسان مفارقة عجيبة: كلما اقترب، في قدرته، من الصورة التي تخيلها قديماً عن الآلهة، ازداد وضوحاً أنه لا يمتلك بالضرورة الحكمة الأخلاقية التي ينبغي أن تصاحب هذه القدرة. فلقد امتلك النار، ولكنه لم يمتلك دائماً الحكمة التي تقول له أين يشعلها. وامتلك القوة، ولكنه لم يتخلص من العدوان. وامتلك المعرفة، ولكنه لم يتخلص من الغرور. وامتلك الوفرة، ولكنه لم يتخلص من الجشع. وامتلك القدرة على التواصل مع مليارات البشر، ولكنه لم يتخلص من الكراهية. وامتلك وسائل لم يكن أسلافه ليجرؤوا حتى على تخيلها، ولكنه حمل إليها معه النفس البشرية القديمة ذاتها، بأطماعها ومخاوفها ونزعاتها إلى الهيمنة والتعظيم الذاتي!.
وكأن الإنسان قد أصبح، على نحو ما، كائناً يمتلك أدوات “الآلهة” ونفساً لم تتعلم بعد كيف تستخدمها. ومن هنا يمكن فهم واحدة من أخطر الأفكار التي تسكن الحداثة التي مفادها أن ازدياد القدرة البشرية قد فُهم بوصفه دليلاً على تناقص الحاجة إلى الله!.
لكن ماذا لو كان العكس هو الصحيح؟ ماذا لو أن الإنسان كلما ازدادت قوته ازدادت حاجته إلى حدود لا يضعها هو لنفسه؟ فالضعيف لا يحتاج دائماً إلى أخلاق تمنعه من تدمير العالم؛ لأنه لا يستطيع تدميره أصلاً. أما من يمتلك القدرة على التدمير فهو الذي يصبح السؤال الأخلاقي بالنسبة إليه مسألة وجود.
وهنا ربما تكون الحضارة البشرية قد بلغت وضعاً لم تعرفه من قبل: لقد أصبحت أخلاق الإنسان أضعف من أن تكون ضمانة كافية أمام قوة الإنسان. وهذه هي الوضعية التي تجعل استعارة الشطرنج شديدة الدلالة. فالإنسان يحرّك قطعه منذ آلاف السنين، نقلة بعد نقلة؛ إذ أنه اكتشف النار، ثم الزراعة، ثم الكتابة، ثم الدولة، ثم الإمبراطوريات، ثم العلم الحديث، ثم الصناعة، ثم الكهرباء، ثم الذرة، ثم الجينوم، ثم الحاسوب، ثم الذكاء الاصطناعي. ومع كل نقلة كان يتقدم أكثر على الرقعة، حتى بدأ يشعر بأن الطرف الآخر لا يتحرك! بل ربما ظن أنه لا يوجد طرف آخر أصلاً.
وهذه واحدة من أكثر اللحظات خطورة في أي لعبة شطرنج؛ وهي اللحظة التي يسيء فيها اللاعب تفسير صمت خصمه. غير أن استعارة الشطرنج تحتاج هنا إلى تصحيح جوهري؛ لأن الله، في التصور الإيماني، ليس خصماً للإنسان، ولا لاعباً يجلس قبالته على قدم المساواة. فالرقعة نفسها رقعته، وقوانين اللعبة من خلقه، والإنسان ذاته لم يدخلها بإرادته، ولا يعرف منها إلا المربعات القليلة التي تسمح له محدودية وجوده برؤيتها. ولذلك فإن عبارة “نقلة الله المقبلة” لا ينبغي أن تُفهم بوصفها نبوءة بكارثة، ولا ادعاءً بأننا نعرف ماذا سيفعل الله أو متى يفعله. فهذا تحديداً ما لا نعرفه.
وقد تكون نقلة الله المقبلة حدثاً كونياً، وقد تكون تحولاً تاريخياً، وقد تكون انهياراً لمنظومة ظن الإنسان أنها خالدة، وقد تكون اكتشافاً يقلب تصورنا عن أنفسنا، وقد تكون نتيجة تخرج من قلب أفعالنا نحن أنفسنا؛ فالله الذي خلق قوانين العالم ليس مضطراً، في كل مرة، إلى تعطيلها لكي يُظهر حدود الإنسان.! وربما كانت أعظم النقلات تلك التي تحدث فيما نظن أننا نحن الذين حركنا القطعة.! ولكن ما يمكن قوله فلسفياً هو أن التاريخ لم يقدم لنا حتى الآن سبباً واحداً يجعلنا نعتقد أن القوة البشرية ستواصل صعودها إلى ما لا نهاية من دون أن تصطدم بحدودها. فكل حضارة عظيمة تقريباً عاشت، في لحظة ما، وهم النهاية: أنها بلغت من القوة والتنظيم والمعرفة ما يجعل سقوطها مستبعدا، ثم سقطت.
وكل إنسان يعيش، بصورة أصغر، الوهم نفسه؛ فهو يمتلك، ويخطط، ويبني، ويقرر، ويتصرف كما لو أن المستقبل هو امتداد مضمون لإرادته، ثم تكفي خلية صغيرة تتمرد داخل جسده، أو وعاء دموي بالغ الدقة، أو فيروس لا يُرى، أو ثانية واحدة من خلل جسدي، لكي يكتشف أن الكائن الذي كان يتصرف قبل قليل كما لو أنه سيد العالم لا يستطيع أن يضمن استمرار قلبه في النبضة التالية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف استطاع كائن لا يضمن نبضته المقبلة أن يقتنع بأنه استغنى عن الله؟ ربما لأن القوة، حين تتراكم، لا تغير ما يستطيع الإنسان فعله فحسب، وإنما تغير أيضاً الطريقة التي يرى بها نفسه.
وهذه هي أخطر نتائج القوة.
فالمشكلة ليست أن الإنسان استطاع أن يفعل ما كان يظنه مستحيلاً، وإنما أنه استنتج من ذلك أنه لم يعد محدوداً. ومن هنا يصبح الفساد أكثر من مجرد نتيجة أخلاقية سيئة؛ إذ يصبح برهاناً على سوء فهم الإنسان لقوته. فلقد تصور أن القدرة تعني السيادة، وأن السيادة تعني الاستقلال، وأن الاستقلال يعني الاستغناء، وأن الاستغناء عن الطبيعة يقود، في نهاية المطاف، إلى الاستغناء عن الله.
لكن رقعة الشطرنج قد تكون أكبر بكثير مما يرى. بل لعل المأزق الإنساني الراهن كله يكمن في أن الإنسان يرى القطع التي استطاع تحريكها، ولا يرى اليد التي أتاحت وجود الرقعة ذاتها.
ومن هنا فإن السؤال الأكثر إثارة هو ليس: ما النقلة المقبلة للإنسان؟ فنحن نعرف بعض احتمالاتها بالفعل: ذكاء اصطناعي أشد قدرة، تعديل جيني أعمق، استيطان خارج الأرض، إطالة للحياة، اندماج أكبر بين الإنسان والآلة، وربما أشكال من القوة لا نملك اليوم أسماء لها، لكن السؤال الأكثر رهبة هو: وماذا بعد ذلك؟ ماذا يحدث عندما يكون الإنسان قد حرّك تقريباً كل القطع التي يستطيع تحريكها؟ ماذا يحدث عندما يقترب مشروع الاستغناء عن الله تعالى من ذروته؟ وماذا لو كان أقصى انتصار للإنسان هو تحديداً اللحظة التي يصبح فيها أكثر استعداداً لاكتشاف حدود انتصاره؟
عندئذ فقط يمكن أن نستعيد عنوان هذه المقالة بمعناه الكامل: God’s Next Move نقلة الله المقبلة؛ هذه النقلة التي لا نعرف ماهيتها، ولا نعرف موعدها، ولا يحق لنا أن نزعم أننا نقرأ إرادة الله في كارثة هنا أو حرب هناك أو انهيار هنالك. ولكننا نستطيع أن نتأمل المفارقة التي وصل إليها الإنسان والمتمثلة في كونه كائناً ظهر على كوكب صغير، وعاش معظم تاريخه خائفاً من الطبيعة، ثم تعلم خلال زمن بالغ القصر كيف يغيرها، حتى انتهى به الأمر إلى أن يتصرف كما لو أن قدرته على تغيير العالم منحته حق امتلاكه.
وربما كانت نقلة الله المقبلة، أياً تكن، لا تهدف إلى سحق الإنسان، وإنما إلى تحطيم وهمه الأخير: وهم الألوهية.
فقد يكون أعظم ما يحتاج الإنسان إلى معرفته، بعد كل ما عرفه، هو أنه ليس إلهاً. وقد يكون أعظم ما يحتاج إلى تعلمه، بعد كل ما استطاع فعله، هو أن القدرة على فعل الشيء لا تعني الحق في فعله. وقد تكون اللحظة التي يتوهم فيها أنه أصبح اللاعب الوحيد على الرقعة هي نفسها اللحظة التي يكتشف فيها أنه لم يكن، في أي وقت، مالك الرقعة. وعندها فقط، وبعد سلسلة طويلة من النقلات البشرية التي بدت له انتصارات نهائية، قد تأتي النقلة التي لم يحسب لها حساباً؛ هذه النقلة التي لا نعرف شكلها، ولا نعرف زمانها. ولكن استعارة الشطرنج تسمح لنا بأن نتخيل معناها: ينظر الإنسان إلى الرقعة التي ظن أنه أحكم السيطرة عليها، وإلى القطع التي اعتقد أنها جميعاً أصبحت طوع إرادته، ثم يكتشف فجأة مربعاً لم يره، وإمكاناً لم يحسبه، وحداً لم يكن يعرف أنه موجود.
وتأتي النقلة.
وعندئذ يسمع الإنسان، لا بأذنيه وإنما في انهيار وهمه القديم، الكلمة التي لم يتصور طوال صعوده أن أحداً سيقولها له يوماً:
كش أيها الإنسان. Check, Man.
