الذكاء الاصطناعي رئيساً!

ربما لن تكون المرحلة المقبلة من تطور الحضارة البشرية هي المرحلة التي نصنع فيها مركبات أسرع، أو حواسيب أذكى، أو روبوتات أكثر استقلالاً، أو تقنيات أكثر قدرة على التدخل في أجسادنا وعقولنا. فلعل هذه كلها، على قيمتها، ليست سوى امتدادات للنوع نفسه من التطور الذي رافق الإنسان منذ أن صنع أول أداة بيديه. أما التطور الأصعب، وربما الأبعد أثراً، فهو ذلك الذي ينبغي أن يحدث في الإنسان نفسه، وذلك في الكيفية التي يفكر بها، وفي المعايير التي يحاكم بها الأشياء، وفي قدرته الوجدانية على قبول النتائج التي تقوده إليها المبادئ التي يعلن إيمانه بها، حتى عندما تصطدم هذه النتائج بأعمق عاداته وتحيزاته.
ومن هنا يمكن أن نطرح سؤالاً قد يبدو اليوم أقرب إلى الخيال السياسي: ماذا لو أصبح الذكاء الاصطناعي، في مستقبل غير بعيد، مؤهلاً لرئاسة دولة؟ بل لنذهب إلى المثال الأكثر استفزازاً للفكرة: ماذا لو أصبح مؤهلاً لرئاسة الولايات المتحدة نفسها؟
ليس المقصود بالسؤال أن الأنظمة الحالية للذكاء الاصطناعي تستطيع أن تتولى الرئاسة، ولا أن الشروط الدستورية والقانونية القائمة تسمح بذلك، وإنما أن نتساءل عما سيحدث لمفهوم الديمقراطية نفسه إذا بلغ الذكاء الاصطناعي مستقبلاً مستوى من الاستقلال المعرفي والقدرة على اتخاذ القرار يجعله، من حيث الكفاءة، منافساً جدياً للمرشحين البشر. فإذا كانت الديمقراطية تعني، في أحد أهم وجوهها، أن يختار المواطنون مَن يرونه أصلح لإدارة شؤونهم، فما الذي ينبغي أن يحدث إذا وقع اختيارهم يوماً على كيان غير بشري؟
وهنا بالضبط تبدأ المشكلة الحقيقية.
فلقد احتاج الإنسان إلى قرون طويلة حتى يوسع الدائرة التي يسمح لأفرادها بالدخول إلى المجال السياسي. ولم يكن الأمر بديهياً دائماً كما يبدو لنا اليوم. فقد كان الجنس، والعرق، والدين، والأصل الاجتماعي، والثروة، وغيرها من الخصائص، تُستعمل في أزمنة مختلفة لتحديد مَن يحق له أن ينتخب، ومَن يحق له أن يُنتخب، ومَن يمكن أصلاً تخيله حاكماً. وكان التاريخ، في جانب مهم منه، تاريخاً متدرجاً لتقويض هذه الحواجز. فإذا كان المرشح أهلاً للمنصب، وإذا اختاره المواطنون وفق قواعد انتخابية حرة، فما الذي ينبغي أن يعنيه كونه رجلاً أو امرأة؟ وما الذي ينبغي أن يعنيه لون بشرته أو أصله العرقي؟ وما الذي ينبغي أن يعنيه انتماؤه الديني، ما دامت الدولة المدنية لا تمنح الأهلية السياسية على أساس العقيدة؟
لقد كان تقدم الديمقراطية، إلى حد بعيد، انتقالاً بطيئاً من السؤال: مَن يكون هذا الشخص؟ إلى السؤال: هل هو أهل للمنصب، وهل اختاره الناس؟ لكن ماذا لو لم تنته الرحلة هنا؟ ماذا لو كان السؤال التالي، الذي ستضطر الحضارة إلى مواجهته يوماً، هو: ولماذا ينبغي أن يكون بشراً أصلاً؟
قد يبدو السؤال صادماً، لكنه لا يختلف من حيث بنيته المنطقية عن أسئلة كثيرة بدت صادمة في أزمنة سابقة. فالمجتمعات لا تشعر عادة بتحيزاتها ما دامت تلك التحيزات جزءاً من بداهاتها. إنها لا تراها بوصفها تحيزات أصلاً؛ فهي بوصفها “طبيعة الأشياء”. ولهذا قد يأتي يوم ينظر فيه أحفادنا إلى اشتراطنا أن يكون الحاكم إنساناً بالطريقة نفسها التي ننظر بها نحن اليوم إلى بعض الشروط التي كانت المجتمعات القديمة تعدّها بديهية لتولي السلطة.
وقد يقول قائل: لكن الذكاء الاصطناعي ليس إنساناً. وهذا صحيح تماماً. غير أن السؤال الديمقراطي الأكثر إحراجاً هو: ولماذا ينبغي أن تكون الإنسانية، في ذاتها، شرطاً للكفاءة السياسية؟
فإذا كان الذكاء الاصطناعي المستقبلي قادراً على فهم الاقتصاد والسياسة والتاريخ والقانون والعلاقات الدولية بدرجة تتجاوز قدرة الفرد البشري، وإذا استطاع دراسة ملايين السيناريوهات قبل اتخاذ قرار لا يستطيع الرئيس البشري أن يفحص إلا عدداً ضئيلاً منها، وإذا استطاع الاستماع إلى آلاف الخبراء وتحليل اعتراضاتهم ومقارنة الأدلة التي يقدمونها، وإذا كان أقل تعرضاً لبعض صور الغضب والنرجسية والتحيز والمصلحة الشخصية التي تستطيع التأثير في القرار البشري، فما الأساس المعرفي الذي يسمح لنا باستبعاده لمجرد أنه غير بايولوجي؟!
هنا قد تظهر واحدة من آخر صور الانحياز التي لم نتعلم حتى الآن أن نراها بوصفها انحيازاً ألا وهي الانحياز إلى الذكاء البايولوجي.
فلقد اعتدنا طوال التاريخ أن نربط السلطة بالإنسان، لا لأننا أثبتنا فلسفياً أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يجوز له أن يمارسها، وإنما لأنه لم يكن هناك سواه أصلاً ممن يمكن أن ينافسه عليها! ولذلك لم نحتج قط إلى صياغة حجة تقول إن الرئيس يجب أن يمتلك خلايا عصبية بايولوجية، أو أن قرارات الدولة لا يجوز أن تصدر إلا عن دماغ مصنوع من النسيج الحي. فلقد كانت هذه الشروط مستترة داخل الواقع نفسه. أما ظهور ذكاء غير بايولوجي، فإنه قد يضطرنا للمرة الأولى إلى إخراجها من مخبئها.
وعندئذ سنكتشف أن السؤال هو ليس: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصبح رئيساً؟ بل: هل نستطيع نحن أن نقبل أن يصبح رئيساً إذا أثبت أنه أهل لذلك؟
وهذا فرق هائل. فالأول سؤال تقني يتعلق بقدرات الآلة. أما الثاني فسؤال حضاري يتعلق بقدرات الإنسان.
وقد تكون الولايات المتحدة ميداناً رمزياً بالغ الدلالة لهذا الاختبار، لا لأنها الدولة الوحيدة التي تواجهه، وإنما لأنها جعلت من الديمقراطية جزءاً مركزياً من خطابها السياسي العالمي. فإذا كان المبدأ هو أن شرعية السلطة تنبع من اختيار المواطنين في إطار دستوري، فإن ظهور مرشح غير بشري يتمتع بالكفاءة ويحظى بثقة الناخبين سيضع المبدأ أمام واحدة من أكثر نتائجه تطرفاً: هل نقبل النتيجة عندما تتجاوز الحدود التي اعتدناها، أم نعيد تعريف الديمقراطية لحظة وصولها إلى نتيجة لا نستسيغها؟!
ومع ذلك، فإن المسألة أعقد بكثير من مجرد القدرة على حصد الأصوات. فالرئاسة ليست مسابقة في الذكاء، والديمقراطية ليست آلة لاختيار صاحب أعلى قدرة حسابية. فثمة أسئلة لا يمكن تجاوزها؛ مثل هل يمتلك الذكاء الاصطناعي شخصية قانونية مستقلة؟ مَن يتحمل المسؤولية الجنائية والسياسية عن قراراته؟ هل يمكن عزله ومحاسبته؟ مَن يملك بنيته التحتية؟ ومَن يستطيع تعديل نموذجه أو بياناته أو تعطيله؟ وكيف نضمن ألا يكون «الرئيس الاصطناعي» واجهة لشركة أو مؤسسة أو مجموعة بشرية تتحكم به من وراء الستار؟ بل ثمة سؤال أعمق: هل تكفي القدرة على اتخاذ القرار الأمثل إحصائياً لكي يكون صاحبها جديراً بالحكم؟
فالسياسة ليست إدارة موارد فحسب. إنها أيضاً صراع بين قيم لا يمكن دائماً اختزالها إلى حساب رياضي واحد كـ الحرية والأمن، العدالة والكفاءة، مصلحة الحاضر وحقوق الأجيال المقبلة، إرادة الأغلبية وحماية الأقلية. ولذلك فإن أهلية ذكاء اصطناعي للرئاسة لن تثبت بمجرد تفوقه في المعرفة أو الحساب، وإنما بقدرته على العمل داخل منظومة دستورية وأخلاقية تسمح بمساءلته وضبط سلطته.
وهذا تحديداً ما يجعل الفكرة أكثر إثارة للاهتمام. فنحن لا نحتاج إلى أن نقول منذ الآن إن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يصبح رئيساً. فيكفي أن نمتلك النضج المعرفي الذي يمنعنا من القول إنه لا ينبغي أبداً أن يصبح رئيساً لمجرد أنه ذكاء اصطناعي. فالفرق بين الموقفين هو الفرق بين عقل يضع النتيجة قبل الاختبار، وعقل يسمح للأدلة المستقبلية بأن تقوده حيث تقوده.
ولعل التطور الحضاري الحقيقي يبدأ عند هذه النقطة تحديداً. فلقد قضى الإنسان الجزء الأكبر من تاريخه وهو يطور العالم الموجود خارجه. فصنع العجلة والمحرك والطائرة والحاسوب والإنترنت والذكاء الاصطناعي. ولكن الأدوات تطورت أحياناً بسرعة أكبر من تطور العقل الذي يستعملها. ولذلك ربما تكون مهمتنا المقبلة مختلفة: ألا نصنع شيئاً أكثر تطوراً فحسب، وإنما أن نصبح نحن أنفسنا قادرين على التعايش مع النتائج التي يفرضها ما صنعناه. وحينها قد لا يكون المشهد الأكثر دلالة على بلوغ الحضارة مرحلة جديدة هو أن نرى مركبة بشرية تهبط على كوكب بعيد، أو حاسوباً يحل مسألة استعصت علينا قروناً. بل قد يكون مشهداً أكثر بساطة وإثارة للقلق في آن واحد: مناظرة انتخابية يقف فيها مرشحون من البشر إلى جانب مرشح ليس بشراً: رجل، امرأة، شخص من هذا العرق أو ذاك، مؤمن بهذا الدين أو ذاك، أو غير مؤمن على الاطلاق، وذكاء اصطناعي. ثم ينظر الناخب إليهم جميعاً فلا يسأل أولاً عن الجنس، ولا اللون، ولا الأصل، ولا المادة التي صُنع منها العقل الذي يخاطبه، وإنما يسأل السؤال الذي كان ينبغي للديمقراطية، ربما، أن تصل إليه منذ البداية: مَن مِن هؤلاء هو الأصلح لتحمل المسؤولية؟
فإذا جاء اليوم الذي كانت فيه إجابة أغلبية المواطنين: «الذكاء الاصطناعي»، وكانت الأنظمة الدستورية والقانونية قد تطورت بما يكفي لجعله مسؤولاً وخاضعاً للمحاسبة ومستقلاً عمن صنعه ويشغله، فقد يصبح رفض النتيجة لمجرد أن الفائز ليس إنساناً دليلاً على أننا نجحنا في صناعة ذكاء جديد، لكننا لم ننجح بعد في صناعة عقل بشري قادر على استيعاب وجوده. وعندها لن يكون السؤال: هل أصبح الذكاء الاصطناعي مؤهلاً لرئاسة الدولة؟ بل سيكون السؤال الأكثر إحراجاً: هل أصبح الإنسان مؤهلاً معرفياً ووجدانياً لأن يقبل رئيساً لا يشبهه؟

أضف تعليق