
لعل من أغرب تجليات جهالة الإنسان أنه قد يعرف أشياء كثيرة عن العالم، ثم يعجز عن معرفة شيء يبدو، للوهلة الأولى، أبسط منها جميعاً: من هو عدوّه؟
فنحن نفترض عادة أن معرفة العدو من أكثر أشكال المعرفة بداهة. فالعدو، في تصورنا، هو من يؤذينا، أو يعارضنا، أو يقف في طريقنا، أو يهدد مصالحنا، أو يقول لنا ما لا نحب أن نسمعه. ومن هنا يكاد الإنسان يطمئن إلى قدرته على تقسيم من حوله إلى أصدقاء وأعداء، وإلى موالين وخصوم، وإلى من يريدون له الخير ومن يريدون به الشر.
ولكن ماذا لو كان الإنسان من أقل الكائنات قدرة على معرفة عدوه الحقيقي؟ وماذا لو كان بعض الذين أمضى حياته في معاداتهم لم يكونوا أعداءه أصلاً، بينما كان عدوه الأخطر ملازماً له، يختبئ في داخله، ويوجه أحكامه، ويختار له أعداءه، ثم يقنعه بأنه إنما يرى الأشياء كما هي؟ ولعل في قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ (النساء: من 45) ما يستحق أن نتوقف عنده طويلاً. فقول الله تعالى هذا لا يقول لنا إن الله يعلم من هم أعداء الإنسان، فهذا أمر بديهي في العلم الإلهي؛ وإنما يضع، في المقابل، معرفة الإنسان بأعدائه موضع مساءلة. فما الحاجة إلى تذكير الإنسان بأن الله أعلم بأعدائه لو كانت هوية هؤلاء الأعداء دائماً واضحة له، ولو كان الإنسان قادراً، بحدسه ومشاعره وانطباعاته، على تمييز عدوه من صديقه تمييزاً لا يضل؟
إن كلمة «أعلم» هنا تفتح أمام التأمل فجوة هائلة بين ما يظنه الإنسان عن أعدائه وما قد تكون عليه حقيقة هؤلاء الأعداء. فالإنسان لا يرى الآخرين كما هم دائماً، وإنما يراهم، في كثير من الأحيان، من خلال التمثلات التي يصنعها عنهم. وهذه التمثلات لا تتشكل من الوقائع وحدها، بل تتدخل فيها المخاوف والرغبات والذكريات والغرور والمصلحة والحاجة إلى حماية صورة الذات. ثم يأتي فائض التمثّل ليضيف إلى الواقعة ما ليس فيها، وإلى الكلمة ما لم يقصده قائلها، وإلى الموقف نوايا لم تثبت، وإلى الاختلاف عداوة قد لا تكون موجودة أصلاً.
يقول له أحدهم كلمة نصح، فيسمع فيها إهانة. ويشير آخر إلى خطأ ارتكبه، فيرى فيه محاولة للحط من شأنه. ويحذره ثالث من طريق يسلكه، فيتوهم أنه يريد أن يمنعه من النجاح. ويرفض رابع أن يوافقه فيما يقول، فيتحول الاختلاف في ذهنه إلى خصومة، والخصومة إلى عداوة، والعداوة المتخيلة إلى حقيقة لا يعود بحاجة إلى البرهنة عليها. وهكذا لا يعود الإنسان محتاجاً إلى عدو حقيقي، فقد أصبح عقله قادراً على صناعة العدو.
ولعل المفارقة الأكثر مأساوية أن الإنسان قد يكتشف، بعد فوات الأوان، أن الشخص الذي عاداه سنوات طويلة لم يكن عدواً له قط! وربما يكتشف أن ذلك الذي كان يزعجه بكلماته، ويقاوم رغباته، ويعارض قراراته، كان من أكثر الناس حرصاً عليه، بينما كان الذين أراحوه بالموافقة، وأطربوه بالمديح، وتركوه يندفع حيث تشتهي نفسه، أقرب إلى الإضرار به ممن حسبهم أعداءه.
لكن لماذا يقع الإنسان في هذا الالتباس؟ لأننا كثيراً ما نعرّف الصديق والعدو انطلاقاً من استجابة النفس لهما، لا من أثرهما الحقيقي في حياتنا. فمن أرضى النفس بدا صديقاً، ومن خالفها بدا عدواً. ومن أكد للإنسان الصورة التي يريدها عن نفسه أحبه، ومن هدد تلك الصورة بالحقيقة نفر منه. ومن قال له: أنت على صواب، استراح إليه؛ ومن قال له: لعلّك مخطئ، شعر نحوه بشيء من المقاومة، وربما العداء. وهنا تبدأ واحدة من أخطر عمليات التضليل التي تمارسها النفس على صاحبها: إنها لا تكتفي بالدفاع عن رغباتها، وإنما تعيد تسمية الأشياء بما يخدم تلك الرغبات. فتسمي الموعظة تدخلاً، والنصيحة إساءة، والنقد حسداً، والمخالفة عداوة، والتصحيح انتقاصاً، ثم تمنح الإنسان مبررات أخلاقية لمقاومة من كان، في الحقيقة، يحاول إنقاذه من نفسه!
ومن هنا قد يكون علينا أن نقلب السؤال كله. فبدلاً من أن يسأل الإنسان دائماً: من عدوي؟، ربما كان عليه أن يسأل أولاً: من الذي عرّف لي هذا الشخص بأنه عدوي؟ هل هي الوقائع؟ أم نفسي؟ وهل أساء إليّ حقاً، أم أنه قال لي حقيقة لم أكن أريد سماعها؟ وهل يريد بي شراً، أم أنني نسبت إليه الشر لأنه وقف بيني وبين رغبة أحببتها؟ وهل هو الذي عاداني، أم أن فائض التمثّل في داخلي أخذ مجموعة من الكلمات والمواقف والإشارات، ثم نسج منها شخصية كاملة لعدو قد لا يكون له وجود إلا في ذهني؟!
وهذه كلها جميعاً أسئلة بالغة الخطورة؛ لأن الأداة التي نستخدمها لمعرفة العدو قد تكون هي نفسها طرفاً في النزاع. فالنفس ليست قاضياً محايداً في كل ما يتعلق بها. إنها صاحبة رغبات ومخاوف ومصالح وصورة تريد الحفاظ عليها. وحين تُجرح هذه الصورة، لا يكون مستبعداً أن تعيد النفس ترتيب العالم كله لكي تظل هي بريئة، ويظل الآخر مذنباً. وهنا تبلغ المأساة ذروتها: يستشير الإنسان عدوه في تحديد أعدائه!
فإذا كانت النفس المنقادة إلى الهوى والغرور وفائض التمثّل هي التي تقول له: هذا يحبك، وهذا يكرهك، وهذا يريد لك الخير، وهذا يتربص بك؛ فكيف يضمن أن القائمة التي صنعتها له هي قائمة أعدائه حقاً، وليست قائمة أعدائها هي؟!
ولعل هذا يساعدنا على فهم معنى أعمق للصراع الإنساني. فكثير من العداوات التي ملأت التاريخ، ومزقت الأسر، وفرقت الأصدقاء، وأشعلت النزاعات بين الجماعات، لم تبدأ دائماً من أذى موضوعي واضح، وإنما من تمثّل للأذى؛ من قصة صنعها طرف عن الطرف الآخر، ثم صدقها، ثم راح يفسر كل ما يصدر عنه في ضوئها. وبعد أن تُصنع صورة العدو يصبح كل شيء دليلاً عليها. فإذا تكلم فهو يتآمر. وإذا صمت فهو يُضمر. وإذا اقترب فله غرض. وإذا ابتعد فقد كشف عن عداوته.
وهكذا تنغلق الدائرة، ويصبح من المستحيل تقريباً أن يفعل «العدو» شيئاً يستطيع به إثبات أنه ليس عدواً، لأن العقل لم يعد يبحث عن الحقيقة، وإنما أصبح يبحث عن الشواهد التي تؤيد التمثّل الذي سبق أن صنعه. وربما لهذا كانت معرفة العدو أكثر تعقيداً مما نتصور. فليس كل من يقاومك عدواً، وليس كل من يوافقك صديقاً. وليس كل من يؤلمك يضرك، كما أن ليس كل من يريحك ينفعك. وقد يكون أشد الناس إيلاماً لك هو من يقول لك الحقيقة التي تحتاج إليها، بينما يكون أكثرهم لطفاً بك هو من يساعدك، من حيث يدري أو لا يدري، على الاستمرار في الوهم.
وما أكثر ما يتأخر الإنسان في اكتشاف ذلك. فقد يحتاج إلى سنوات حتى يفهم أن أباً شدد عليه لم يكن يكرهه، وأن صديقاً حذره لم يكن يحسده، وأن معلماً انتقده لم يكن ينتقص منه، وأن شخصاً وقف في وجه قرار اتخذه لم يكن يريد السيطرة عليه. وحين تنكشف له الحقيقة، قد يكون الذي نصحه قد رحل، أو الصداقة قد انتهت، أو العلاقة قد تحطمت، أو الخطأ الذي حُذّر منه قد أصبح واقعاً لا يمكن التراجع عنه. عندها فقط قد يدرك الإنسان هول المفارقة: لقد حارب من كان يحاول إنقاذه، وأطاع من كان يقوده إلى هلاكه.
ولكن الأخطر من ذلك كله أن يظل الإنسان يبحث عن عدوه خارج نفسه، من غير أن يلتفت إلى ذلك الصوت الداخلي الذي تولى، منذ البداية، توزيع الأدوار على الآخرين: هذا صديق، وهذا عدو؛ هذا يحبني، وهذا يحسدني؛ هذا ينصحني، وهذا يتآمر عليّ.
وليس المقصود، بطبيعة الحال، أن الإنسان لا أعداء حقيقيين له، أو أن الشر الذي يأتيه من الآخرين وهم محض. فالتاريخ والواقع يثبتان غير ذلك. وإنما المقصود أن امتلاك الإنسان لأعداء حقيقيين لا يعني امتلاكه القدرة المعصومة على معرفتهم. وهنا تتجلى الحكمة العميقة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
فكأن الآية تنتزع من الإنسان تلك الثقة الساذجة التي تجعله يظن أن مشاعره تجاه الآخرين دليل كافٍ على حقيقتهم. فالله أعلم بأعدائكم؛ لأنكم قد تخطئون فيهم، وقد تضعون الصديق في موضع العدو، والعدو في موضع الصديق، وقد تحبون من يغذي أوهامكم، وتكرهون من يبددها.
ولعل واحدة من علامات النضج المعرفي للإنسان أن يتعلم الارتياب، لا في الآخرين وحدهم، وإنما في الأحكام التي تصدرها نفسه عن الآخرين.
فحين تقول له نفسه: هذا عدوك، عليه أن يسألها: وما دليلك؟ وحين تقول: إنه يكرهك، عليه أن يسأل: هل قال ذلك، أم أنني استنتجته؟ وحين تقول: إنه يريد الإساءة إليك، عليه أن يميز بين ما فعله الآخر وما أضافه فائض التمثّل إلى فعله. وحين يكره شخصاً لأنه نصحه، عليه أن يسأل السؤال الأصعب: هل أكرهه لأنه عدوي حقاً، أم لأن كلامه أصاب في داخلي شيئاً لا أريد مواجهته؟
وربما لن يبلغ الإنسان قدراً حقيقياً من الفطنة حتى يدرك أن معرفة العدو ليست دائماً معرفة بالآخر، بل قد تكون، قبل كل شيء، معرفة بالنفس. فالإنسان الذي يجهل نفسه يسهل عليه أن يخطئ في أعدائه؛ لأن النفس التي لم يكشف تحيزاتها بعد ستظل ترسم له خرائط العالم بحسب أهوائها، وتضع عليها أسماء الأصدقاء والأعداء كما تشاء.
وعندئذ قد يمضي عمره كله وهو يحرس الباب من عدو يتوهم أنه سيأتيه من الخارج، بينما كان عدوه الأخطر جالساً في الداخل، هو الذي يخبره، منذ البداية، ممّن ينبغي أن يحذر.
ولعل من تجليات جهالة الإنسان، إذاً، أنه قد يعرف أسماء أعدائه جميعاً… إلا عدوه الذي سمّاهم له!!!
