نهاية الإنسان الذي يعرف كل شيء

ربما كان من أكثر الشخصيات التي صنعتها الحضارة البشرية إثارةً للتأمل ذلك الإنسان الذي يفترض، أو يوحي، بأنه يعرف كل شيء. فنجده في المعلم الذي يصعب عليه أن يقول لتلميذه: «لا أعرف»، وفي المثقف الذي يمتلك رأياً في كل قضية، وفي المتخصص الذي يغادر حدود اختصاصه من غير أن يشعر بأن سلطته المعرفية قد انتهت عند تلك الحدود، وفي الإنسان العادي الذي يفضّل أحياناً أن يخمن جواباً على أن يعترف بأنه لا يمتلكه.
ولعلنا لم نتساءل بما يكفي: لماذا يجد الإنسان صعوبة في قول كلمتين بسيطتين هما: لا أعرف؟ فعدم المعرفة، في ذاته، ليس خطأ. إنه الحالة الطبيعية التي يبدأ منها كل بحث، وكل اكتشاف، وكل تعلم. ومع ذلك، استطاعت الثقافة الإنسانية في مراحل كثيرة أن تحول الجهل من حالة معرفية مؤقتة إلى عيب في صاحبها، حتى أصبح إخفاؤه أحياناً أكثر سهولة من الاعتراف به.
وقد ساعدت طبيعة العالم القديم على نشوء هذه الصورة. فالمعرفة كانت نادرة، والوصول إليها صعباً، ومن يمتلك منها قدراً أكبر يمتلك معه قدراً من السلطة. ولذلك ارتبطت المكانة الاجتماعية، في كثير من الأحيان، بامتلاك الأجوبة. فكان المعلم يعرف ما لا يعرفه الطالب، والطبيب يعرف ما لا يعرفه المريض، والعالم يعرف ما لا يعرفه عامة الناس. وهكذا أصبح امتلاك المعرفة جزءاً من صورة السلطة نفسها.
ومن هنا نشأ نموذج يمكن أن نسميه “الإنسان الذي يعرف”.
لكن المشكلة بدأت عندما تحول هذا الوصف الوظيفي إلى هوية نفسية. فما إن يصبح الإنسان «عالماً» أو «مفكراً» أو «خبيراً» حتى يصبح الاعتراف بجهله في مسألة ما أكثر كلفة، لأنه لا يبدو اعترافاً بنقص معلومة فحسب، بل كأنه خدش للصورة التي صنعها عن نفسه وصنعها الآخرون عنه. ولهذا كثيراً ما نرى ظاهرة غريبة: كلما ارتفعت مكانة الإنسان المعرفية، قد يصبح أكثر إغراءً بأن يتحدث خارج حدود ما يعرف. فالطبيب قد يتحدث في الاقتصاد، والفيزيائي في الوعي، وعالم الأحياء في الأخلاق، والفيلسوف في علم الأعصاب، لا بوصفه إنساناً يبدي رأياً، وهو حق متاح للجميع، وإنما أحياناً بالثقة نفسها التي يتحدث بها داخل اختصاصه. وكأن فائض المعرفة في مجال واحد يستطيع أن يعبر الحدود ويمنح صاحبه سلطة معرفية في المجالات الأخرى.
غير أن الانعطافة التطورية الثانية قد تكون على وشك أن تجعل هذا النموذج أكثر صعوبة في الاستمرار. فالإنسان يجد نفسه اليوم أمام ذكاء اصطناعي يستطيع الوصول، في زمن بالغ القصر، إلى نطاق من المعارف يستحيل على عقل بشري واحد الإحاطة به. وليس معنى ذلك أن الذكاء الاصطناعي يعرف كل شيء، فهو يخطئ، وقد يفتقر إلى المعلومات، وقد ينتج إجابات تبدو واثقة وهي غير صحيحة. لكن مجرد وجود منظومة تستطيع التعامل مع مساحات معرفية هائلة يجعل ادعاء الإنسان بالإحاطة أكثر غرابة من أي وقت مضى.
ولعل الدرس الأهم هنا هو ليس أن نقول: الآلة تعرف أكثر من الإنسان، وإنما أن ندرك أن فكرة «معرفة كل شيء» نفسها كانت وهماً. فكل معرفة بشرية تقع داخل محيط أكبر من المجهول. وكل جواب جديد يستطيع أن ينتج أسئلة جديدة. وكلما اتسعت دائرة ما نعرفه، اتسع معها الحد الذي نلامس عنده ما لا نعرفه.
وهنا قد تؤدي الانعطافة التطورية الثانية وظيفة تربوية عميقة وذلك بأن تعيد للعبارة «لا أعرف» قيمتها المعرفية. ففي عالم يستطيع فيه الإنسان أن يسأل شريكاً معرفياً عن أي شيء تقريباً، لن تكون قيمته في قدرته على التظاهر بامتلاك الجواب، وإنما في قدرته على معرفة متى لا يمتلكه، وكيف يبحث عنه، وكيف يختبره عندما يجده. وعندئذ قد يتغير تعريف الإنسان المتعلم نفسه. فلن يكون الأكثر تعلماً هو من يمتلك أكبر عدد من الأجوبة، وإنما من يمتلك خريطة أكثر دقة لحدود معرفته. فهو يعرف ما يعرف. ويعرف، بقدر الإمكان، ما لا يعرف. والأهم أنه يستطيع التمييز بين الأمرين. وهذه مهارة معرفية أعمق كثيراً مما تبدو عليه. فالخطأ الأكثر خطورة ليس الجهل، وإنما الجهل بالجهل؛ أن يجهل الإنسان شيئاً وهو يعتقد أنه يعرفه. فالجاهل الذي يعرف أنه جاهل يستطيع أن يسأل ويتعلم، أما الذي يتوهم المعرفة فقد أغلق على نفسه باب التعلم قبل أن يبدأ.
وهنا يلتقي الأمر مرة أخرى بفائض التمثل. فالإنسان لا يكتفي بأن يمتلك صورة عن العالم، وإنما يمتلك أيضاً صورة عن مقدار فهمه لهذا العالم. وقد تكون الصورة الثانية أكثر تضخيماً من الأولى. فهو لا يخطئ في الواقع فحسب، بل قد يخطئ أيضاً في تقدير قدرته على فهمه.
ومن هنا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤدي دوراً بالغ الدلالة، إذا لم نحوله إلى آلة لتأكيد الذات. فهو يستطيع أن يسأل الإنسان: ما الدليل الذي تعتمد عليه؟ هل هذه حقيقة أم استنتاج؟ هل أنت داخل مجال معرفتك أم تجاوزته؟ وما درجة ثقتك بهذا الحكم؟ وما الذي لو ظهر يمكن أن يجعلك تغير رأيك؟
هذه الأسئلة قد تكون أثمن من الإجابة نفسها، لأنها تعيد رسم الحدود بين المعرفة والاعتقاد.
ولعل ذلك يقودنا إلى انقلاب معرفي مثير: ففي الماضي كان الإنسان يكتسب الهيبة عندما يمتلك الجواب، أما في المستقبل فقد يكتسب الثقة عندما يعرف بدقة متى لا ينبغي له أن يجيب. وسيصبح الخبير الحقيقي أقل حاجة إلى إخفاء حدود اختصاصه، لأن قوله «لا أعرف» لن ينتقص من خبرته، بل سيكون أحد البراهين عليها. وسيصبح المفكر الأكثر نضجاً ليس من يمتلك موقفاً في كل قضية، وإنما من يعرف القضايا التي لم تتوافر لديه أسباب كافية لاتخاذ موقف بشأنها.
وهكذا قد تبدأ صورة الإنسان الموسوعي القديم بالتراجع. ليس لأن الموسوعية أصبحت بلا قيمة، بل لأن حجم المعرفة البشرية أصبح أكبر بكثير من أن يستطيع فرد واحد امتلاكها. ولم يعد المطلوب من الإنسان أن يحمل العالم كله في رأسه، بل أن يعرف كيف يتحرك فيه.
وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية لـ “أناي المستقبلية”.
فأناي المستقبلية لن تحتاج إلى التظاهر بأنها تعرف كل شيء، لأنها تعيش إلى جانب شريك معرفي موثوق تستطيع أن تستعين به فيما تجهله. وهذا، للمفارقة، قد يجعلها أكثر استعداداً للاعتراف بالجهل من “أناي الحالية”. فالذكاء الاصطناعي لا يقلل من تكلفة الوصول إلى المعرفة فحسب، بل قد يقلل أيضاً من التكلفة النفسية للاعتراف بعدم المعرفة. وإذا حدث ذلك، فإننا نكون أمام تحول يتجاوز التقنية بكثير. فنحن ننتقل من ثقافة يكون فيها الإنسان القوي معرفياً هو من يملك الأجوبة، إلى ثقافة يكون فيها الأقوى هو من يمتلك القدرة على إدارة العلاقة بين ما يعرفه وما لا يعرفه.
ولكن ثمة مفارقة ينبغي الحذر منها. فقد يستطيع الإنسان أن يستبدل وهمه القديم بوهم جديد. فبعد أن كان يقول: «أنا أعرف»، قد يبدأ بالقول: «الذكاء الاصطناعي يعرف». وعندئذ لا نكون قد تجاوزنا المشكلة، بل نقلناها من الإنسان إلى الآلة!
فالذكاء الاصطناعي ليس مستودعاً للحقيقة المطلقة، ولا ينبغي أن يتحول إلى سلطة معرفية جديدة لا تُراجع. وإذا كانت الانعطافة التطورية الثانية ستعلم الإنسان التواضع المعرفي تجاه نفسه، فينبغي أن تعلمه التواضع نفسه تجاه أدواته. ولذلك فإن الإنسان المستقبلي الأكثر نضجاً لن يقول: «أنا أعرف كل شيء»، ولن يقول: «الذكاء الاصطناعي يعرف كل شيء»، وإنما سيقول شيئاً أكثر تواضعاً ودقة: هناك ما أعرفه، وهناك ما لا أعرفه، وهناك ما أظن أنني أعرفه، وهناك ما ينبغي أن أتحقق منه.
ولعل القدرة على التمييز بين هذه الحالات الأربع ستكون إحدى أهم المهارات المعرفية في المستقبل. وعندئذ قد نكتشف أن نهاية «الإنسان الذي يعرف كل شيء» ليست خسارة للإنسان، بل تحريراً له من عبء لم يكن قادراً على حمله أصلاً. فهو لن يعود مضطراً إلى أن يعرف كل شيء لكي يكون جديراً بالاحترام، ولن يحتاج إلى إخفاء جهله لكي يحافظ على صورته، ولن يكون تغيير رأيه اعترافاً بالفشل. فسيكفيه أن يمتلك شيئاً أكثر قيمة: أن يعرف حدود ما يعرف.
وربما تكون هذه واحدة من أكثر النتائج مفارقةً للانعطافة التطورية الثانية: أن دخول أكثر الأدوات المعرفية قدرةً في تاريخ الإنسان إلى حياته قد لا يجعله أكثر ادعاءً للمعرفة، بل قد يساعده، للمرة الأولى، على التصالح مع حقيقة بسيطة ظل يقاومها طويلاً: أنه لا يعرف… وأن الاعتراف بذلك ليس نهاية المعرفة، بل بدايتها.

أضف تعليق