عقلية البنكر والجدار… كيف يشرح كتاب “فاشية نهاية العالم” انتصارات اليمين المتطرف؟

لا يمكن فهم التحولات السياسية العاصفة التي يمر بها العالم اليوم بالكتالوج الأكاديمي التقليدي الذي كُتب لمعالجة الحركات الفاشية التي ظهرت في القرن الماضي. فالقفزات المتتالية لليمين المتطرف، وأحدثها نتائج الانتخابات المحلية في ألمانيا، لا تعبر عن مجرد “صعود لخطاب شعبوي” أو “رد فعل على التضخم والهجرة”، بل هي جزء من تحول عميق في أسلوب التفكير السياسي العالمي، يمكن فهمه بوضوح من خلال الأطروحة المعرفية المحورية التي قدمتها الكاتبتان نعومي كلاين (Naomi Klein) وأسترا تايلور (Astra Taylor) في كتابهما:  “End Times Fascism: And the Fight for the Living World”)الفاشية في زمن نهاية العالم). ويمثل طرح كلاين وتايلور قطيعة معرفية مع الأدبيات الأكاديمية السائدة حول الفاشية. فبينما ركزت الدراسات التاريخية على الفاشية كأيديولوجية تسعى لتمجيد الدولة وتعبئة الجماهير نحو مشروع قومي لبناء المستقبل، يكشف هذا الكتاب عن طراز جديد ومختلف كلياً: فاشية نهاية العالم أو فاشية “البنكر (الملجأ النووي الشخصي) ” (Survivalist / Bunker Fascism) .
وهذا النموذج الفاشي الجديد هو تحالف غير مسبوق بين ثلاثة أطراف:
1. أصوليون دينيون ينظرون للانهيار كخلاص.
2. مليارديرات التكنولوجيا والأثرياء الذين ينفقون المليارات لبناء الملاجئ الفارهة، والتحضير للهروب إلى الفضاء أو الجزر الخاصة معتمدين على الذكاء الاصطناعي وتقنيات العزل.
3. اليمين القومي العرقي الذي يبيع للجماهير فكرة إغلاق الحدود ورفع الجدران.
فالقطيعة الحقيقية هنا تتجلى في أن هذه الفاشية المعاصرة عدمية (Nihilistic)؛ إنها لا تعد الجماهير بمستقبل مزدهر أو عالم آمن، بل تنطلق من فرضية حتمية مفادها أن “العالم ينهار، والموارد شحيحة، ولا يمكن إنقاذ الجميع، لذا دعونا ننقذ أنفسنا ونترك الباقين للمواجهة”.!
وقد ينتقد البعض هذه الأطروحة بحجة الانحياز الأيديولوجي السابق لنعومي كلاين ضد الرأسمالية والنيوليبرالية، لكن تجاوز هذه “الشخصنة” ممكن ومستحق تماماً عند إعادة صياغة المفاهيم بنبوءة بنيوية وموضوعية.
فعند تجريد الفكرة من الخطاب السجالي، نجد أننا أمام نظام إدارة للأزمات الوجودية (مثل التغير المناخي والاضطراب التكنولوجي) ينطلق من “اقتصاديات الموارد النادرة”. ووفق هذا المنطق البنيوي، حين تشعر المجتمعات أو النخب بتهديد وشيك، يسود سلوك سياسي يعتمد ديناميكية “القلعة المغلقة” (Fortress Dynamics)؛ حيث تُمارس السلطة لتحديد من يحق له النجاة والدخول داخل الأسوار، ومن يُترك لمواجهة المخاطر في الخارج.
ومن هذا المنظور تحديداً، يصبح فوز اليمين المتطرف (حزب البديل من أجل ألمانيا AfD) في الانتخابات المحلية مفتاحاً لفهم المشهد العالمي، خصوصاً مع الابتهاج الشديد والتهاني السريعة التي وجّهها كل من الملياردير إيلون ماسك والرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهذه النتائج.
ظاهرياً، يتغذى اليمين المتطرف في ألمانيا على قضايا محلية يومية ككلفة الطاقة، والخوف من الهجرة، والسخط من السياسات المناخية. ولكن على المستوى العميق، يتلاقى الناخب الذي يصوت للبديل مع الملياردير في سيليكون فالي والسياسي القومي في واشنطن عند نقطة واحدة فحواها الترسخ في عقلية “البنكر والجدار”. فتهنئة إيلون ماسك تعكس تقاطع نخب التكنولوجيا التي تريد تحرراً كاملاً من القوانين والالتزامات البيئية والمجتمعية، وتفضل العزل والتحصين التكنولوجي الفردي. أما ترحيب دونالد ترامب فأنه يجسد الخط السياسي الحامي لهذه العقلية؛ حيث بناء الجدران، وقطع التضامن الدولي، واعتبار المناخ مجرد “خدعة” لا تستحق التضحية بأرباح اليوم.
إن التقاء هذه الأطراف الثلاثة، الشارع الساخط، والنخبة المالية/التكنولوجية، والقيادة القومية، يثبت أن الحاضنة الشعبية لليمين المتطرف في أوروبا ليست معزولة عن الرؤية العالمية للطبقة الفائقة الثراء، بل كلاهما وجهان لعملة واحدة. فالوجه الشارعي يطالب بـ “الجدار السياسي والمكاني”، والوجه النخبوي يبني “البنكر المالي والتكنولوجي”.
وهنا يبرز التحذير الأهم والأخطر الذي تضعه الكاتبتان أمام العالم، وهو تحذير موجه للشعوب والجماهير التي تظن أنها بانتخاب اليمين وبناء الجدران فإنها تحمي نفسها من أزمات العالم:
إن “عقلية البنكر والجدار” هي وهم قاتل وفخ أيديولوجي.
تُحذّر كلاين وتايلور من أن اليمين المتطرف يبيع للجماهير متعة لحظية زائفة تتمثل في سحق الآخر وإغلاق الأبواب، وإيهام الطبقات الوسطى بأنها داخل “القلعة الآمنة”. ولكن الحقيقة البشعة هي أن الجدار لن يوقف التغير المناخي، والبنكر لن يحمي أحداً من انهيار المنظومة البيئية والاقتصادية الشاملة.
إن الطبقة الفائقة الثراء (أصحاب الملاجئ وصنّاع الذكاء الاصطناعي) لا تعتبر الجماعات القومية أو الجماهير الشعبية شريكاً في النجاة، بل تراهم مجرد عبء آخر على الموارد. وحين تستكتمل الفاشية عدميتها، سيكتشف الذين صوّتوا لبناء الجدران حول بلدانهم أنهم لم يُنقَذوا، بل تم احتجازهم داخل سجن كبير، بينما تمضي النخب الكبرى في عزل نفسها أكثر فأكثر!
إن الخروج من هذا المأزق يتطلب الرفض القاطع لسياسة “النجاة الفردية” أو “القومية الضيقة”، والاستعاضة عنها بالتضامن الإنساني والمواجهة الجماعية لأصل الأزمات الوجودية؛ فالمستقبل إما أن يكون مشتركاً للجميع، أو لن يكون هناك مستقبل لأحد.!

أضف تعليق