زلزال “ساخس-آنهالت”… عندما تلتقي هشاشة المؤسسات بـ “الرجل القدري” المعاصر

شهدت ولاية ساخس-آنهالت (Saxony-Anhalt) الألمانية زلزالاً سياسياً أربك المعادلة التقليدية في أوروبا؛ حيث حقق حزب “الرمز من أجل ألمانيا” (AfD) فوزاً تاريخياً بنسبة تجاوزت 43.8% من أصوات الناخبين. ولم يكن هذا الفوز مجرد رقم انتحابي عابر، بل ترافَق مع بروز لافت لشخصية القيادي الشاب أولريش زيكموند (Ulrich Siegmund)، الذي تحول بسرعة إلى رمز لما يُوصف بـ “المنقذ” أو الشخصية القدرية في أدبيات اليمين القومي. حيث يعيد هذا التحول تسليط الضوء على الإشكاليات النظرية الكبرى حول طبيعة المحرك الأساسي للتاريخ السيادي: فهل هي الهياكل والمؤسسات أم الفرد الحاكم وجماهيره؟
يتناول الأدب السياسي المعاصر، ومن أبرز نماذجه الطرح الوارد في أدبيات مثل كتاب “When Do Leaders Make a Difference?” ، فكرة أن القادة لا يمتلكون قدرة مطلقة على التغيير في كل الأوقات، بل يتوقف أثرهم على ما يُعرف بـ “شروط المدى” (Scope Conditions) . وتتجلى هذه الشروط عندما تتآكل قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتصل الثقة بالحسابات الحزبية المستقرة إلى أدنى مستوياتها.
وهذا تماماً ما استغله أولريش زيكموند في ولاية ساخس-آنهالت؛ فالأزمة في ألمانيا الشرقية سابقةٌ على زيكموند، وتعود لجذور بنيوية تتعلق بالفوارق الاقتصادية، والهجرة، والشعور بالتهميش لدى قطاعات واسعة. ولكن “الفرد” هنا لم يكن مجرد صدفة تاريخية، بل استغل انسداد أفق الأحزاب التقليدية ليعيد صياغة المشهد. فلقد فتح تراجع “المؤسسة التقليدية” الثغرة التي سمحت لـ “الاستثناء الفردي” بفرض حضوره.
طالما ساد اعتقادٌ لدى الرأي العام بأن التحركات الشعبية الجارفة هي نتاج إرادة جماهيرية محضة تنبع من القاع بمعزل عن أطر القيادة. غير أن الانتخابات الأخيرة توضح كيف تقع الجماهير تحت تأثير صياغة مسبقة تشكلها النخب:

  1. التحشيد الرقمي والإعلامي: لم تتحرك الجماهير في ساخس-آنهالت بنمط تلقائي عالي العفوية؛ بل جرى توجيه غضبها وتنظيمه عبر استراتيجيات تسويق سياسي رقمية شديدة الذكاء كان زيكموند أحد أبرز محركيها.
  2. تحويل الاحباط Frustration إلى إرادة سياسية: دور النخبة الشعبوية لا يقتصر على الاستجابة لمطالب الشارع، بل يقوم أساساً على تأطير المشاعر، وتسمية الخصوم، وصياغة السردية التي تمنح الفرد شعوراً بأنه يخوض معركة وجودية ضد نخب برلين المتهمة بالانفصال عن الواقع.
    وتكمن المفارقة في الخطاب الشعبوي في أنه يدعي تمثيل “صوت الشعب ضد النخب”، لكنه في الوقت نفسه يُلخص هذا “الشعب” في شخص رمز فردي يُقدَّم باعتباره المخلص الوكيل.
    ففي حالة أولريش زيكموند، لم يُقدَّم الرجل فقط كسياسي ينافس على مقاعد برلمان الولاية، بل جرى تسويقه كنموذج للجيل الجديد القادر على كسر “الجدار الناري” (Brandmauer) للأحزاب التقليدية. وهنا تلتقي النظرية بالواقع: فالشعبوية لا تلغي أهمية القائد، بل تضاعفها؛ حيث تراهن الجماهير على “الكاريزما الفردية” كأداة قاطعة لتعطيل البيروقراطية المؤسسية التي يُنظر إليها على أنها معادية لرغبات العامة.
    تثبت محطة ساخس-آنهالت أن الاختزال البنيوي الذي يلغي أثر الفرد، أو الطرح السطحي الذي ينسب كل شيء لكاريزما الزعيم، كلاهما قاصر عن تفسير الظاهرة السياسية المعاصرة. فلقد أثبتت هذه الانتخابات أن التاريخ يتحرك عندما تتوفر الظروف البنيوية المهيأة (سخط شعبي وتراجع مؤسسي)، لتلتقي مع تعبئة نخبوية ذكية يقودها فرد يجيد استغلال لحظة السيولة السياسية. فصعود اليمين المتطرف بزعامة وجوه جديدة كـ زيكموند هو التجسيد الميداني المباشر لأن التاريخ لا تصنعه الجماهير وحدها، ولا القادة بمفردهم، بل يصنعه التقاطع الحاسم بين الأزمة الهيكلية والفاعل الفردي الذي يحسن إعادة توجيه الغضب الجمعي.

أضف تعليق