
لعل من أكثر الأخطاء المعرفية رسوخاً في وعينا أننا نتصور أن العالم الذي نعيش فيه هو العالم نفسه الذي يقع خارج أذهاننا. فنحن ننظر إلى الأشياء، ونفسر الأحداث، ونقرأ التاريخ، ونحكم على الأشخاص، ونستقبل النصوص، ثم نتصرف كما لو أن ما استقر في أذهاننا منها ليس سوى صورة أمينة لما هو موجود بالفعل في الخارج.
ولكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟ وماذا لو كان الإنسان، منذ انعطافة حاسمة وقعت في مسيرته التطورية، قد فقد القدرة على أن يتفاعل معرفياً مع العالم مكتفياً بما يقدمه له العالم نفسه من وقائع وأحداث وظواهر وتجارب، وأصبح مضطراً إلى المرور بطبقة أخرى من التصورات والتمثلات قبل أن يصل إليه؟
عندئذ يمكن القول إن المشكلة المعرفية الكبرى للإنسان لا تبدأ من نقص المعلومات التي يمتلكها عن العالم، وإنما من شيء أسبق من ذلك بكثير: من الطريقة التي أصبح بها عقله يصنع العالم الذي يظن أنه يكتشفه.
وهنا تحديداً يظهر ما أسميه “فائض التمثّل”. فالتمثّل، في حدوده الطبيعية، ضرورة معرفية لا غنى عنها. إذ لا يستطيع أي كائن يمتلك جهازاً عصبياً أن يتعامل مع العالم من دون أن تتكون لديه تمثلات داخلية لما يحيط به. غير أن ما حدث للإنسان، وفق الفرضية الميتابايولوجية، لم يكن مجرد تطور في قدرته على التمثّل، وإنما كان تحولاً نوعياً جعل هذه القدرة تتجاوز وظيفتها الأداتية الأولى. فلم يعد التمثّل مجرد وسيلة تساعد الإنسان على إدراك الواقع والتكيف معه، وإنما أصبح قادراً على أن يضيف إلى الواقع ما ليس فيه، وأن يحذف منه ما هو فيه، وأن يعيد ترتيب عناصره، وأن يمنح الأشياء معاني وقِيماً وغايات لا تحملها في ذاتها.
ومن هنا بدأ الإنسان يعيش في عالمين في آن واحد “العالم الذي يحدث” و”العالم الذي يتمثله عمّا يحدث”. والمفارقة أن العالم الثاني أخذ، شيئاً فشيئاً، يطغى على الأول.
فالحيوان، حين يواجه خطراً، فإنه يتعامل في الغالب مع الخطر بقدر ما تتيحه له منظومته الإدراكية والسلوكية: شيء يهدده، فيفر منه أو يواجهه. أما الإنسان فلا يكتفي غالباً بالواقعة. فهو يسأل: لماذا حدث هذا لي؟ من المسؤول؟ ماذا كان يقصد؟ ماذا يعني ذلك؟ هل كان يمكن أن يحدث خلافه؟ ماذا سيحدث لاحقاً؟ ماذا يقول هذا عني؟ وماذا يقول عن الآخر؟
وهكذا قد تنتهي الواقعة منذ زمن طويل، بينما يستمر تمثّلها في ذهن الإنسان سنوات، بل قد يصبح التمثّل أكثر تأثيراً فيه من الواقعة التي أنشأته. فالواقعة واحدة، ولكن الإنسان يستطيع أن يصنع منها عشرات “الوقائع” الذهنية. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا يبدو لنا كل شيء تقريباً حمّال أوجه.!
فالحدث السياسي حمّال أوجه، والشخصية التاريخية حمّالة أوجه، والنص حمّال أوجه، والسلوك الإنساني حمّال أوجه، والحب حمّال أوجه، والعداوة حمّالة أوجه، والانتصار والهزيمة، والنجاح والفشل، بل حتى الصمت والنظرة والكلمة العابرة يمكن أن تصبح جميعها حمّالة أوجه.
ولكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل هذه الأوجه موجودة حقاً في الأشياء، أم أن معظمها يوجد في العقل الذي يتمثل الأشياء؟
قد ينظر شخصان إلى الواقعة نفسها فيريان واقعتين مختلفتين. وقد يقرآن العبارة نفسها فيستخرجان منها مقصدين متناقضين. وقد يشاهدان السلوك نفسه، فيراه أحدهما دليلاً على الشجاعة بينما يراه الآخر تهوراً، ويراه ثالث غروراً، ورابع محاولة يائسة لإخفاء الخوف.
فـ “الواقعة” لم تتغير، لكن “التمثل” هو الذي تغير.
ولذلك فإن العبارة الأدق ربما لا تكون أن «الأشياء حمّالة أوجه»، وإنما أن العقل البشري حمّال أوجه، ولذلك يجعل كل شيء تقريباً حمّال أوجه.
وهذا الفارق ليس لغوياً، بل معرفي بالغ الدلالة. فعندما نقول إن الشيء نفسه حمّال أوجه، فإننا ننقل التعدد من ذهن الإنسان إلى بنية الواقع، وكأن الواقعة نفسها تحمل في داخلها كل التأويلات التي أُسقطت عليها. أما حين ندرك أن جزءاً كبيراً من هذا التعدد مصدره فائض التمثّل، فإننا نعيد المسؤولية إلى موضعها الصحيح: إلى الجهاز المعرفي الذي لم يعد قادراً على استقبال الأشياء من غير أن يحيطها بسحابة كثيفة من التصورات والافتراضات والذكريات والتوقعات والرغبات والمخاوف.
ولعل التاريخ هو من أوضح المختبرات التي تكشف لنا ذلك. فالحدث التاريخي يقع مرة واحدة، لكن الإنسان يستطيع أن يعيد إنتاجه آلاف المرات. فالمعركة الواحدة قد تصبح «فتحاً» عند جماعة و«احتلالاً» عند أخرى. والشخص نفسه قد يصبح بطلاً في ذاكرة أمة ومجرماً في ذاكرة أمة أخرى. والثورة قد تكون تحريراً عند طرف وفوضى عند طرف ثانٍ، فيما لا تتغير الوقائع المادية الأصلية بقدر ما تتغير المنظومات التمثّلية التي أعادت بناءها. ومن هنا لا يعود التاريخ مجرد سجل لما حدث، وإنما يصبح، في جانب كبير منه، تاريخاً لما تمثّله البشر عمّا حدث.
والشيء نفسه يصدق على العلاقات الإنسانية. فكم من كلمة لم تكن سوى كلمة، ثم تحولت داخل ذهن من سمعها إلى إهانة؟ وكم من صمت لم يكن يحمل معنى محدداً، ثم أصبح دليلاً على الاحتقار أو الغضب أو الخيانة أو اللامبالاة؟ وكم من فعل بسيط أُنشئت حوله قصة كاملة لم تكن موجودة إلا في ذهن صاحبها؟
فالإنسان لا يحتمل الفراغ الدلالي بسهولة. وحين لا تقدم له الواقعة تفسيراً جاهزاً، يتدخل فائض التمثّل ليملأ الفراغ.! والمشكلة أن الإنسان لا يدرك دائماً أنه هو الذي ملأه. إذ ينسى المرحلة التي انتقل فيها من “ما حدث” إلى “ما أظن أنه حدث”، ثم من “ما أظن” إلى «ما أعرف»، حتى ينتهي به الأمر إلى الدفاع عن تمثّله كما لو أنه كان يدافع عن الواقعة نفسها.!
ولعل هذه واحدة من أخطر الخدع التي يمارسها فائض التمثّل علينا: أنه يخفي أثره بعد أن ينتهي من صناعة الصورة.! فنحن لا نرى تمثّلنا بوصفه تمثّلاً، وإنما نراه واقعاً.
ولهذا يصبح الإنسان قادراً على أن يختلف مع إنسان آخر اختلافاً جذرياً حول شيء واحد، بينما يكون كلاهما مقتنعاً بأنه لا يدافع عن «تفسيره» للشيء، وإنما عن الشيء نفسه.
ومن هنا يمكن أن نفهم جانباً كبيراً من الصراعات الدينية والسياسية والأيديولوجية والتاريخية والشخصية. فربما لا يكون الناس مختلفين دائماً حول الواقع بقدر اختلافهم حول العوالم التمثّلية التي بنوها فوق الواقع.!
والأشد إثارة أن هذه العوالم قد تصبح، نفسياً واجتماعياً، أكثر واقعية من العالم الذي أنشأها. فالوطن، والأمة، والهوية، والمجد، والإهانة، والعار، والبطولة، والخيانة، والعدو، والصديق، كلها تستطيع أن تحرك الإنسان وأن تدفعه إلى التضحية والقتل والحب والكراهية، مع أنها لا توجد في الطبيعة بالطريقة نفسها التي توجد بها الصخور والأنهار والأشجار والأجساد. فهي موجودة، بلا شك، ولكنها موجودة داخل شبكة هائلة من التمثلات الإنسانية التي اكتسبت، عبر التراكم الجمعي، قوة الواقع.!
وهكذا لم يعد الإنسان يعيش داخل الطبيعة وحدها. إذ صنع فوقها “طبيعة” ثانية! فعالم من الرموز والتفسيرات والقصص والتصنيفات والقيم والذكريات الجماعية والتصورات؛ عالم قد يصبح أكثر حضوراً في وعيه من الأرض التي يقف عليها.
ومن هنا تنشأ مفارقة ميتابايولوجية بالغة الدلالة المعرفية. فربما كان فائض التمثّل هو الذي منح الإنسان جزءاً كبيراً من تفوقه الحضاري، ولكنه في الوقت نفسه جعله أقل قدرة على رؤية العالم مجرداً من إضافاته إليه! فالقدرة التي أتاحت له أن يتخيل ما ليس موجوداً ثم يصنعه، هي نفسها التي أتاحت له أن يتخيل ما ليس موجوداً ثم يعتقد أنه موجود.! والقدرة التي جعلته يبتكر العلم والفلسفة والأدب والفن والمؤسسات، هي نفسها التي جعلته يصنع الأساطير والأوهام والأيديولوجيات والعداوات المتخيلة والتفسيرات التي لا تنتهي.!
وهنا يكمن الوجه المزدوج لفائض التمثّل: فهو ليس مجرد عيب معرفي يمكن استئصاله من الإنسان بسهولة، لأنه متداخل مع بعض أعظم قدراته. إنما المشكلة تبدأ عندما يعجز الإنسان عن التمييز بين التمثّل بوصفه أداة لفهم العالم والتمثّل بوصفه بديلاً عن العالم.!
وربما لهذا السبب ينبغي أن يعاد تعريف الموضوعية الإنسانية تعريفاً أكثر تواضعاً. فالموضوعية المطلقة قد تكون مطلباً يتجاوز قدرة الكائن الذي لا يستطيع أن يرى العالم إلا عبر جهازه الإدراكي والمعرفي. لكن هذا لا يعني الاستسلام للنسبية والقول إن كل التفسيرات متساوية، أو إن الواقع لا وجود له خارج تمثلاتنا. بل يعني العكس تماماً: أن وجود واقع مستقل عنا هو ما يجعل من الضروري أن نحاول، باستمرار، تقليص المسافة بين ما حدث بالفعل وما أضافه عقلنا إلى ما حدث.
وهنا تصبح المعرفة، في أحد أعمق معانيها، عملية اقتصاد في التمثّل.
أي أن نسأل، أمام كل واقعة: ما الحد الأدنى من الافتراضات الذي أحتاج إليه لفهمها؟ ما الذي أعرفه فعلاً؟ وما الذي أضفته أنا؟ أين تنتهي الملاحظة ويبدأ التأويل؟ أين ينتهي النص ويبدأ المفسر؟ أين تنتهي الشخصية التاريخية ويبدأ المؤرخ؟ أين ينتهي سلوك الآخر وتبدأ قصتي عنه؟
إن هذه الأسئلة لا تحرر الإنسان تماماً من فائض التمثّل؛ فلعل ذلك غير ممكن أصلاً. لكنها تجعله أكثر وعياً بوجوده. وهذا الوعي وحده قد يمثل انقلاباً معرفياً. إذ بدلاً من أن يقول الإنسان: «هكذا هو العالم»، قد يتعلم أن يقول: “هكذا أراه الآن، فلأتحقق مما أضفته أنا إلى ما رأيت”.
وعندها فقط يمكن أن نعيد النظر في العبارة التي بدأنا منها.
فلعل الحقيقة ليست أن هذا النص أو ذاك الحدث أو تلك الشخصية أو تلك الواقعة «حمّالة أوجه» بطبيعتها. ولعل كل شيء يصبح حمّال أوجه ما دام الإنسان نفسه خاضعاً لفائض التمثّل.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن إحدى أعظم المهام المعرفية التي تنتظر الإنسان ليست أن يعثر على تفسير جديد يضيفه إلى آلاف التفسيرات التي سبقته، وإنما أن يتعلم شيئاً أصعب بكثير:
أن ينتزع، قدر استطاعته، ما أضافه عقله إلى العالم، كي يرى ما أبقاه العالم له حين يصمت فائض التمثّل.
فلعل العالم الطبيعي، في النهاية، هو أقل التباساً بكثير من العالم الذي صنعناه عنه.!
ولعل الأشياء لم تكن يوماً حمّالة لكل تلك الأوجه، بل نحن الذين حمّلناه إياها.
