
يمتلك الفيزيائي النظري ميشيو كاكو قدرة بلاغية استثنائية على جعل المعقد ممتعاً، ومحو الفواصل بين ما هو قائم وما هو قادم. بيد أن كتابه “مستقبل العقل” (The Future of the Mind) يستغل هذه السلطة المعرفية التي تتمتع بها الفيزياء النظرية للقفز فوق الحدود الصلبة لعلوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي. ينطلق كاكو من مسلمة مفادها أن العقل، في المحصلة الأخيرة، ليس سوى حقل كهرومغناطيسي وشبكة معقدة من التفاعلات الفيزيائية القابلة للتفكيك والهندسة. وهنالك تنشأ الخديعة الإبستمولوجية؛ حيث يحول كاكو مفهوم “عدم الخرق لقوانين الفيزياء” إلى دلالة ضمنية على “حتمية التحقق العلمي”، متغافلاً عن أن إسقاط التصور الفيزيائي للكون على الديناميات البيولوجية المعقدة يُلبس النبوءات المستقبلية ثوباً علمياً براقاً، ولكنه يفتقر إلى الموثوقية والمصداقية العلمية.
فمن وجهة نظر علوم الأعصاب الحديثة، يقع كتاب كاكو في فخ الاختزالية الفيزيائية الشديدة (Radical Physicalist Reductionism)؛ إذ يتعامل مع الدماغ بوصفه مصفوفة حاسوبية فائقة قابلة للقراءة والنسخ والتعديل عبر ما يُعرف بالمخطط العصبي (Connectome) .
فكاكو يتجاهل في هذا الطرح محددات رئيسية في بيولوجيا الدماغ:
• ديناميكية اللدونة العصبية (Neuroplasticity) والبيئة الهرمونية؛ فالدماغ ليس شريحة سيليكون ثابتة، بل هو عضو حيوي يتغير تشريحياً ووظيفياً مع كل تجربة، ويتأثر بلحظة هرمونية أو بيئية لا يمكن اختزالها في مجرد مسارات كهربائية.
• الفجوة التفسيرية و”المشكلة الصلبة للوعي”؛ حيث يفترض كاكو أن رسم الخريطة الكاملة للتشابكات العصبية سيؤدي تلقائياً إلى فهم الوعي والذاتية (Qualia). لكن علم الأعصاب المعرفي يعلم تماماً أن معرفة “ميكانيكية الإشارة” لا تفسر كيف تتحول تلك الإشارة إلى “تجربة شعورية فريدة”، وهو ما صاغه الفيلسوف ديفيد تشالمرز بـ المشكلة الصلبة للوعي(The Hard Problem of Consciousness) .
تصل القراءة النقدية لأطروحة كاكو إلى ذروة هشاشتها الإبستمولوجية عندما تتجاهل التحول المفهومي الأكثر أهمية في العلوم المعرفية الحديثة: مفهوم العقل الجسدي (Embodied Cognition) . فكاكو ينطلق من رؤية “ديكارتية مادية” معاصرة تفترض إمكانية فصل البرمجيات العقلية (Software) عن العتاد البيولوجي (Hardware)، متصوراً أن الوعي هو مجرد خوارزمية يمكن نقلها وتنزيلها على شريحة سيليكون أو ضغطها في شعاع ليزر.! بيد أن علوم الأعصاب والفلسفة المعرفية أثبتت أن العقل ليس محاكاة حاسوبية معزولة داخل الجمجمة، بل هو عملية ديناميكية ممتدة ونتاج تفاعل عضوي لا ينفصل بين الدماغ والجسد والبيئة. فإدراكنا للعالم، وذكرياتنا، وعواطفنا مشروطٌ بالكامل بـ:
1. الردود الفسيولوجية الأحشائية (Somatic Markers)::نبضات القلب، الاستجابات الهرمونية المتبدلة، والشعور بالألم. فكل هذه المدخلات الجسدية تشكل الجوهر الداخلي لما نسميه “شعوراً” أو “تفضيلًا”.
2. استقبال الحس العميق (Proprioception): الإحساس المكاني بالجسد وحركته في الفضاء، وهو ما يبني الإدراك الذاتي الأول.
بناءً على ذلك، فإن اقتطاع العقل من جذوره البيولوجية والجسدية وزرعه في بيئة سيليكونية أو سحابية لا يعني “نقل العقل”، بل يعني تدميره وإلغاء شروطه الإمكانية! فالذكريات والأفكار بدون كيمياء الجسد وردوده الفسيولوجية تفقد معانيها وقيمتها الشعورية، وتحيل العقل إلى مجرد محاكاة جافة تلعب بالرموز.!
ويقدم التطور الفعلي للذكاء الاصطناعي والشبكات العصبية الاصطناعية أبلغ رد على شطحات كاكو النظرية. فبينما يعتمد كاكو على نمو القوة الحسابية كدليل على اقترابنا من “الوعي الاصطناعي” و”الإنترنت العصبي”، تنبهنا النماذج الذكية الحديثة إلى حقائق إبستمولوجية حاسمة:
• الفرق بين المعالجة المعرفية والإدراك الذاتي. فلقد أثبتت نماذج الذكاء الاصطناعي القدرة المذهلة على معالجة البيانات والتنبؤ بالأنماط دون أن تمتلك أدنى مستوى من الإدراك الذاتي. فالذكاء الاصطناعي يكشف أن الذكاء (Intelligence) ليس هو الوعي (Consciousness).
• حدود النماذج الرياضية في نمذجة العشوائية الحيوية. فالنماذج الحاسوبية تعتمد على تقريب الرياضيات، في حين أن العمليات العصبية تحتوي على مستويات غير خطية وعشوائية بيولوجية (Stochastic Noise) تجعل التنبؤ الفردي بالسلوك أو الفكر مستحيلاً على المدى البعيد، مهما بلغت القدرة الحسابية.!
• استحالة الموثوقية التنبؤية (Predictive Reliability)؛حيث يفتقد القفز الفيزيائي عند كاكو للحد الأدنى من المعايير العلمية القابلة للإثبات أو الدحض (Popperian Falsifiability) . فالأنظمة المعقدة جداً تتصف بالحساسية المفرطة للشروط الأولية، مما يجعل أي تنبؤ مستقبلي حول “الخلود الرقمي” أو “تنزيل الذكريات” مجرد تكهنات لا تمتلك أي قيمة علمية موثوقة.!
لقد جلب ميشيو كاكو أدواته من عالم الفيزياء النظرية، حيث تكون الأبعاد العليا والأكوان المتوازية أفكاراً رياضية متناسقة، وحاول فرض منطقها المالي على علوم بيولوجية ونفسية معقدة للغاية.
إن كتاب “مستقبل العقل” لا يقدم وثيقة علمية لمستقبل علوم الأعصاب، بل يقدم “ميثولوجيا علمية حديثة” . فإسباغ طابع الحتمية والتوقع العلمي على افتراضات لا تملك سنداً بيولوجياً أو حاسوبياً صلباً هو نوع من الاستشراف النبوئي الذي ينبغي للعين النقدية أن تفصله عن حدود العلم الصارم. يبقى الكتاب عملاً مشوقاً للخيال العلمي، لكنه يحتاج إلى التسلح بحذر معرفي يفرق بين ما هو “ممكن رياضياً” وما هو “ممكن بيولوجياً وإبستمولوجياً”!
