من بطل إلى وضيع… قراءة ميتابايولوجية في بعض آليات صناعة الشخصيات التاريخية

لعل من أكثر الأوهام رسوخًا في علاقتنا بالتاريخ اعتقادنا أننا، حين نقرأ عن شخصية عاشت قبل مئات أو آلاف السنين، إنما نتعرف إلى تلك الشخصية نفسها. فنحن نتصور أن المؤرخ يزيح ستار الزمن عن إنسان كان موجودًا ذات يوم، ثم يقدمه إلينا كما كان: شجاعًا أو جبانًا، عادلًا أو ظالمًا، نبيلًا أو وضيعًا، قديسًا أو فاسقًا. ولكن ماذا لو لم تكن الشخصية التاريخية التي نعرفها هي الشخصية التي عاشت فعلًا، وإنما تمثّلًا صنعته الأجيال اللاحقة لها؟ وماذا لو كان في مقدور التاريخ أن يصنع من الإنسان نفسه بطلًا في زمن، ثم يعود في زمن آخر فيصنع منه وغدًا؛ لا لأن الإنسان نفسه قد تغير، فهو ميت منذ زمن، وإنما لأن الذين يروون قصته هم الذين تغيروا؟
هنا تحديدًا يمكن للقراءة الميتابايولوجية أن تقدم تفسيرًا مختلفًا لعلاقتنا بالشخصيات التاريخية؛ لأن المشكلة قد لا تكمن في نقص الوثائق وحده، ولا في تحيز المؤرخين وحدهم، وإنما في خاصية أعمق من خصائص العقل البشري نفسه، هي ما يمكن تسميته فائض التمثّل التاريخي. فالإنسان لا يكتفي، في الغالب، بأن يعرف أن شخصًا ما عاش وفعل أفعالًا معينة، وإنما يحتاج إلى أن يتمثله: أن يصنع له صورة، وأن يمنحه هوية، وأن يضعه داخل قصة، ثم يحدد له موقعًا أخلاقيًا فيها.
ومن هنا لا يعود السؤال: ماذا فعل هذا الإنسان؟ بل يصبح: من كان هذا الإنسان؟
وهنا تبدأ المشكلة.
فالفعل واقعة محدودة، أما الهوية فبناء ذهني واسع. قد نمتلك وثيقة تثبت أن قائدًا خاض معركة، أو أن ملكًا أصدر أمرًا، أو أن جماعة شاركت في حرب؛ لكن الانتقال من هذه الوقائع إلى القول إن ذلك القائد كان «بطلًا عظيمًا»، أو إن ذلك الملك كان «وحشًا»، أو إن تلك الجماعة كانت «طاهرة»، هو انتقال من نطاق الواقعة إلى نطاق التمثّل. والتاريخ البشري مليء بهذا الانتقال. بل ربما كان من أغرب الأمثلة عليه ما حدث لفرسان الهيكل.
ظهر فرسان الهيكل في سياق الحروب الصليبية، ونشأ تنظيمهم في أوائل القرن الثاني عشر، وحظوا باعتراف كنسي، ثم تحولوا تدريجيًا إلى واحدة من أشهر المؤسسات العسكرية الدينية في أوروبا اللاتينية. وكانت الصورة التي صنعت لهم في مرحلة صعودهم صورة بالغة القوة: رجال تخلوا عن حياة الدنيا، وجمعوا، وفق التصور الكاثوليكي الذي أحاط بهم، بين حياة الراهب وحياة المحارب، ووضعوا أنفسهم في خدمة قضية عُدّت “مقدسة”. ففرسان الهيكل لم يكونوا، في المخيال الذي احتضنهم، مجرد جنود، بل كانوا جنود “الرب”.
وهنا كان فائض التمثّل يعمل في اتجاه البطولة. فالدرع لم يعد درعًا فحسب، والسيف لم يعد سيفًا، والحرب لم تعد حربًا؛ فلقد أصبحت الأشياء كلها أجزاء من سردية أكبر تمنح المحارب معنى يتجاوز فعله المباشر. فهو لا يقتل فقط، بل هو يدافع أيضاً عن “المقدس”. ولا يقاتل فقط، بل هو يؤدي واجبًا “دينيًا”. ولا يموت فقط، بل هو يضحي بنفسه أيضاً. وهكذا يستطيع فائض التمثّل أن يأخذ الإنسان الواقعي، بكل تناقضاته ومصالحه ومخاوفه ورغباته، ثم يختزله في صورة مثالية: الفارس “المقدس”.  ولكن التاريخ كان يعد لفرسان الهيكل مفاجأة مذهلة. فبعد قرابة قرنين، أمكن للصورة نفسها أن تنقلب رأسًا على عقب. ففي مطلع القرن الرابع عشر، وفي سياق شديد التعقيد تداخلت فيه المصالح السياسية والمالية والدينية، تعرض فرسان الهيكل لحملة اعتقالات ومحاكمات، ووجهت إلى أفراد منهم اتهامات شديدة الخطورة شملت الهرطقة وممارسات أخرى اعتُبرت منافية للعقيدة والأخلاق الكاثوليكية. وفجأة بدأ التحول الكبير. فالرجال الذين أمكن تمثّلهم بالأمس باعتبارهم نموذجًا للتقوى والتضحية أصبح من الممكن تمثّلهم اليوم باعتبارهم هراطقة وفاسقين.
وكأن التاريخ يقول لنا شيئًا بالغ الغرابة: هذا هو الإنسان نفسه الذي طلبنا منكم بالأمس أن تبجلوه، واليوم نطلب منكم أن تحتقروه. ! ولكن أي الصورتين كانت الحقيقة؟ هل كان فرسان الهيكل أولئك الأبطال الذين صنعتهم المخيلة الدينية في زمن صعودهم، أم كانوا أولئك المنحرفين الذين رسمتهم الاتهامات في زمن سقوطهم؟ قد يكون الجواب الميتابايولوجي الأكثر إثارة هو: ربما لم يكونوا هذه الصورة ولا تلك.!
فربما كان الإنسان الواقعي أكثر تعقيدًا بكثير من أن يحتويه أي من هذين التمثّلين.
وهذا هو موضع الخديعة.!
فلو كان العقل البشري قادرًا على الاكتفاء بالوقائع، لكان في مقدوره أن يقول عن شخصية تاريخية ما: فعلت كذا في السنة الفلانية، وفعلت كذا في مناسبة أخرى، ولدينا أدلة قوية على بعض أفعالها، وأدلة ضعيفة على بعضها الآخر، ولا نعرف أشياء كثيرة عنها. ولكن هذا النوع من المعرفة مجزأ وغير مكتمل. أما فائض التمثّل فلا يرتاح إلى ذلك. فهو يريد شخصية؛ إذ أنه يريد أن يجمع الوقائع المتناثرة في كائن ذهني واحد، ثم يمنحه اسمًا أخلاقيًا: بطل، طاغية، قديس، خائن، محرر، مجرم، شهيد، زنديق.
وبمجرد أن يوضع الاسم تبدأ الوقائع نفسها بالانتظام حوله. فإذا قررنا أن الرجل بطل، أصبحنا أكثر استعدادًا لتفسير أفعاله تفسيرًا بطوليًا. وإذا قررنا أنه شرير، أصبح الفعل نفسه قابلًا لأن يُقرأ باعتباره دليلًا جديدًا على شره.
وهكذا لا تعود الصورة نتيجةً للوقائع فحسب؛ بل قد تصبح الصورة نفسها آلةً لإعادة تفسير الوقائع.
ولكن الأمر يصبح أكثر خطورة حين تدخل السلطة إلى المشهد. فالسلطة السياسية والدينية لا تحتاج دائمًا إلى تغيير الماضي؛ فيكفي أحيانًا أن تغير تمثّلنا للماضي. والشخصية التي كانت نافعة للسلطة في مرحلة ما قد تصبح عبئًا عليها في مرحلة أخرى. عندئذ تبدأ عملية إعادة البناء.! فالبطل القديم يعاد تفتيش سيرته. وتُستخرج وقائع كانت مهمشة. وتُهمش وقائع كانت مركزية. فتتغير المفردات. ويتغير ترتيب الأحداث. وتعاد قراءة الدوافع.! ثم، بعد زمن كافٍ، يظهر أمام الأجيال إنسان آخر يحمل الاسم نفسه.
وهذا تحديدًا ما يجعل مثال فرسان الهيكل بالغ الدلالة؛ فبصرف النظر عن الجدل التاريخي الطويل بشأن حقيقة كل الاتهامات التي وجهت إليهم، فإن سرعة انقلاب صورتهم تكشف لنا هشاشة الحدود بين “الإنسان التاريخي” و”الشخصية التاريخية”. فالأول عاش مرة واحدة. أما الثانية فيمكن أن تولد وتموت وتولد من جديد عشرات المرات.
وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النتائج الميتابايولوجية إثارة؛ فالإنسان يموت، لكن تمثّله لا يموت معه. بل ربما تبدأ حياته الأخطر بعد موته. فالإنسان الحي يستطيع، ولو جزئيًا، أن يعترض على ما يقال عنه، وأن يشرح دوافعه، وأن ينفي التهمة، وأن يصحح الرواية. أما الميت فقد فقد حق الرد إلى الأبد.
ومنذ تلك اللحظة يصبح مادة خامًا للذاكرة البشرية. فيستطيع المؤرخ أن يعيد ترتيبه، وتستطيع الدولة أن تجعله رمزًا، ويستطيع خصومها أن يجعلوه مجرمًا، ويستطيع الأدب أن يجعله أسطورة، وتستطيع السينما أن تمنحه وجهًا وصوتًا وانفعالات ربما لم تكن له قط.!
وهكذا قد تصبح الشخصية التاريخية، وياللمفارقة، أكثر قابلية للتغيير بعد موتها مما كانت عليه وهي حية. فالإنسان الواقعي كان محكومًا بجسد واحد وحياة واحدة وأفعال وقعت مرة واحدة. أما الإنسان التاريخي فيمكن أن يعيش ألف حياة.
ولا تعمل هذه الآلية في اتجاه واحد. فكما يستطيع التاريخ أن يُسقط البطل، يستطيع أيضًا أن يعيد تأهيل من عُدّ شريرًا. وقد تتغير صورة القائد أو الملك أو الثائر أو المفكر بعد قرن أو قرون حين تتغير القيم التي نحاكمه بها. وهنا تظهر حقيقة بالغة الدلالة مفادها أننا لا نحاكم الماضي بالماضي دائمًا. فكثيرًا ما نحاكمه بحاضرنا. ولهذا تتغير الشخصيات التاريخية كلما تغير الذين ينظرون إليها. فالشخص نفسه قد يكون فاتحًا عند أمة ومستعمرًا عند أخرى، محررًا في كتاب وخائنًا في كتاب آخر، قديسًا في ذاكرة جماعة ومجرمًا في ذاكرة خصومها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الحقيقة غير موجودة، أو أن جميع الروايات متساوية في قيمتها؛ فتلك نتيجة أخرى قد يصنعها فائض التمثّل إذا انتقل بنا من “اليقين المطلق” إلى “النسبية المطلقة”. بل يعني أن علينا التمييز دائمًا بين ما نستطيع إثباته عن الإنسان التاريخي وبين الشخصية التي بنيناها انطلاقًا مما نعرفه عنه.
من السهل عند هذه النقطة أن نقول إن «التاريخ يكتبه المنتصرون»، لكن هذه العبارة، على ما فيها من جانب صحيح، قد تكون أبسط من المشكلة نفسها. فليست كل صناعة للشخصيات التاريخية مؤامرة متعمدة، وليس كل مؤرخ مزورًا، ولا كل ذاكرة جمعية أداة واعية للسلطة.
فالمشكلة أعمق وتتمثل في أن الإنسان هو نفسه كائن تمثّلي. فهو يجد صعوبة في ترك الوقائع ناقصة، والشخصيات غامضة، والدوافع مجهولة. ولذلك يملأ الفراغات، ويربط المتناثر، ويبحث عن النمط، ويصنع القصة. وهنا تظهر الوظيفة الميتابايولوجية لفائض التمثّل، فهو لا يسمح للإنسان بأن يقول بسهولة: لا أعرف من كان هذا الرجل على الحقيقة. فالجملة شديدة الفقر تمثّليًا. أما أن نقول: كان بطلًا، أو كان خائنًا، أو كان قديسًا، أو كان مجرماً، فذلك يمنح العقل صورة مكتملة يستطيع الاحتفاظ بها وتداولها وبناء سردية حولها.
ولهذا كانت الشخصيات التاريخية العظيمة، في كثير من الأحيان، ليست أشخاصًا فقط، وإنما “منتجات تراكمية” لخيال أجيال متعاقبة.
فليس المطلوب إذاً، أن نتوقف عن قراءة التاريخ، ولا أن نشك في كل ما وصل إلينا، ولا أن نفترض أن الحقيقة التاريخية مستحيلة. بل المطلوب هو  شيء أكثر دقة: أن نقلل المسافة التي يضيفها فائض التمثّل بين الواقعة وصورتها. وأن نسأل، كلما واجهتنا شخصية تاريخية شديدة البطولة أو شديدة الوضاعة: ما الذي نعرفه فعلًا؟ وما الذي استنتجناه؟ وما الذي أضافته الرواية؟ وما الذي أضافه الخصوم؟ وما الذي احتاجت السلطة إلى أن نصدقه؟ وما الذي احتاجت الجماعة إلى أن تتذكره؟ وما الذي أضافه خيالنا نحن بعد ذلك كله؟
عندها فقط ربما نستطيع الاقتراب من الإنسان الذي كان موجودًا خلف الشخصية. وربما نكتشف أن التاريخ لم يكن مسرحًا مكتظًا بالملائكة والشياطين كما تصورناه، وإنما كان مأهولًا، في معظمه، ببشر بالغَي التعقيد، حوَّلهم فائض التمثّل بعد موتهم إلى رموز أبسط منهم بكثير. وفرسان الهيكل ليسوا سوى مثال شديد الوضوح على ذلك.
فبين صورة «جنود الرب» وصورة «الهراطقة الفاسقين» تقف هوة هائلة. وربما لا تخبرنا هذه الهوة عن فرسان الهيكل وحدهم بقدر ما تخبرنا عن العقل الذي كتب تاريخهم. وهنا تكمن الخديعة الكبرى لـ “فائض التمثّل التاريخي”: إنه لا يكتفي بأن يجعلنا نختلف حول تقييم الشخصية التاريخية، وإنما يستطيع أن يجعلنا نعتقد أننا نعرفها معرفة حميمة؛ فنحب إنسانًا لم نلتق به، ونكره آخر مات قبل أن يولد أجدادنا، ونمنح الأول بطولة تكاد تتجاوز حدود البشر، ونحمل الثاني من الرذائل ما يكاد يخرجه من الجماعة الإنسانية.
ثم قد تمر القرون، وتتغير الحاجة إلى الرواية، فتُقلب الصورة: البطل يصبح وضيعًا، والوضيع قد يصبح بطلًا. أما الإنسان الحقيقي الذي عاش في لحظة ما بين هاتين الصورتين، فقد يظل إلى الأبد أكثر شخصيات التاريخ غيابًا.

أضف تعليق