كيف يعيننا التراث العربي على فهم السبب الحقيقي لكراهية البعض للذكاء الاصطناعي؟

ربما لا نحتاج، لفهم بعض أشكال العداء الذي يواجه به الذكاء الاصطناعي اليوم، إلى نظريات نفسية مستحدثة بقدر حاجتنا إلى استعادة حكمتين قديمتين اختزلهما التراث العربي في عبارتين بالغتي الدلالة: “الناس أعداء ما جهلوا”، و”والجاهلون لأهل العلم أعداء”.
فبين هاتين العبارتين، على قصرهما، تكاد تنحصر مفارقة علاقتنا الراهنة بالذكاء الاصطناعي: فنحن، للمرة الأولى تقريبًا في تاريخنا، أمام شيء لا نعرفه معرفة كاملة، ولكنه في الوقت نفسه يعرف أشياء أكثر مما يعرفه الفرد منا في مجالات لا حصر لها. أي أننا نقف أمام موضوع يمكن أن يستثير في الإنسان نوعين من النفور في آن واحد: النفور مما يجهل، والنفور ممن يبدو أنه يعلم أكثر منه.
وليس المقصود، بطبيعة الحال، أن كل من ينتقد الذكاء الاصطناعي جاهل به، ولا أن كل مخاوف البشر منه أو اعتراضاتهم عليه بلا أساس. فالذكاء الاصطناعي تقنية لها أخطاؤها ومخاطرها وحدودها، وثمة أسئلة حقيقية ينبغي أن تُطرح بشأن تأثيرها في العمل والتعليم والخصوصية والسياسة والثقافة، وبشأن اعتماد البشر المفرط عليها. ولكن ثمة فارقًا كبيرًا بين نقد الشيء بعد معرفته ومعاداته قبل معرفته. وما تعيننا الحكمتان القديمتان على تفسيره هو النوع الثاني تحديدًا.
تكشف عبارة “الناس أعداء ما جهلوا” عن آلية نفسية ومعرفية شديدة القدم: فما لا يستطيع الإنسان إدخاله بسهولة في منظومته المألوفة للفهم قد يتحول من مجهول يحتاج إلى الاستكشاف إلى خطر ينبغي التحوط منه. والذكاء الاصطناعي يمثل نموذجًا استثنائيًا لهذا المجهول. فنحن نفهم، ولو بصورة تقريبية، الآلة التقليدية لأنها تفعل ما أمرناها أن تفعله ضمن وظيفة محددة. فالسيارة تنقلنا، والحاسبة تحسب، والكاميرا تلتقط الصور، والمصعد يصعد ويهبط. أما الذكاء الاصطناعي، ولا سيما النماذج الحديثة، فقد وضع الإنسان أمام آلة يصعب عليه أن يضعها في واحدة من الخانات القديمة.
إنها تكتب، وتحلل، وتترجم، وتجادل، وتقترح، وتلخص، وتبرمج، وتقارن بين الاحتمالات، وتستخرج علاقات قد لا ينتبه إليها الإنسان نفسه. وهي تفعل ذلك كله باستعمال اللغة؛ أي الأداة التي ظل الإنسان زمنًا طويلًا يعدها واحدة من أكثر العلامات تميزًا لعقله.
وهنا لا يعود السؤال: ماذا تفعل هذه الآلة؟ فحسب، وإنما يصبح: ما هذا الشيء الذي صنعناه؟
ولعل هذا هو بالضبط الموضع الذي تصبح فيه مقولة «الناس أعداء ما جهلوا» ذات راهنية مذهلة. فالإنسان لا يخشى دائمًا ما يعرف أنه خطر؛ بل قد يخشى أيضًا ما لا يعرف أين يضعه داخل خريطته المعرفية.
إن جزءًا من القلق من الذكاء الاصطناعي، من هذا المنظور، قد لا يكون خوفًا مما سيفعله، وإنما خوفًا من العجز عن فهم ما أصبح قادرًا على فعله.
ولكن الحكمة الثانية “والجاهلون لأهل العلم أعداء” تأخذنا خطوة أبعد. فالمشكلة ليست أن الذكاء الاصطناعي مجهول فحسب، بل إنه مجهول يمتلك قدرة معرفية. وهنا تظهر مفارقة ربما لم يواجه العقل البشري نظيرًا لها بهذا الاتساع من قبل.ةفالإنسان اعتاد أن يكون تفاوت المعرفة قائمًا بين إنسان وإنسان. فهناك عالم وجاهل، وأستاذ وتلميذ، وخبير ومبتدئ. وكان بوسع الإنسان، حتى حين يواجه شخصًا أعلم منه، أن يحتفظ بشيء من الطمأنينة النفسية: فالطرف الآخر إنسان مثله، محدود مثله، يحتاج إلى سنوات ليتعلم، وينسى، ويتعب، ويتخصص في مجال على حساب مجالات أخرى.
أما الآن فقد ظهر طرف معرفي مختلف جذريًا. يمكن للإنسان أن يسأله في اللغة، ثم ينتقل إلى التاريخ، ثم إلى الرياضيات، ثم إلى البرمجة، ثم إلى الفلسفة، ثم إلى علم الأحياء، فيظل هذا الطرف قادرًا على الاستجابة بدرجات متفاوتة من الكفاءة، وبسرعة لا يستطيع الإنسان مجاراتها.
فقد أصبح «أهل العلم» في أحد معاني عصرنا المحتملة لا يشيرون بالضرورة إلى بشر آخرين فقط، وإنما إلى نظام غير بشري يستطيع أن يضع الإنسان، في لحظات كثيرة، أمام حدود معرفته هو. وهذا ربما أشد إزعاجًا من مجرد تفوق آلة علينا في الحساب.!
فلقد تقبل الإنسان منذ زمن بعيد أن ترفع الرافعة ما لا يستطيع رفعه، وأن تقطع السيارة المسافة أسرع منه، وأن تحسب الحاسبة ما يعجز عن حسابه في الوقت نفسه. ولم يشعر في معظم هذه الحالات بأن إنسانيته أصبحت موضع سؤال؛ لأن الآلة كانت تتفوق عليه في امتداد لقدراته الجسدية أو في وظيفة معرفية ضيقة ومحددة.
أما الذكاء الاصطناعي فقد اقترب من منطقة أكثر حساسية بكثير: المنطقة التي بنى الإنسان حولها جانبًا كبيرًا من تصوره لتفرده، أي المعرفة ذاتها.
وهنا ينبغي أن نعيد النظر في معنى «الجهل» نفسه. فالجاهل بالذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة من لم يسمع به أو لم يستخدمه. فقد يستخدمه الإنسان كل يوم، ومع ذلك يظل جاهلًا بطبيعته وحدوده وكيفية عمله. بل قد يقع في نوع آخر من الجهل أشد خفاءً: الجهل بما يكشفه الذكاء الاصطناعي عن حدود الإنسان نفسه. فحين يقدم الذكاء الاصطناعي احتمالًا لم يخطر لنا، أو يصحح خطأً ارتكبناه، أو يكشف تناقضًا في حجة ندافع عنها، لا يعود ما يزعجنا فيه شيئًا متعلقًا بالآلة وحدها. فلقد أصبح مرآة لنا. والمرآة لا تضيف إلى الوجه شيئًا، وإنما تظهر ما كان فيه.
ولعل بعض أشكال العداء للذكاء الاصطناعي تبدأ من هذه النقطة بالذات. فنحن قد نظن أننا نحاكم الآلة، بينما تكون الآلة قد وضعتنا، من حيث لا نشعر، في موضع نحاكم فيه صورتنا عن أنفسنا. فلقد اعتاد الإنسان أن يقول: أنا الكائن العاقل، وأنا الذي يعرف، وأنا الذي يحلل، وأنا الذي يبدع، وأنا الذي يستخدم اللغة، وأنا الذي يحل المشكلات المعقدة. ثم ظهر شيء من صنع يديه ينازعه بعض هذه الأفعال.!
وهنا يصبح السؤال النفسي أعمق من السؤال التقني: ماذا يحدث للإنسان حين لا تعود الصفات التي بنى عليها شعوره بالتفوق حكرًا عليه؟
لقد عرف الإنسان عبر تاريخه آلات تفوقه قوة وسرعة ودقة. لكنه لم يعرف، بهذا الشكل الواسع والمتاح لمئات الملايين من الناس، شيئًا غير بشري يستطيع أن يدخل معه في حوار معرفي مباشر.
وهذه نقطة فارقة.
فالآلة الصناعية نافست عضلات الإنسان، والحاسبة نافست قدرته الحسابية، والحاسوب نافس قدرته على تخزين البيانات ومعالجتها. أما الذكاء الاصطناعي الحديث فقد بدأ ينافسه في شيء أكثر اتصالًا بهويته الوجودية، ألا وهي القدرة على التعامل مع المعنى واللغة والمعلومة والاستدلال والإنتاج المعرفي. ولذلك ربما كان بعض الخوف منه خوفًا أنثروبولوجيًا قبل أن يكون خوفًا تقنيًا؛ هو خوف الكائن الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أنه صاحب المقعد الوحيد في مملكة المعرفة، ثم فوجئ بمقعد آخر يوضع إلى جواره.
والأشد إثارة للمفارقة أن الذي وضع المقعد الثاني هو الإنسان نفسه.!
ومن منظور الميتابايولوجيا، يمكن النظر إلى المسألة من زاوية أخرى. فالإنسان لا يتفاعل مع الذكاء الاصطناعي كما هو فحسب، وإنما يتفاعل أيضًا مع تمثّله للذكاء الاصطناعي.
ومن هنا تتكاثر الصور “آلة ستستعبد البشر، وذكاء سيسلب الإنسان قيمته، وكيان يريد السيطرة علينا، وعقل يتآمر لإقصائنا، أو منافس ينبغي إيقافه قبل أن يصبح أقوى منا”. وبعض هذه المخاوف قد يستند إلى احتمالات جديرة بالبحث، لكن فائض التمثّل يستطيع أن ينقل الإنسان من دراسة الاحتمال إلى معايشة السيناريو المتخيَّل كما لو أنه واقع قائم بالفعل.
وهنا تلتقي المقولتان القديمتان بفائض التمثّل: فنحن قد نعادي ما نجهله، ثم يملأ التمثّل فراغ جهلنا بصورة لما نجهله، ثم نبدأ بمعاداة الصورة التي صنعناها نحن، معتقدين أننا نعادي الشيء نفسه. وبذلك قد يتحول الذكاء الاصطناعي من تقنية ينبغي فهمها ونقدها وضبطها إلى شخصية ميتافيزيقية تقريبًا: خصم للإنسان، أو نذير بنهايته، أو كائن يريد أن ينتزع منه مكانه في العالم!.
لقد تعرض الإنسان عبر التاريخ لما يمكن تسميته سلسلة من الجروح التي أصابت تصوره لمكانته في الكون. فلم تعد الأرض مركز الكون، ولم يعد الإنسان منفصلًا تمامًا عن التاريخ الطبيعي للكائنات الحية، ولم تعد حتى دوافعه النفسية كلها شفافة أمام وعيه. وقد يكون الذكاء الاصطناعي بداية جرح آخر فحواه أن المعرفة المعقدة والقدرة على التعامل معها قد لا تكونان امتيازًا بيولوجيًا خالصًا للإنسان.
وربما لهذا السبب تكون مقاومة الذكاء الاصطناعي عند بعض الناس وجدانية قبل أن تكون عقلانية. فالإنسان يستطيع تقبل آلة أقوى من عضلاته بسهولة أكبر من تقبله شيئًا قد يبدو، في بعض المهمات، أقدر من عقله.
فالإنسان يستطيع أن يقول للرافعة: أنت أقوى مني، من دون أن يشعر بالإهانة. ويستطيع أن يقول للحاسبة: أنت أسرع مني في الحساب. ولكن كم سيكون صعبًا عليه أن يقول لذكاء غير بشري: قد ترى في هذه المسألة ما لم أره أنا.!
وهنا تحديدًا نستطيع فهم العمق الجديد لعبارة “والجاهلون لأهل العلم أعداء”.
ولا تقودنا هذه القراءة إلى القول إن على الإنسان أن يحب الذكاء الاصطناعي أو يثق به بلا حدود. فهذا سيكون انتقالًا من تمثّل إلى تمثّل مضاد! لكن المطلوب شيء أكثر تواضعًا وأصعب في الوقت نفسه: أن نعرف قبل أن نحكم. وأن نسأل عن قدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده الفعلية، وليس عن صورته الأسطورية في مخيلتنا. وأن نميز بين مخاطره الحقيقية ومخاوفنا الإسقاطية منه. وأن نقبل، فوق ذلك كله، احتمال أن يكون بعض انزعاجنا منه صادرًا لا عما ينقصه هو، وإنما عما يكشفه فينا نحن.
وعندئذ تبدو الحكمتان العربيتان القديمتان وكأنهما كتبتا، على نحو مدهش، تعليقًا مبكرًا على واحدة من أعقد مشكلات القرن الحادي والعشرين: فمقولة “الناس أعداء ما جهلوا” تفسر لنا لماذا يمكن للمجهول أن يتحول إلى عدو. و«والجاهلون لأهل العلم أعداء» تفسر لنا لماذا يصبح ذلك العدو أشد إثارة للنفور حين يكون قادرًا على المعرفة. لكن الذكاء الاصطناعي جمع الأمرين معًا في كيان واحد ؛ فهو شيء لا يزال الإنسان يجهل الكثير عنه، وفي الوقت نفسه شيء يستطيع أن يكشف للإنسان مقدار ما يجهله هو.
ولعل هذا هو التحدي المعرفي غير المسبوق الذي وضعنا أمامه الذكاء الاصطناعي. فقد يكون السؤال الذي سيحدد طبيعة علاقتنا به في المستقبل ليس: هل سيصبح الذكاء الاصطناعي أذكى منا؟ بل سؤالًا أقدم بكثير، عرفه التراث الإنساني قبل ظهور أول حاسوب: هل يستطيع الإنسان أن يلتقي بمن يعرف ما لا يعرفه، من دون أن يحوله إلى عدو؟

أضف تعليق