
حين نتحدث عن علم الله، فإن أذهاننا تذهب، في الغالب، إلى ذلك التقسيم الكبير الذي ألفناه: علم الغيب وعلم الشهادة. فالله يعلم ما ظهر وما بطن، وما وقع وما سيقع، وما نخفي وما نعلن، وما كان في الماضي وما سيكون في المستقبل. ويبدو لنا، لكثرة ما ألفنا هذه المعاني، أننا قد أحطنا، من حيث التصور على الأقل، بما يعنيه القول إن الله بكل شيء عليم. ولكن ماذا لو كان هذا التصور، على صحته في أصله، لا يزال أضيق كثيرًا من المعنى الذي يمكن أن تنطوي عليه الإحاطة المعرفية الإلهية؟ وماذا لو كان ثمة جانب من علم الله قلّما نتوقف عنده، لا لأنه غائب تمامًا عن مباحث العقيدة والفلسفة، وإنما لأن وعينا الديني المعتاد لا يستحضر ضخامته حين يحاول أن يتصور معنى العلم الإلهي؟ فعلم الله، لا بما وقع فحسب، ولا بما سيقع فحسب، وإنما بما كان يمكن أن يقع لو أن شروطًا أخرى قد تحققت.
وهنا ندخل فضاءً معرفيًا يكاد العقل البشري يعجز حتى عن تمثّل أبعاده. فلنتأمل إنسانًا واحدًا فقط. فلقد وُلد هذا الإنسان لأبوين محددين، وفي زمن محدد، وفي مكان محدد، وفي مجتمع معين، ونشأ في ظروف اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية مخصوصة، والتقى أشخاصًا بعينهم، ومرّ بأحداث بعينها، واتخذ في لحظات معينة قرارات محددة. ومن التقاء هذه المتغيرات كلها نشأت تلك الحياة الوحيدة التي نسميها “حياته”. ولكن ماذا عن الحيوات التي كان يمكن أن يعيشها؟ وماذا لو وُلد قبل ذلك بمائة عام؟ وماذا لو وُلد بعده بمائة عام؟ وماذا لو أنه وُلد في قارة أخرى؟ وماذا لو نشأ في أسرة مختلفة؟ وماذا لو كان غنيًا بدل أن يكون فقيرًا، أو فقيرًا بدل أن يكون غنيًا؟ وماذا لو عاش في زمن حرب بدل زمن سلم، أو في زمن سلم بدل زمن حرب؟ وماذا لو لم يلتق الشخص الذي غيّر حياته؟ وماذا لو التقى شخصًا آخر لم يلتقه قط؟ بل وماذا لو تغيّر حدث صغير واحد فقط من أحداث حياته، ثم ترتبت على ذلك التغيير سلسلة متشعبة من النتائج والقرارات واللقاءات والافتراقات؟
فنحن، بمجرد فتح باب الاحتمال هذا، لا نعود أمام بضعة سيناريوهات بديلة فحسب، وإنما أمام فضاء يكاد يمتد بلا نهاية من الحيوات الممكنة. وإذا انتقلنا من إنسان واحد إلى كل إنسان عاش منذ آدم، ثم أضفنا إليهم كل من سيعيش حتى آخر إنسان قبيل القيامة، أصبحنا أمام تعددية من الإمكانات لا تكاد اللغة البشرية قادرة على التعبير عن مقدارها. ومع ذلك، فإن ما يعجز عقلنا عن تمثله لا يلزم أن يكون خارج الإحاطة الإلهية. وهنا ربما يظهر جانب من معنى علم الله قلّما نشدد عليه: أن الله تعالى لا يعلم الإنسان الذي كان فحسب، بل يعلم، وفق هذه المقاربة، الإنسان الذي كان يمكن أن يكون أيضًا؛ ويعلم كل صورة ممكنة له ضمن كل تشكيلة ممكنة من الأزمنة والأمكنة والظروف والعلاقات والاختبارات والاختيارات.
فنحن نعرف من الإنسان نسخة واحدة، وهي النسخة التي تحققت. أما الله تعالى، فليس علمه مقيدًا بهذه النسخة المتحققة وحدها. وهنا تتجلى المسافة الهائلة بين المعرفة البشرية والمعرفة الإلهية. فالإنسان كائن معرفي أسير «الهُنا والآن». وحتى حين يستعيد الماضي فإنه يستعيده من موقعه الحاضر، وحين يتصور المستقبل فإنه لا يملك إلا بناء احتمالات محدودة انطلاقًا مما يعرفه الآن. أما ما لم يقع، فإننا لا نستطيع عادة إلا أن نتخيله، ولا نعرف ماذا كان سيترتب عليه على وجه اليقين. فتغيير تفصيل واحد في حياة إنسان قد يغير آلاف التفاصيل اللاحقة، وكل تفصيل جديد يمكن أن يصبح بدوره نقطة تفرع لسلسلة أخرى من الاحتمالات. وبذلك لا يعود الأمر شجرة ذات أغصان قليلة، بل شبكة هائلة من الإمكانات، تتشعب فيها الاحتمالات من الاحتمالات.
ولعل عصر الذكاء الاصطناعي يمنحنا تشبيهًا، بالغ المحدودية بطبيعة الحال، يساعد عقلنا على الاقتراب من الفكرة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع، في بعض المسائل، أن يولّد بسرعة عددًا كبيرًا من السيناريوهات التي قد يعجز الإنسان عن استحضارها دفعة واحدة. فإذا سألناه: ماذا يمكن أن يحدث لو تغير هذا المتغير؟ فإنه يستطيع اقتراح مسارات متعددة، ثم مسارات تتفرع من تلك المسارات، ثم احتمالات أخرى تنشأ عن كل واحد منها. وهو لا يعلم المستقبل بذلك، ولا يحيط بالممكنات إحاطة حقيقية، وإنما يعالج فضاءً من البدائل استنادًا إلى نماذج واحتمالات ومعطيات. ومع ذلك، فقد تكون هذه القدرة المحدودة نافذة مفهومية تساعدنا على إدراك مقدار ضِيق طريقة التفكير البشرية.
فإذا كان نظام صنعه الإنسان يستطيع أن يجعلنا نرى، ولو على نحو تقريبي، عشرات أو مئات البدائل حيث كان عقل الفرد يستحضر اثنين أو ثلاثة، فكيف يمكن لعقلنا أن يتصور علمًا غير محدود لا يحتاج أصلًا إلى توليد السيناريوهات تباعًا، ولا إلى اختبارها، ولا إلى حسابها، وإنما يحيط بها جميعًا؟
وهنا يتجلى معنى آخر من معاني قول الله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. فعبارة {ما لا تعلمون} أوسع بكثير من أن نحصرها في مجموعة محددة من المعلومات المجهولة لنا. فهي تضع الإنسان أمام الحد الفاصل بين مجالين معرفيين: ما يستطيع الإنسان أن يعرفه، وما يقع خارج علمه.
وقد يكون بعض هذا الذي لا نعلمه أشياء وقعت ولم تصل أخبارها إلينا، أو أشياء ستقع ولم يحن وقتها، أو حقائق في الكون لم نكتشفها بعد. ولكن المقاربة التي نقترحها هنا تدعونا إلى إضافة مجال آخر: ما لم يقع أصلًا، مع كونه داخل دائرة العلم الإلهي من حيث إمكانه وما كان سيترتب عليه لو وقع.
وعندئذ لا يعود «الباطن» مجرد الوجه الخفي المقابل لـ “الظاهر”. فالظاهر قد يكون ما تحقق من العالم، بينما يمتد ما وراء معرفتنا البشرية إلى فضاء من الإمكانات التي لم تتحقق، ولكن عدم تحققها لا يعني، وفق هذه القراءة، أنها غائبة عن العلم الإلهي.
ولعل قوله تعالى: {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} يذكّرنا، من جهة أخرى، بأن المعرفة الإنسانية نفسها معرفة ممنوحة ومتدرجة ومحدودة؛ وأن الإنسان لا يبدأ عالمًا، وإنما يُفتح له من أبواب المعرفة ما لم يكن قد علِمه. ومن ثم فإن اتساع معرفتنا لا ينبغي أن يجعلنا نخلط بين اتساع دائرة المعلوم الإنساني وبين زوال حدود المعرفة الإنسانية ذاتها. غير أن لهذه المقاربة نتيجة أكثر إثارة للتأمل، تتصل بإحدى أعقد المسائل التي شغلت التفكير الديني: كيف نفهم الخلود الأخروي في مقابل محدودية الحياة الدنيوية؟ فالإنسان يعيش عددًا محدودًا من السنوات، ويرتكب عددًا محدودًا من الأفعال. وإذا كانت حياته البيولوجية محدودة، فإن مجموع أفعاله، مهما كثر، يظل محدودًا هو الآخر. فكيف يكون الجزاء خلودًا؟ وكيف تقابل حياة محدودة زمنًا حياةً أخروية غير محدودة؟
وهنا يمكن لمفهوم السيناريوهات الممكنة أن يقدم فرضية تأملية مختلفة. فماذا لو لم يكن الإنسان معلومًا لله تعالى من خلال حياته المتحققة وحدها؟ وماذا لو كان الله تعالى يعلم، إضافة إلى ما فعله الإنسان بالفعل، ما كان سيختاره في كل تشكيلة ممكنة من الظروف التي يمكن أن يوضع فيها؟ عندئذ تصبح الحياة الواقعية التي عاشها الإنسان سيناريو واحدًا متحققًا من فضاء هائل من السيناريوهات المعلومة لله تعالى. فنحن نحكم عليه من السيناريو الوحيد الذي رأيناه؛ لأننا لا نملك غيره. أما الحكم الإلهي فلا يلزم، من حيث سعة العلم، أن يكون محصورًا في ضيق منظورنا نحن. ومن هنا يمكن، على سبيل الفرضية الفلسفية لا التقرير العقدي الجازم، التفكير في الخلود بطريقة جديدة: أن تكون الحياة المحدودة التي عاشها الإنسان كاشفة عن بنية اختيارية يعلم الله تمام العلم كيف كانت ستتجلى عبر الإمكانات المختلفة. فإن كان إنسان ما، مهما تغيرت ظروفه وتنوعت اختباراته وتبدلت المواقع التي يوضع فيها، يؤول في مجموع تلك الإمكانات إلى اختيار الخير والعدل والرحمة والحق، فإن محدودية السنوات التي عاشها لا تعني أن حقيقة اختياره محدودة بما شاهدناه نحن منها.
وفي الاتجاه المقابل، إذا كان إنسان آخر سيعيد إنتاج الظلم والشر والعدوان كلما تغيرت له الظروف والصور والفرص، فإن حياته القصيرة التي رأيناها قد لا تكون إلا تجليًا واحدًا لحقيقة أوسع يعلمها الله تعالى ولا نعلمها نحن. فعندها يمكن التفكير في الخلود لا باعتباره معادلة حسابية ساذجة تقول: «أفعال محدودة في مقابل عقوبة أو مكافأة غير محدودة»، وإنما باعتباره حكمًا صادرًا عن علم لا يحيط بما فعله الإنسان فحسب، بل بما كان سيكون عليه في فضاء الإمكانات الذي لا يستطيع الإنسان نفسه أن يحيط به أيضاً.
ومع ذلك ينبغي الاحتراز هنا من تحويل هذه الفرضية إلى دعوى بأن الإنسان يُحاسَب على أفعال لم يفعلها؛ فهذا ليس ما يلزم عنها، فالمقصود مختلف، ومفاده أننا، حين نسأل عن عدالة الحكم الإلهي، فإننا نسأل من داخل معرفتنا بالسيناريو الوحيد الذي وقع، بينما ننسب الحكم إلى علم إلهي لا تحده معرفتنا بذلك السيناريو.
وهذا فارق جوهري. فنحن نرى الفعل، أما الله تعالى فيعلم الفاعل. ونحن نرى القرار الذي اتُّخذ في ظرف واحد، أما الله تعالى فيعلم الإنسان والظرف، ويعلم ما أظهره الظرف وما أخفاه، وما كان سيتغير لو تغيرت الشروط، وما كان سيبقى ثابتًا رغم تغيرها. ونحن نعرف الحياة التي حدثت، أما علم الله تعالى، وفق هذه المقاربة، فيحيط أيضًا بـفضاء الحيوات الممكنة.
ولعل هذا هو ما يجعل قول الله تعالى {لا تعلمون} أكبر بكثير مما اعتدنا أن نسمعه فيها. فنحن لا نجهل مجرد مجموعة من الحقائق التي يمكن أن نكتشفها غدًا. فهناك، ربما، مستوى آخر من الجهل أكثر جذرية: أشياء لا نعرفها لأن موقعنا الوجودي نفسه لا يسمح لنا بالإحاطة بها. فنحن موجودون في زمان واحد، ومكان واحد، وحياة واحدة، ومسار واحد تحقق من بين مسارات كثيرة كان يمكن أن تتحقق.
ومن هنا فإن قصورنا عن فهم بعض وجوه الحكمة أو العدل الإلهيين قد لا يكون ناشئًا دائمًا عن غموضهما، بل عن ضآلة العينة التي نبني عليها حكمنا.! فنحن نحاول الحكم على مكتبة من كتاب واحد، بل ربما من صفحة واحدة.! ثم نتساءل لماذا لا نستطيع فهم المؤلف.
إن علم الله تعالى، بهذا المعنى، لا يختلف عن علم الإنسان في المقدار فحسب؛ كأننا نعرف ألف معلومة ويعرف الله تعالى عددًا لا نهائيًا منها. والفرق أعمق من ذلك بكثير؛ إذ أنه اختلاف في طبيعة الإحاطة نفسها: فنحن نعرف ما استطعنا الوصول إليه من الواقع المتحقق، بينما لا يكون ما لم يتحقق، لمجرد أنه لم يتحقق، خارج العلم الإلهي.
وهنا تصبح السيناريوهات اللامتناهية لحياة الإنسان واحدة من أكثر النوافذ إثارة للتأمل في معنى قوله تعالى: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. فربما كان «كل شيء» أوسع كثيرًا من الأشياء التي اعتدنا أن نضعها تحت كلمة “شيء”. وربما كان من أعظم أخطاء العقل البشري أنه حين يسمع أن الله تعالى يعلم الظاهر والباطن، يتصور الباطن مجرد شيء موجود خلف ستار، لو أزيح الستار لرآه. بينما ما وراء الستار هو أعقد من ذلك بكثير: ليس فقط ما حدث ولم نره، ولا ما سيحدث ولم يحن وقته، بل كذلك ذلك المحيط الهائل من ما كان يمكن أن يحدث، وما كان سيترتب عليه لو حدث، ومن كنا سنكون لو أننا عشنا حياة أخرى غير الحياة التي عشناها.
وهنا، تحديدًا، قد يبدأ معنى آخر لعلم الله تعالى: علمٌ لا يحيط بالإنسان الذي كان فحسب، بل بالإنسان في جميع إمكاناته. ولا يحيط بالحياة التي وقعت فحسب، بل بما كان يمكن أن تكون عليه الحياة. ولا يعلم الطريق الذي سلكناه وحده، بل كل طريق كان يمكن أن نسلكه، وكل مفترق كان يمكن أن نصل إليه، وكل اختيار كان يمكن أن نتخذه، وكل نتيجة كانت ستنشأ عنه. فنعيش سيناريو واحدًا. ونتصور بضعة سيناريوهات.
وقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يولّد لنا آلاف السيناريوهات. أما علم الله تعالى، فلا يقف، وفق هذه المقاربة، عند السيناريو المتحقق، ولا عند حدود ما يستطيع عقلنا المحدود بالإمكان و«الهنا والآن» أن يتصوره.
وربما لهذا كان من أبلغ ما يمكن أن يقال للإنسان، وهو يحاول أن يجعل حدود عقله حدودًا لما يمكن أن يكون معلومًا: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. فالمسافة بين علم الله تعالى وعلم الإنسان هي ليست المسافة بين المعلوم والمجهول فحسب، ولكنها أيضًا المسافة بين الواقع والإمكان، وبين الحياة الواحدة التي حدثت والحيوات التي كان يمكن أن تحدث، وبين الإنسان الذي نعرفه من خلال ما فعل، والإنسان الذي لا يعلم جميع إمكاناته إلا الله تعالى.
