
تضعنا الطروحات الفلسفية المعاصرة، وعلى رأسها أفكار كتاب “عن مساواة جميع الأشياء” (On the Equality of All Things)، أمام مراجعة نقدية يتوجب القيام بها بخصوص العلاقة التاريخية بين الفيزياء والفلسفة. فلقد جاء الكتاب ليزعزع هيمنة “المركزية الفيزيائية” (Physics-Centrism) التي سادت لعقود، محاولاً تفكيك التراتبية المادية واقتراح “تكافؤ أنطولوجي” ينظر إلى الوجود بكافة مستوياته (المادية، والتجريدية، والمعقدة) بصفته واقعاً متكافئاً لا يصح اختزال بعضه الى بعض.
لكن السؤال المعرفي الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أي مدى يمكننا الذهاب في هذا النقد دون أن نقع في تفكيك يفرغ المنهج العلمي من قوته الشارحة، ودون السقوط في سجالات “سكولائية” تحاكي الجدل المدرسي القروسطي في زمن يتسارع فيه العلم والتكنولوجيا على نحو غير مسبوق؟
وحتى لا نقفز على المقدمات لنصل إلى نتائج مبتسرة، يجب استعراض حجج كل طرف بأمانة معرفية:
- النزعة الاختزالية الوضعية (Reductionism & Positivism) : يُحسب للمنهج الاختزالي أنه المحرك الأساسي لأعظم اكتشافات البشرية؛ فمن خلال تفكيك الظواهر إلى مكوناتها الأولية (من الجزيئات إلى الكواركات)، استطاع الإنسان صياغة قوانين دقيقة ومُحكمة وضعت أساس التكنولوجيا الحديثة. وترى هذه المدرسة أن التخلي عن مبدأ الاختزالية والسببية المادية المباشرة قد يفتح الباب أمام الميتافيزيقا المضببة واللا-أدرية العلمية، مما يضعف القدرة التنبؤية والتجريبية التي هي جوهر الفيزياء.
- نقد الاختزالية ودعوة التكافؤ (أنصار الطرح الجديد): فمعرفة قواعد لعبة الشطرنج لا يعني التنبؤ بكل المسارات والمباريات الممكنة. فالفيزياء تصف “شروط الإمكان” ولا تفسر “النواتج المعقدة”. فلا يمكن اختزال البيولوجيا في الكيمياء، ولا الوعي في السيالات العصبية، لأن المادة عند مستويات معينة من التنظيم تنتج “خواصاً ناشئة” (Emergent Properties) تملك قوانينها الخاصة ذات الاستقلالية الذاتية، وهو ما يفرض التعامل مع هذه المستويات بقدر متساوٍ من الواقعية.
وعلى الرغم من الدلالات المعرفية البالغة لهذا الطرح الذي يتجاوز الاختزالية الضيقة، إلا أن التمادي في نقد النزعة الوضعية والتفكيكية قد يستدرج الفكر إلى مأزق سكولائي جديد؛ وهو مأزق يتحول فيه النقاش الفلسفي الفيزيائي إلى جدل لفظي عقيم يدور حول الذات بدلاً من الواقع، ويغفل عن التطورات الميدانية في العلوم!
إن الاسترسال المفرط في نقد الاختزالية قد ينتهي بنا إلى: - الوقوع في “نسبيّة معرفية” تجعل كل التفسيرات متساوية القيمة، مما يهدد معيار “القطع والجزم المعرفي” الذي تتميز به الفيزياء.
- الانفصال عن الممارسة العلمية الحية، حيث تُبنى الفيزياء المعاصرة (مثل الفيزياء الكمومية ونظرية التعقيد) على الجمع بين الرياضيات التجريبية والتفكير المفهومي الصارم، وليس على المساجلات الميتافيزيقية المجرّدة.
وبدلاً من الاستمرار في هذا الاستقطاب الحاد بين (إطلاق الاختزالية) و(شمولية التفكيك)، يبرز في القرن الحادي والعشرين بديل معرفي أكثر ملاءمة لعالم يتزايد تعقيده بتسارع مذهل يتمثل في علم الأنظمة المعقدة (Complex Systems) ونظرية التفاعل والنشوء (Emergence & Interaction). ويقوم هذا البديل على المبادئ التالية:
• التكاملية لا الاختزالية ولا المساواة المفرطة، فالفيزياء الأساسية تقدم “الهيكل العظمي” للواقع (قواعد رقعة الشطرنج)، بينما تقدم علوم التعقيد (Complex Science) “الأنسجة والدم” الذي يحرك هذا الهيكل (مسارات اللعب). ولا توجد مفاضلة بين القواعد والمباراة؛ فكلاهما جزء لا يتجزأ من فهم الصورة الكلية.
• النشوء الذاتي (Emergence) كمعيار معرفي، وذلك بإدراك أن الواقع ينظم نفسه في مستويات متعددة من التعقيد؛ فكل مستوى له أدواته الشارحة وقوانينه الخاصة دون الحاجة لإلغاء المستوى الذي تحته أو الاستغناء عنه.
• البراغماتية الإبستمولوجية: تجاوز السؤال القروسطي حول “ما هو الوجود في جوهره؟” إلى سؤال القرن الحادي والعشرين: “كيف تتفاعل مستويات الوجود المعقدة معاً، وكيف نوائم أطرنا المفهومية مع هذه التفاعلات؟”.
إن ما نحتاجه اليوم ليس إلغاء الفيزياء لصالح الفلسفة، ولا هيمنة الفيزياء على سائر المعارف، بل إقامة شراكة معرفية مرنة تعترف بحدود كل منهج. فكتاب “On the Equality of All Things” يفتح باباً مهماً للوعي بحدود الاختزالية، لكن البقاء عند هذا الباب والاستغراق في نقده سينتج “لاهوتاً” علمانياً جديداً. فالفيزياء الفتية للقرن الحادي والعشرين تتطلب منا الانتقال من الجدالات التفكيكية العقيمة إلى رؤية تركيبية تستوعب القوانين الأساسية وتتأمل في الوقت ذاته النسيج المذهل للظواهر الناشئة، دون قفز على المقدمات ودون ادعاء لا يسانده الدليل التجريبي والمرونة الفلسفية.
