
من بين أكثر المشاهد تكرارًا وإثارة للحيرة في التاريخ الإنساني ذلك المشهد الذي يبدأ فيه شعب ثورته مطالبًا بالحرية، ثم يجد نفسه بعد سنوات أمام سلطة جديدة تمارس بعض ما كانت تمارسه السلطة التي أسقطها! فيسقط المستبد، لكن الاستبداد قد لا يسقط معه. وتنهار طبقة مهيمنة، فتظهر طبقة أخرى. وتتحطم رموز النظام القديم، ثم لا يلبث النظام الجديد أن يصنع رموزه ومحظوراته الخاصة. وليس هذا مصير كل ثورة، ولا ينبغي اختزال تاريخ الثورات في دورة حتمية تنتهي دائمًا إلى الفشل. فقد أحدثت ثورات وتحولات سياسية واجتماعية تغييرات عميقة ودائمة في حياة البشر. ولكن تكرار عودة بعض البنى التي ثارت المجتمعات عليها يفرض سؤالًا لا يجوز تجاهله: لماذا يستطيع الإنسان أن يغير النظام، ثم يعيد إنتاج شيء من منطقه داخل النظام الجديد؟ ربما لأننا اعتدنا أن نكتب تاريخ الثورات بوصفه تاريخًا للأنظمة التي سقطت والأنظمة التي حلت محلها، بينما لم نكتب بالقدر نفسه تاريخ الإنسان الذي عبر من النظام القديم إلى الجديد.
حين تقوم الثورة، يكون عدوها ظاهرًا في العادة. فهناك حاكم، أو طبقة، أو مؤسسة، أو نظام اقتصادي، أو امتيازات اجتماعية ينبغي إسقاطها. وبقدر ما يكون العدو قابلًا للتحديد، يصبح من السهل بناء خطاب ثوري حوله: هذه هي المشكلة، وإذا أزلناها بدأ المستقبل. ولكن ماذا لو كان جزء من النظام الذي يراد إسقاطه قد استقر بالفعل داخل الذين يثورون عليه؟ وماذا لو لم يكن الاستبداد موجودًا في الحاكم وحده، وإنما في تصور الإنسان للسلطة؟ وماذا لو لم تكن الهيمنة خاصية الطبقة المهيمنة وحدها، وإنما إمكانية كامنة فيمن يحلم بإزاحتها؟ عندئذ يصبح إسقاط النظام القديم نصف الثورة فقط، أما نصفها الأصعب فهو منع الإنسان الذي صنع ذلك النظام، أو تكيف معه وتشرّب منطقه، من إعادة إنتاجه. ومن هنا يمكن صياغة مفارقة الثورة: يستطيع الإنسان أن يثور على ما هو خارجه أسرع بكثير مما يستطيع أن يثور على ما استقر منه في داخله!
ويبدو الفرق هائلًا بين رفض السلطة ورفض الاستبداد، مع أننا نخلط بينهما كثيرًا. فالإنسان قد يعارض سلطة معينة لا لأنه يرفض مبدأ الهيمنة، بل لأنه يرفض أن يكون هو الطرف الخاضع لها. وقد يطالب بالمساواة حين يكون في الأسفل، ثم يعيد اكتشاف مبررات التفاوت حين يصبح في الأعلى. وقد يدافع عن حرية المعارضة حين يكون معارضًا، ثم يرى المعارضة تهديدًا للاستقرار حين يصبح حاكمًا.
وهنا يكشف التاريخ عن سؤال أشد إزعاجًا من السؤال السياسي المعتاد، وهو هل كان الإنسان يعارض المبدأ، أم يعارض موقعه داخل المبدأ؟ فالذي يرفض الهرم لأنه في قاعدته ليس بالضرورة رافضًا للهرم نفسه. وقد يكون أقصى ما يتمناه هو أن يصعد إلى قمته. وحين يحدث ذلك، تكون الثورة قد غيرت الأشخاص الذين يشغلون المواقع، لكنها لم تغير البنية التي تحدد معنى هذه المواقع.
وهنا يدخل فائض التمثل إلى قلب الظاهرة الثورية. فالثائر لا يرى نفسه، في العادة، نسخة محتملة ممن يثور عليه. إنه يبني تمثلًا مختلفًا تمامًا لذاته: الطاغية فاسد، أما نحن فأنقياء. هو يريد السلطة لنفسه، أما نحن فنريدها للشعب. هو يقمع خصومه خوفًا على حكمه، أما نحن فسنتعامل معهم وفق العدالة. هو يكذب، أما نحن فنملك الحقيقة.
وهذه الثنائية مفهومة نفسيًا؛ فالثورة تحتاج إلى تمييز واضح بين النظام الذي تريد إسقاطه والمستقبل الذي تريد بناءه. ولكن الخطر يبدأ حين تتحول هذه الصورة التعبوية إلى يقين معرفي. فإذا أصبح الإنسان مقتنعًا بأن انتماءه إلى قضية عادلة يجعله هو نفسه عادلًا بالضرورة، يكون فائض التمثل قد منحه أخطر الامتيازات، ألا وهي “الحصانة الأخلاقية الذاتية”. وعندئذ يستطيع أن يمارس فعلًا كان يدينه بالأمس، لكنه لا يراه الفعل نفسه لأن الفاعل تغير. فحين كان الخصم يفعله كان قمعًا. وحين يفعله هو يصبح حماية للثورة! وحين كان الخصم يمنع الكلام كان استبدادًا. وحين يمنعه هو يصبح منعًا للتحريض! وحين كان الخصم يلاحق المعارضين كان طغيانًا. وحين يفعل النظام الجديد ذلك قد يصبح دفاعًا عن مكتسبات الثورة! وهكذا يستطيع الفعل أن يبقى قريبًا من نفسه بينما يتغير اسمه.
تزداد المشكلة تعقيدًا حين تتحول الثورة من حدث سياسي إلى هوية. ففي بدايتها تكون الثورة فعلًا: جماعة تريد تغيير واقع معين. لكنها تستطيع بعد انتصارها أن تتحول إلى مصدر للشرعية. ويصبح السؤال عمن شارك فيها، ومن يمثلها، ومن يملك حق تفسير أهدافها، ومن خان مبادئها. وعندئذ تظهر طبقة جديدة من التمثلات: نحن أبناء الثورة. ومن هذه العبارة يمكن أن يولد امتياز لم يكن موجودًا في خطاب الثورة الأول.
فالذين ثاروا باسم المساواة قد يصبحون، بحكم تاريخهم الثوري، جماعة ترى لنفسها حقًا أكبر في الحكم. والذين ثاروا لإلغاء الامتيازات القديمة يستطيعون إنتاج امتياز ثوري جديد.
وهنا تحدث واحدة من أكثر المفارقات التاريخية دلالة: تستطيع الثورة التي قامت ضد طبقة متميزة أن تصنع طبقتها المتميزة الخاصة، ليس لأن الثورة كانت كاذبة منذ البداية بالضرورة، بل لأن الإنسان يستطيع تحويل حتى التضحية من أجل المساواة إلى رأسمال رمزي يمنحه موقعًا أعلى من الآخرين.
كثيرًا ما تتكرر في تاريخ الثورات ظاهرة الصراع الداخلي بعد الانتصار. فما إن يختفي العدو المشترك حتى تبدأ الخلافات بين القوى التي توحدت ضده. وهنا قد لا يكون الأمر مجرد تنافس سياسي عادي. فالتحالف الثوري كان يستطيع إخفاء اختلافات عميقة ما دام هناك خصم خارجي واضح. ولكن بعد سقوطه يظهر السؤال الذي كان مؤجلًا: من يمثل الثورة حقًا؟ فكل جماعة تستطيع أن ترى نفسها التجسيد الأصدق للمشروع، وترى الآخرين منحرفين عنه.
وهنا يعود فائض التمثل مرة أخرى. فبدل أن يكون العالم مقسومًا بين الثورة والنظام القديم، ينقسم داخل الثورة نفسها بين “الثوري الحقيقي” و”الخائن” أو “المنحرف” أو “الرجعي”. وتبدأ عملية تضييق دائرة “نحن”. فلقد كانت في البداية واسعة بما يكفي لتضم كل المعارضين للنظام. ثم تصبح أضيق، ثم أضيق. حتى يستطيع رفاق الأمس أن يصبحوا أعداء اليوم!
وهكذا لا تأكل بعض الثورات أبناءها بسبب حادث عرضي فحسب، بل لأن المنطق التمثلي الذي أنتج العدو الخارجي يستطيع، بعد اختفاء هذا العدو، أن يعيد إنتاجه داخل الجماعة نفسها!
وحين يقترن فائض التمثل بفائض العدوان تصبح الثورة معرضة لتحول أكثر خطورة. فالعدوان الذي كان موجهًا إلى السلطة القديمة يحتاج بعد سقوطها إلى إعادة ضبط. لكن إذا لم يحدث ذلك، فإنه يستطيع أن يبحث عن موضوع جديد. فيظهر “أعداء الثورة”، ثم “المتآمرون”، ثم “الطابور الداخلي”. وقد يكون لبعض هذه المخاوف أساس واقعي بالفعل؛ فالثورات تواجه في أحيان كثيرة قوى تحاول إسقاطها أو إعادة النظام السابق. ولكن المشكلة تبدأ حين تتحول حالة الاستثناء إلى طريقة دائمة في رؤية المجتمع.
وعندئذ تصبح الثورة محتاجة إلى عدو لكي تستمر في تعريف نفسها. وكلما اختفى عدو ظهر آخر. وهنا تستطيع الثورة أن تنتقل تدريجيًا من مشروع لتحرير المجتمع إلى مشروع لحمايته من قائمة لا تنتهي من الأعداء! والسلطة التي قامت باسم الحرية تبدأ في اكتشاف أن الحرية نفسها قد تكون خطرة عليها.
وهنا نصل إلى قلب مشروع إعادة كتابة تاريخ المعرفة. فإذا جمعنا آلاف الثورات والانتفاضات والتحولات السياسية التي عرفها التاريخ، ثم حذفنا أسماء البلدان والقادة والأحزاب والشعارات، فكم نمطًا ثوريًا مختلفًا حقًا سيبقى؟! سنجد التمرد على الظلم. والصراع على الموارد. والثورة ضد الامتياز. والتمرد على الاحتلال. والصراع بين طبقات أو جماعات. والرغبة في الحرية أو المشاركة أو العدالة. ثم سنجد، بعد الانتصار، أسئلة متكررة هي الأخرى: من يحكم؟ وكيف توزع السلطة؟ وماذا نفعل بخصوم النظام الجديد؟ وما حدود المعارضة المسموح بها؟ ومن يملك تعريف أهداف الثورة؟ ومتى تنتهي الثورة ويبدأ النظام الطبيعي للحياة السياسية؟ إن عدد الثورات هائل، لكن عدد الأسئلة التي تواجهها أقل بكثير! ومرة أخرى: التجليات كثيرة، والأصول قليلة!
ومن أكثر العبارات شيوعًا عند الحديث عن الثورات قولنا إن “التاريخ يعيد نفسه”. ولكن التاريخ لا يمتلك عقلًا ولا إرادة لكي يعيد شيئًا. فهو لا يقرر أن يعيد إنتاج الطغيان بعد الثورة، ولا أن يجعل ضحايا الأمس جلادي اليوم، بل إن الفاعل الذي ينتقل من المشهد الأول إلى الثاني هو الإنسان.
ولهذا ربما كانت العبارة الأدق هي: التاريخ لا يعيد نفسه، بل إن الإنسان هو من يعيد نفسه داخل التاريخ. وهذا التحول البسيط في العبارة يغير موضع المشكلة بالكامل. فبدل البحث عن قانون غامض يجعل الأحداث تتكرر، نبحث عن البنية البشرية التي تنتج أنماطًا متشابهة حين توضع في ظروف متشابهة.
ومن هنا يمكن إعادة تعريف الثورة نفسها. فالثورة التي تكتفي بتغيير المؤسسات والقوانين وأصحاب السلطة هي ثورة “على الخارج”، أما الثورة الأعمق فتحتاج إلى جبهة ثانية: الثورة على البنية النفسية والتمثلية التي تستطيع إعادة إنتاج الاستبداد والهيمنة والإقصاء تحت أسماء جديدة! فلا يكفي أن نسأل كيف نمنع الحاكم من الاستبداد، بل ينبغي أن نسأل أيضًا: كيف نمنع الإنسان الذي يصل إلى الحكم من الاعتقاد بأن عدالة قضيته تمنحه حقًا استثنائيًا في السلطة؟! ولا يكفي إلغاء امتيازات طبقة قديمة، بل ينبغي أن نسأل كيف نمنع الطبقة الجديدة من بناء سردية تبرر امتيازاتها. ولا يكفي تحرير الإنسان من سلطة خارجية، بل ينبغي أن نبحث في السلطة التي يحملها في تمثله لذاته وللآخرين.
وهنا تصبح الثورة السياسية مرتبطة بثورة معرفية أعمق قوامها أن يتعلم الإنسان الشك في الصورة المثالية التي يصنعها عن نفسه عندما يصبح هو صاحب القوة.
ربما كان من السهل نسبيًا معرفة أخلاق الإنسان حين يكون ضعيفًا؛ لأنه لا يستطيع فعل كثير مما يرغب فيه!
لكن السلطة تغير شروط الاختبار. ولهذا فإن الاختبار الحقيقي للثائر لا يكون فقط عندما يقف أمام السلطة، بل عندما تصبح السلطة بين يديه. فهل سيقبل للآخر الحق نفسه في المعارضة الذي طالب به لنفسه؟ وهل سيطبق على أفعاله المعايير التي طبقها على خصومه؟ وهل سيقبل أن يُنتقد بالطريقة التي كان ينتقد بها؟ وهل يستطيع الاعتراف بأنه قد يخطئ، حتى بعد أن انتصر؟
فهذه الأسئلة قد تكون أهم من الشعارات التي رفعتها الثورة في بدايتها. فالحرية لا تُختبر عندما نطالب بها لأنفسنا، بل إنها تُختبر عندما نمنحها لمن يخالفنا.
وهنا نستذكر العبارة الرومانية الشهيرة: “لا جديد تحت الشمس”.
فقد تتغير أسماء الثورات. وتتغير الأعلام. وتتغير الأناشيد. وتتغير النظريات التي تستند إليها هذه الثورات. وتتغير التقنيات التي يستخدمها الثوار. ولكن السؤال القديم يعود: ماذا سيفعل الإنسان بالقوة حين تصبح في يده؟ وهذا السؤال أقدم من كل الأيديولوجيات الحديثة. فربما كان التاريخ السياسي للبشرية، في أحد مستوياته العميقة، سلسلة طويلة من الإجابات المتكررة عن هذا السؤال.
ومن هنا فإن إعادة كتابة تاريخ الثورات لا ينبغي أن تكتفي بتصنيفها إلى ثورات ناجحة وفاشلة، أو سياسية واجتماعية واقتصادية. فيمكن أن نعيد تصنيفها وفق سؤال مختلف: إلى أي مدى استطاعت الثورة أن تغير البنية التي أنتجت ما ثارت عليه؟ فهناك ثورة تغير الحاكم. وثورة تغير النظام. وثورة تغير توزيع السلطة. وثورة تغير المؤسسات التي تحد من السلطة. ولكن أعمق التحولات هي تلك التي تنجح في جعل عودة البنية القديمة أصعب، وذلك لأنها لا تراهن على صلاح الإنسان وحده، بل تبني من المؤسسات والضوابط ما يمنع الإنسان من تحويل تمثله لذاته إلى سلطة مطلقة على الآخرين.
وهنا ربما نكتشف أن أعظم إنجاز للثورة هو ليس أن يأتي إلى الحكم أناس صالحون، بل أن تبني نظامًا لا يحتاج إلى افتراض أنهم سيبقون صالحين عندما يمتلكون القوة! وذلك لأن التاريخ يعلمنا أن المشكلة لم تكن دائمًا في العثور على الإنسان الذي يرفض الطغيان، بل المشكلة كانت في ضمان أن يظل يرفضه بعد أن تصبح أدواته في يده.
وعندئذ يصبح السؤال الأخير في تاريخ الثورات مختلفًا تمامًا. فليس السؤال هو: لماذا تفشل الثورات؟ وليس: لماذا تنتهي بعض الثورات إلى ما ثارت عليه؟ بل: لماذا نظل نتوقع أن يؤدي تغيير من يمسك بالسلطة، من تلقاء نفسه، إلى تغيير ما تفعله السلطة بالإنسان؟!
فلعل الثورة التي لم تقع بعد، رغم آلاف الثورات التي عرفها التاريخ، هي الأصعب بينها جميعًا، ألا وهي ثورة الإنسان على تمثله لنفسه حين يمتلك القوة.
