حتى نظريات الفيزياء هي حمّالة أوجه

لعل من أكثر الأوهام شيوعًا لدى عامة الناس، ولا سيما أولئك المفتونين بالعلم والعلماء، الاعتقاد بأن النظرية العلمية تقول الشيء نفسه لكل من يقرؤها، وأن ما إن يضع الفيزيائي أمامنا معادلة أو نظرية حتى نكون قد انتقلنا من عالم التأويل البشري المضطرب إلى عالم لا مكان فيه إلا لمعنى واحد تفرضه الطبيعة نفسها. فنحن نتصور، في العادة، أن الاختلاف في تفسير النصوص الدينية والفلسفية والتاريخية أمر مفهوم، لأنها نصوص تمر عبر اللغة والثقافة والعقيدة، أما الفيزياء فشيء آخر تمامًا. فمعادلاتها واحدة، وتجاربها قابلة للتكرار، ونتائجها قابلة للقياس؛ ولذلك نفترض أن الفيزيائي الماركسي والفيزيائي البوذي والفيزيائي الطاوي والفيزيائي المؤمن بالله والفيزيائي الملحد لا بد أن يروا في النظرية الفيزيائية الشيء نفسه، ما داموا جميعًا ينظرون إلى المعادلات نفسها.
ولكن هل يحدث ذلك حقًا؟
المشكلة هنا أننا نخلط بين ما تقوله النظرية من الناحية الرياضية والتجريبية، وما نعتقد أن النظرية تعنيه من الناحية الوجودية والفلسفية. فقد يستطيع عالمان أن يتفقا تمامًا على معادلات ميكانيكا الكم، وأن يتنبآ بالنتيجة التجريبية نفسها، وأن يستخدما الجهاز نفسه، وأن يحصلا على القياسات نفسها، ثم يختلفا اختلافًا عميقًا حين نسألهما سؤالًا بسيطًا ظاهريًا: ما الذي تكشفه هذه النتائج عن حقيقة العالم؟ عند هذه اللحظة لا تعود المعادلة وحدها هي التي تتكلم. بل يبدأ الإنسان في الكلام معها.
ولعل التجربة السوفيتية تقدم مثالًا بالغ الدلالة على ذلك. فقد نشأ العلم السوفيتي في بيئة فكرية لم تكن المادية الديالكتيكية فيها مجرد رأي فلسفي شخصي يستطيع العالِم أن يأخذ به أو يتركه، وإنما كانت إطارًا أيديولوجيًا عامًا يفترض أن تُفهم الطبيعة والتاريخ والمجتمع من خلاله. ولذلك لم يكن استقبال بعض النظريات الفيزيائية الحديثة، ولا سيما ميكانيكا الكم وما ارتبط بها من أسئلة عن الاحتمال والسببية والواقع الموضوعي، منفصلًا تمامًا عن ذلك الإطار. فقد كان لابد من الدفاع عن موضوعية العالم المادي، ومن الحذر من التأويلات التي يمكن أن تُفهم باعتبارها مثالية فلسفية أو تنازلًا عن أولوية الواقع المادي المستقل عن الوعي.
فلم تكن معادلة شرودنغر، بطبيعة الحال، «شيوعية»، ولم يكن مبدأ عدم اليقين «رأسماليًا»، كما لم تكن الإلكترونات تقرأ ماركس أو إنجلز قبل أن تتصرف في المختبر! ولكن الإنسان الذي كان ينظر إلى تلك المعادلات كان ينظر إليها من داخل منظومة معرفية وفلسفية سابقة عليها.
وهنا تكمن المفارقة. فالطبيعة واحدة، ولكن صور الطبيعة في عقولنا ليست بالضرورة واحدة.
والأمر نفسه يظهر بصورة أخرى حين انتقلت بعض مفاهيم الفيزياء الحديثة إلى فضاء المقارنات مع الفلسفات الشرقية. فقد وجد بعض الكتّاب والعلماء والمفكرين المتأثرين بالطاوية في بعض صور الفيزياء المعاصرة ما يذكّرهم بعالم العلاقات والتحولات والتكامل بين الأضداد، بينما قرأ آخرون متأثرون بالبوذية بعض القضايا نفسها من خلال مفاهيم مختلفة تتصل بعدم الثبات أو الترابط أو مشكلة الجوهر المستقل. ولا يعني هذا، بالطبع، أن ميكانيكا الكم تثبت الطاوية أو البوذية، ولا أن هذه الفلسفات كانت قد اكتشفت فيزياء الكم قبل الفيزيائيين! فالخلط بين التشابه المجازي والتطابق العلمي هو خطأ معرفي ينبغي تجنبه. ولكن الظاهرة نفسها مهمة للغاية؛ فالنظرية الواحدة تستطيع أن تدخل أكثر من عالم فلسفي، فيستخرج كل عالم منها معنى لا يطابق تمامًا المعنى الذي يستخرجه الآخر.
وهذا يكشف أن الإنسان لا يستقبل النظرية العلمية في فراغ معرفي. إذ أنه يأتي إليها محمّلًا بتاريخه وثقافته وعقائده وتصوراته السابقة عن المادة والوعي والسببية والزمن والوجود والحقيقة.
ولعل ميكانيكا الكم هي المثال الأشهر على أن الاتفاق العلمي لا يستلزم بالضرورة الاتفاق الأنطولوجي. فالفيزيائيون يستطيعون الاتفاق على نجاح الصياغة الرياضية لميكانيكا الكم وعلى دقة تنبؤاتها المذهلة، ثم يختلفون في السؤال عما يوجد فعلًا وراء تلك الصياغة. فهل الدالة الموجية شيء حقيقي أم مجرد أداة لوصف معرفتنا؟ وهل الاحتمال خاصية في الطبيعة نفسها أم هو تعبير عن حدود معرفتنا؟ وماذا يحدث عند القياس؟ وهل توجد نتيجة واحدة فقط، أم أن البنية الرياضية تسمح بتصور أكثر تعقيدًا للواقع؟ وما موقع المراقب أصلًا في كل ذلك؟ةإن هذه الأسئلة لا تعني أن «كل شيء جائز»، ولا أن الفيزياء مجرد رأي، بل تعني شيئًا أدق: فقد تكون لدينا بنية رياضية واحدة ناجحة تجريبيًا، بينما تظل دلالتها الوجودية قابلة لأكثر من تأويل.
وهنا تنهار الصورة الشعبية الساذجة للعالِم الفيزيائي بوصفه شخصًا لا يفعل سوى الإنصات إلى الطبيعة ثم نقل ما قالته إلينا حرفيًا! فالطبيعة لا تكتب كتب الفيزياء، بل الإنسان هو الذي يكتبها! والطبيعة لا تخبرنا، بعد انتهاء التجربة، ما إذا كانت النتيجة التي حصلنا عليها تؤيد تصورًا ماديًا أو مثاليًا أو واقعيًا أو أداتيًا للعالم. فنحن الذين ننتقل من النتيجة إلى معناها الأوسع.
ومن هنا ينبغي إجراء تمييز حاسم. فحين نقول إن «حتى نظريات الفيزياء هي حمّالة أوجه»، فلا ينبغي أن يعني ذلك أن سرعة الضوء تتغير بتغير عقيدة الفيزيائي، أو أن نتيجة تجربة ما تصبح مختلفة لأن من يجريها بوذي أو مسلم أو ملحد أو ماركسي. فليس هذا هو المقصود، بل المقصود أن الانتقال من الوصف العلمي إلى التفسير الفلسفي هو ليس انتقالًا محايدًا بالضرورة. فالمعادلة قد تفرض قيودًا صارمة على ما نستطيع قوله، والتجربة قد تستبعد تفسيرات كثيرة، لكن ما يتبقى بعد ذلك ليس دائمًا معنى فلسفيًا وحيدًا لا منافس له. ولهذا يمكن لعالِمين أن يتفقا على كل الأرقام تقريبًا ويختلفا على معنى العالَم الذي أنتج تلك الأرقام! فالمعادلة لا تحمل معتقد، ولكن الذي يقرأ المعادلة يحمل عقيدة، أو فلسفة، أو تصورًا مسبقًا للوجود، حتى عندما يتوهم أنه تحرر تمامًا من كل ذلك!
ربما تكمن المشكلة، إذاً، في أننا منحنا العلماء في المخيلة الحديثة سلطة تتجاوز حدود العلم نفسه! فحين يتحدث الفيزيائي عن نتيجة تجربة أو عن علاقة رياضية تقع في مجال تخصصه، فإنه يتحدث بسلطة معرفية تستند إلى منهج وأدلة وتخصص. ولكن حين ينتقل من ذلك إلى القول إن هذه النتائج تثبت أن الكون بلا غاية، أو أن الوعي أساس الواقع، أو أن المادة هي الحقيقة الوحيدة، أو أن الفيزياء تقودنا إلى تصور روحي معين للكون، فإنه يكون قد خطا خطوة أخرى! وقد تكون هذه الخطوة ذكية وعميقة وجديرة بالنقاش، لكنها ليست المعادلة نفسها؛ إذ أنها تفسير للمعادلة. والفرق بين الاثنين هو بالغ الدلالة، لأن الهيبة الاجتماعية للعلم تجعلنا أحيانًا ننقل اليقين الذي تتمتع به النتيجة التجريبية إلى التأويل الفلسفي الذي يقدمه العالِم لها! فنظن أن الثاني يتمتع بالقوة البرهانية نفسها التي يتمتع بها الأول. وهنا يتحول احترام العلم إلى انبهار بالعالِم.
ولعل السؤال الأكثر قيمة معرفية الذي ينبغي أن نطرحه عند قراءة أي تفسير واسع لنظرية فيزيائية ليس: «هل هذه النظرية صحيحة؟» فحسب، وإنما أيضًا: أي جزء من هذا الكلام فرضته التجربة، وأي جزء أضافه الإنسان لكي يجعل التجربة قابلة للاندماج في تصوره السابق للعالم؟
إنه سؤال بالغ الصعوبة، لأن الحد الفاصل بين الاثنين لا يكون ظاهرًا دائمًا. فنحن لا ننظر إلى العالَم بعيون مجردة من التاريخ والثقافة واللغة والتصورات السابقة. وحتى أكثر العقول تدريبًا على الموضوعية تظل عقولًا بشرية، تحمل معها أسئلة معينة، وتفضّل أنواعًا معينة من التفسير، وترى بعض الاحتمالات أكثر معقولية من غيرها. ولذلك فإن تاريخ الفيزياء هو ليس تاريخ اكتشاف الطبيعة فحسب، بل هو، في جانب منه، تاريخ الصور المتعاقبة التي صنعها الإنسان للطبيعة.
وهنا ربما نصل إلى المفارقة التي ينبغي أن تبدد واحدًا من أكثر أوهامنا المعرفية رسوخًا. فلقد تصورنا طويلًا أن تعدد التأويل يبدأ حين ينتهي العلم. ولكن تاريخ العلم نفسه يكشف أن المسألة أكثر تعقيدًا. فحتى عندما تكون المعادلات واحدة، والتجارب واحدة، والظواهر واحدة، يستطيع البشر أن يختلفوا في تحديد ما تعنيه هذه الأشياء عن حقيقة الواقع! ليس لأن الطبيعة تقول كل شيء ونقيضه، بل لأن الطبيعة لا تقدم إلينا دائمًا تفسيرًا فلسفيًا مكتوبًا إلى جانب نتائج التجربة! ولهذا فإن عبارة “حتى نظريات الفيزياء هي حمّالة أوجه” لا ينبغي أن تكون دعوة إلى النسبية العلمية، وإنما تحذيرًا من الخلط بين العلم وتأويل العلم، وبين ما أثبتته التجربة وما أضافه إليها العقل البشري. فالفيزياء، مهما بلغت من الدقة، لا تصل إلينا من الطبيعة مباشرة، بل تصل إلينا عبر الإنسان! وما دام الإنسان هو الذي يسأل، ويصوغ النظرية، ويقرأ نتائجها، ثم يحاول أن يستخرج منها صورة كلية للوجود، فإن السؤال سيظل قائمًا: حين يخبرنا الفيزيائي بما تعنيه نظريته عن حقيقة العالم، كم من هذا المعنى جاء من العالَم… وكم منه جاء من الفيزيائي نفسه؟

أضف تعليق